٢٤ - عن عائشة قالت: تُوفي رسولُ الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين. وفي رواية: أنه أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين. وفي رواية: أنه أقام بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء، ولا يرى شيئًا سبع سنين، وثماني سنين يُوحى إليه، وأقام بالمدينة عشرًا، وتوفي وهو ابن خمس وستين سنة، وفي أخرى: أنزل الله عليه وهو ابن أربعين، فمكث ثلاث عشرة سنة، ثم أُمِرَ بالهجرة، فهاجر إلى المدينة فمكث بها عشر سنين، ثم توفي رسول الله - ﷺ -. أخرجه البخاري ومسلم (٢).
_________________
(١) ١/ ٣١٨.
(٢) الرواية الأولى أخرجها البخاري ٨/ ١٢٣ في المغازي: باب وفاة النبي - ﷺ -، ومسلم (٢٣٤٩) في الفضائل: باب قدر سنه - ﷺ - من حديث عائشة، والثانية أخرجها مسلم (٢٣٥١) (١١٨) من حديث ابن عباس، والرواية الثالثة أخرجها أيضًا مسلم (٢٣٥٣) (١٢٣) من حديث ابن عباس، والرواية الرابعة أخرجها البخاري ٧/ ١٨٣ في المناقب: =
[ ١ / ٣٩ ]
٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: أوّلُ ما بُدِئ به رسول الله - ﷺ - من الوحى الرُّؤيا الصَّالحةُ في النَّومِ، فَكَانَ لا يَرَى رؤيا إلا جاءت مثل فَلَقِ الصُّبح، وحُبِّبَ إليه الخَلاءُ، وكان يَخْلُو بغارِ حِراء فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ (وهو التعبُّد اللَّيالي ذَوات العَدَد) (١) قَبْلَ أن يَنْزِعَ إلى أهْلِه، ويتَزوَّد لِذلكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها حتَّى جاءه الحقُّ (وفي رواية: حتَّى فَجِئَهُ الحقُّ) (٢) وهو في غار حِراء فجَاءهُ المَلَك فَقَالَ: "إِقْرأ" قال: ما أنا بِقارئٍ، قالَ: فأخَذَنِي
_________________
(١) = باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه، وأخرج البخاري في "صحيحه" ٦/ ٤٤٤ في المناقب باب صفة النبي - ﷺ - من حديث أنس "بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين وبالمدينة عشر سنين" وزاد مسلم (٢٣٤٧): وتوفَّاه الله على رأس ستين سنة، وأخرج البخاري ٨/ ١٢٨ من حديث عائشة وابن عباس ﵃ أن النبي - ﷺ - لبث بمكَّة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا قال الحافظ في "الفتح" ٨/ ١٢٣: هذا يخالف المروي عن عائشة عقبه أنه عاش ثلاثًا وستين، إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، كما قيل مثله في حديث أنس المتقدِّم في باب صفة النَّبي - ﷺ - من كتاب المناقب، وأكثر ما قيل في عمره: خمس وستون سنة، أخرجه مسلم من طريق عمار بن أبي عمار عن ابن عباس، ومثله لأحمد عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، وهو مغاير لحديث الباب لأنَّ مقتضاه أن يكون عاش ستين، إلا أن يحمل على إلغاء الكسر، أو على من قال: إنه بعث ابن ثلاث وأربعين، وهو مقتضى رواية عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه مكث بمكة ثلاث عشرة ومات ابن ثلاث وستين، وفي رواية هشام بن حسان عن عكرمة، عن ابن عباس: لبث بمكة ثلاث عشرة، وبعث لأربعين، ومات وهو ابن ثلاث وستين، وهذا موافق لقول الجمهور. . . والحاصل أن كل من روي عنه من الصحابة ما يخالف المشهور وهو ثلاث وستون جاء عنه المشهور، وهم: ابن عباس وعائشة وأنس، ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: هو الثبت عندنا.
(٢) هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطيبي، وفي رواية البخاري من طريق يونس عنه في التفسير ما يدل على الإدراج.
(٣) هي رواية للبخاري في التفسير.
