قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ الْأَعْشَى- أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فِي وُقُوعِ مَا قَالَ سَطِيحٌ وَصَاحِبُهُ:
مَا نَظَرَتْ ذَاتُ أَشْفَارٍ كَنَظْرَتِهَا حقّا كما صدق الذّئبىّ إذ سجعا
_________________
(١) ارْتَفَعَتْ، وَمَنْ هَلَكَ ارْتَفَعَتْ رِجْلَاهُ، وَانْتَكَسَ رَأْسُهُ، فظهرت نعامة قدمه،
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ لِسَطِيحِ: الذّئْبِيّ؛ لِأَنّهُ سَطِيحُ بن ربيعة بن مسعود ابن مَازِنِ بْنِ ذِئْبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا البيت فى قصيدة له.
ــ
تَقُولُ الْعَرَبُ: تَنَعّمْت إذَا مَشَيْت حَافِيًا، قَالَ الشّاعِرُ:
تَنَعّمْت لَمّا جَاءَنِي سُوءُ فِعْلِهِمْ أَلَا إنّمَا الْبَأْسَاءُ لِلْمُتَنَعّمِ
وَالنّعَامَةُ أَيْضًا: الظّلْمَةُ، وَالنّعَامَةُ: الدّعَامَةُ الّتِي تَكُونُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ، وَالنّعَامَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنْ النّاسِ، وَابْنُ النّعَامَةِ: عِرْقٌ فِي بَاطِنِ الْقَدَمِ «١» .
النّابِغَةُ وَعَدِيّ بْنُ زَيْدٍ:
وَذَكَرَ النّابِغَةَ الْجَعْدِيّ وَاسْمُهُ: قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَقِيلَ إنّ اسْمَهُ: حِبّانُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَحْوَحَ، وَالْوَحْوَحُ فِي اللّغَةِ: وَسَطُ الْوَادِي، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ النّوَابِغُ، وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ ذَكَرَهُمْ الْبَكْرِيّ، وَذَكَرَ الْأَعَاشِي وَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ. وَالنّابِغَةُ «٢» شَاعِرٌ مُعَمّرٌ عاش مائتين
_________________
(١) ولها أيضا معان أخر. وقصيدة أبى الصلت اللامية فى ص ١٤٧ ج ٢ الطبرى وفيها عما هنا اختلاف.
(٢) النابغة: الرجل العظيم الشأن، والنوابغ من الشعراء كما فى القاموس والمزهر هم: زياد بن معاوية الذبيانى، وقيس بن عبد الله الجعدى، وعبد الله بن المخارق الشيبانى، أو جمل بن سعدانة، ويزيد بن أبان الحارثى، وهو نابغة بنى الديان، والنابغة ابن لاى الغنوى، والحارث بن بكر اليربوعى، والحارث ابن عدوان التغلبى، والنابغة العدوانى ولم يسمّ. والأعشى من العشا: سوء البصر بالليل، ومن الأعاشى الشعراء: أعشى باهلة عامر، وأعشى بنى نهشل: -
[ ١ / ٣٠٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَأَرْبَعِينَ «١» سَنَةً أَكْثَرُهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ، وَقُدُومُهُ عَلَى رَسُولِ اللهِﷺ- وَإِنْشَادُهُ إيّاهُ، وَدُعَاءُ النّبِيّﷺ- أَلّا يَفُضّ اللهُ فَاهُ مَشْهُورٌ، وَفِي كُتُبِ الْأَدَبِ وَالْخَبَرِ مَسْطُورٌ، فَلَا مَعْنَى لِلْإِطَالَةِ بِهِ «٢» .
_________________
(١) - أسود بن يعفر، وو همدان: عبد الرحمن بن مالك، وبنى أبى ربيعة: صالح بن خارجة وطرود وبنى الحرماز، وبنى أسد وعكل: كهمس، وابن معروف: خيثمة، وبنى عقيل، وبنى مالك، وبنى عوف: ضابئ وبنى ضوزة: عبد الله، وبنى جلان: سلمة، وبنى قيس: أبو بصير، والأعشى التغلبى: النعمان، هم فى المزهر ثمانيه عشر ص ٤٥٧
(٢) واسمه ونسبه فى الأغانى كما ذكر السهيلى، وفى الإصابة اختلف فى اسمه فقيل: هو قيس بن عبد الله بن عدس بن ربيعة بن جعدة، وقيل بدل عدس وربيعة وحوح، وفى سنه خلاف كبير فهو بين ١٣٠ سنة وبين ٢٤٠ سنة.