[ ١ / ٤٠ ]
فغَطَّنِي حتَى بَلَغَ منِّي الجهْدُ (١) ثم أرسَلَنِي فقالَ: "إِقْرأ" فَقُلْتُ: ما أنا بقارئٍ، فأخَذَني فَغَطَّني الثَّالِثَة حتَّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثمَّ أرسَلَني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فرجَعَ بِهَا رسُول الله - ﷺ - يَرجفُ فُؤادُهُ، فَدَخَلَ عَلى خَدِيْجَة بِنْتِ خُوَيْلِد، فَقَال: "زَمِّلونِي زَمِّلونِي" فزَمّلوهُ حَتَّى ذهَبَ عَنهُ الرَّوعُ، فَقال لِخَدِيجَة وأَخْبَرَها الخَبَرَ: لَقَد خَشِيْتُ على نفْسي، فقالَت لهُ خَدِيجَةُ: كَلَّا أَبْشِر، فوَالله ما يُخْزيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِم، وتَصْدُقُ الحَدِيْث، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نَوائبِ الحَقِّ.
فانطَلَقَت بِه خَدَيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بهِ عَلَى وَرَقةَ بنِ نَوفَلَ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى بنِ قُصَيِّ وهو ابن عمِّ خَدِيجَة أَخِي أبِيها وكَان امْرأَ تنَصَّرَ في الجاهِلِيَّة وكانَ يَكْتُبُ الكِتابَ العِبْرانيَّ، فَيَكْتُبُ منَ الإِنجيْلِ بالعِبْرانيَّة ما شاءَ الله أن يَكْتُبَ، وكانَ شَيخًا كَبيْرًا قَدْ عَمِيَ، فَقالتْ لهُ خَدِيجةُ: يا ابنَ عمِّ (٢) اسْمَعْ مِن ابْنِ أَخِيكَ، فقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يا ابنَ أخِي مَاذا تَرى؟ فأخْبَرَهُ رسُول الله - ﷺ - خَبَرَ ما رأى، فَقَالَ له وَرَقةُ: هذا النَّاموسُ الَّذي نُزِّلَ على مُوسى، يا ليتني فيها جَذعًا (٣)، ليتني أكونُ فِيها حيًّا إِذْ يِخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: أوَ مُخْرِجِيَّ هُم؟ قال: نعَمْ لَم يَأتِ رَجُلٌ قَطُّ بمثلِ ما جِئتَ به إلا عودِيَ،
_________________
(١) رُوي بفتح الجيم ونصب الدال، أي: بلغ الغط مني غاية وسعي، وروي بالضم والرفع، أي: بلغ مني الجهد مبلغه.
(٢) ووقع في "صحيح مسلم": يا عم، قال الحافظ ابن حجر: وهو وهم، لأنه وإن كان صحيحًا لجواز إرادة التوقير، ولكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، ولا يحمل على أنها قالت ذلك مرتين، فتعين الحمل على الحقيقة.
(٣) هو بالنصب على أنه خبر "كان" المقدرة، قاله الخطَّابي، هو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾. وفي رواية الأصيلي: جذع بالرفع، وهو الجادة.
[ ١ / ٤١ ]
وإن يُدْرِكْني يَوْمُكَ حيًّا أنصُرُكَ نصْرًا مؤزَّرًا، ثُمَّ لَم يَنْشَب وَرَقَةُ أن تُوُفِّيَ وفَتَرَ الوَحيُ فَتْرَةً حَتّى حَزِن رسُول الله - ﷺ - فِيمْا بَلَغَنا (١) حُزْنًا غَدا منهُ مِرارًا حَتَّى (٢) يتَرَدَّى من رؤوس شواهِقِ الجِبَالِ، فَكُلَّما أوفَى بِذَروَةِ جَبَلٍ لكي يُلقِي نَفسَهُ تَبَدَّى لَهُ جبريلُ ﵇ فقال: يا محَمَّد إنَّك رسولُ الله حقًّا فيسكُنُ لِذلك جأشُهُ، وَتَقِرُّ نفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإذَا طَالَت عَلَيْهِ فَتْرَةُ الوَحْيِ غَدا لِمِثْل ذَلِك فَإذا أوفى بذروة جبلٍ (٣) تبدَّى له جبريل فقال له مثل ذلك. أخرجه البخاري ومسلم (٤).
٢٦ - وأخرجه البيهقي، وقال: عن ابن شهاب وهو الزهري قال: حَدَّثني عروة بن الزبير، عن عائشة زوج النبي - ﷺ - أنها قالت: توفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثلاث وستين.
٢٧ - قال ابن شهاب وحدَّثَني مِثْلَ ذَلِك سَعِيد بن المسيب. وكان فيما بلغنا: أول ما رأى أنَّ الله ﷿ أراه رؤيا في المنام، فشق ذلك عليه، فذكرها رسول الله - ﷺ - لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد، فعصمها الله ﷿ من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر فإن الله ﷿ لن يصنع بك إلا خيرًا، ثمَّ إنه خَرَجَ مِن عِندِها، ثم رجَعَ إِلَيْها، فأخْبَرَها أنّه رأى
_________________
(١) قوله: "فترة حتى حزن النبي - ﷺ - فيما بلغنا. . ." هذا وما بعده من زيادات معمر على رواية عقيل ويونس، وقال الحافظ في "الفتح": ثم إن القائل فيما بلغنا هو الزهري، ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله - ﷺ - في هذه القصة، وهو من بلاغات الزهري وليس موصولًا.
(٢) في البخاري: "كي".
(٣) في الأصل: فإذا وافى ذروة جبل، والتصحيح من البخاري.
(٤) رواه البخاري ١/ ٢١ - ٢٦ في بدء الوحي، وفي الأنبياء باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ وفي تفسير سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وفي التعبير: باب أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة، ومسلم رقم (١٦٠) و(٢٥٤) في الإِيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
[ ١ / ٤٢ ]
بطنه شُقَّ ثمَّ طُهِّرَ وغُسِّل، ثمَّ أُعيد كما كان، قالت: هذا والله خير فأبشر، ثم اسْتَعْلَنَ له جِبْريلُ ﵇ وهو بأعلى مكة، فأجْلَسَهُ على مَجْلِسٍ كَرِيمٍ مُعْجِبٍ كان النبي - ﷺ - يقولُ أجْلَسَني على بِساطٍ كهيئة الدُّرْنوك (١)، فيه الياقوت واللؤلؤ، فبشره برسالة الله ﷿ حتى اطمأن النبي - ﷺ -، فقال له جبريل ﵇: "اقرأ" فقال كيف أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَفتَحَ جِبرِيلُ عَينًا من ماء فتوضأ ومحمد - ﷺ - ينظر إليه، فوضأ وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم نضح فرجه، وسجد سجدتين مواجهةَ البيت، ففعل محمَّد - ﷺ - كما رأى جبريل يفعل (٢).
٢٨ - قال ابن شهاب: وكانت خديجة أوَّل مَن آمن بالله وصَدَّق رسول الله - ﷺ - قبل أن تُفرَض الصلاة، قال: فقبِل الرسول - ﷺ - رِسالَة ربه ﷿، واتَّبع الَّذي جاءه به جبريل ﵇ مِن عند الله، فلمّا قَبِلَ الَّذي جاءه من عِند الله، وانصرف مُنْقَلِبًا إلى بيته جعل لا يمرُّ على شجر ولا على حجر إلا وسلم عليه، فرجع مسرورًا إلى أهله موقنًا، قد رأى أمرًا عظيمًا، فلما دخل على خديجة قال: أرأيتكِ (٣) الَّذي كنتُ أحَدِّثكِ أنِّي رأيته في المنام، فإنَّه جبريل عليه
_________________
(١) قال الجواليقي في "المعرب" الدرنوك: جمعه درانك، يقال: إن أصله غير عربي، وقد استعملوه قديمًا، وهو نحو من الطنفسة والبساط. قال الراجز: أرسلت فيها قطِمًا لكالكا من الذريحِيَّات جعدًا آركا يقصر يمشي ويطول باركا كأنَّ فوق ظهره درانكا
(٢) الجملة الأخيرة التي بعد الآية لم ترد في "دلائل النبوة" المطبوع.
(٣) في الأصل: أيأتيك وهو تحريف.
[ ١ / ٤٣ ]
السَّلام استَعلَن لِي، أرسلَه إلَّي رَبِّي، فَأخبرها بالَّذي جاءهُ من الله ﷿ وما سمع منه، فقالت: أبشر فوالله لا يفعل الله بك إلا خيرًا، فاقْبَلِ الذي جاءك من الله، فإنه حق وأبشر، فإنك رسول الله - ﷺ - (١).
٢٩ - قال البيهقي: والذي ذكر فيه من شق بطنه يحتمل أن يكون حكاية منه لما صنع به في صباه، ويحتمل أن يكون شق مرة أخرى، ثم مرة أخرى، ثم مرة ثالثة حين عُرِجَ به إلى السماء.