(٣) من القصيدة التى زعموا أنه أنشدها بين يدى الرسولﷺ- أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابا كالمجرة نيرا وجاهدت حتى ما أحس ومن معى سهيلا إذا مالاح ثم تحورا ولا خير فى حلم إذا لم يكن له بوادر تخمى صفوه أن يكدرا ولا خير فى جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا والقصة المزعومة عن الإنشاد، وأنه قيل له «لا يفضض الله فاك مرتين» - بفتح الياء وسكون الفاء وكسر الضاد- مروية عن طريق يعلى بن الأشدق، وهو ساقط الحديث. والقصيدة- كما ذكر ابن عبد البر- مطولة تبلغ نحو مائتى بيت أولها خليلى غضا ساعة وتهجرا ولو ما على ما أحدث الدهر أوذرا وفى سبب تلقيبه بالنابغة خلاف، ولعل أحسنها قول الفخذمى: كان النابغة قديما شاعرا مفلقا طويل العمر فى الجاهلية وفى الإسلام. وعن حياته فى الجاهلية يقول أبو عبيدة معمر بن المثنى «كان النابغة ممن فكر فى الجاهلية وأنكر الخمر، والسكر، وهجر الأزلام، واجتنب الأوثان، وذكر دبن إبراهيم» انظر الإصابة ص ٢١٨ ج ٦ ط الشرقية، سنة ١٣٢٥ هـ، وانظر ص ٦ المجلد الخامس-
[ ١ / ٣١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَذَكَرَ شِعْرَ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ الْعِبَادِيّ، نُسِبَ إلى العباد، وهم من عبد القيس ابن أَفْصَى بْنِ دُعْمِيّ بْن جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، قِيلَ: إنّهُمْ انْتَسَلُوا مِنْ أَرْبَعَةٍ: عَبْدِ الْمَسِيحِ، وَعَبْدِ كُلَالٍ، وَعَبْدِ اللهِ، وَعَبْدِ يالَيْل، وَكَذَلِكَ سَائِرُهُمْ فِي اسْمِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ: عَبْدٌ، وَكَانُوا قَدِمُوا عَلَى مَلِكٍ فَتَسَمّوْا لَهُ، فَقَالَ: أَنْتُمْ الْعِبَادُ فَسُمّوا بِذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذَا «١» . وَفِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ: أَبْعَدُ النّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ الرّومُ وَالْعِبَادُ «٢»، وَأَحْسَبُهُمْ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنّهُمْ تَنَصّرُوا، وَهُمْ مِنْ رَبِيعَةَ، ثُمّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَاَلّذِي ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ فِي نَسَبِ عَدِيّ بْنِ زَيْدٍ أَنّهُ ابْنُ زَيْدِ بْنِ حَمّادِ بْنِ أَيّوبَ بْنِ مَجْرُوفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُصَيّةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. وَقَدْ دَخَلَ بَنُو امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ فِي الْعِبَادِ.
فَلِذَلِكَ يُنْسَبُ عَدِيّ إلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: صَوْتُ النّهَامِ، يُرِيدُ ذِكْرَ الْيَوْمِ، وَقَاصِبُهَا: الّذِي يزمر فى القصب.
_________________
(١) - من الأغانى طبع لبنان. ويزعمون- كما جاء فى الإصابة- أنه بقى أحسن الناس ثغرا كلما سقطت سن عادت أخرى؛ بسبب الدعاء له بأن لا يفض الله فاه.
(٢) فى الاشتقاق لابن دريد: والعباد: قبائل شتىّ من بطون العرب اجتمعوا بالحيرة على النصرانية، فأنفوا أن يقال لهم عبيد، فينسب الرجل: عبادى «بكسر العين وفتح الباء بدون تضعيف» ص ١١، وفى اللسان مادة «عبد» كذلك، وزاد: ومنه: عدى بن زيد العبادى بكسر العين، وكذا وجد بخط الأزهرى وخطأ ابن برى الجوهرى فى قوله عن العباد أنها بفتح العين.
(٣) لا ادرى من أين يأتى بما لا يتفق مع هدى النبوة وحكمتها، وفى الاشتقاق أن عدى بن زيد شاعر قديم مات فى سجن النعمان وله حديث، والعبادى منسوب إلى دينه، لأنه تنصر.
[ ١ / ٣١١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ فِيهَا: دُونَ عُرَى الْكَائِدِ يُرِيدُ: عُرَى السّمَاءِ وَأَسْبَابُهَا، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ: عَرَى بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهِيَ النّاحِيَةُ، وَأَضَافَهَا إلَى الْكَائِدِ، وَهُوَ الّذِي كَادَهُمْ، وَالْبَارِي﷾- كَيْدُهُ مَتِينٌ «١» .
وَقَوْلُهُ: فَوّزَتْ بِالْبِغَالِ أَيْ: رَكِبَتْ الْمَفَاوِزَ «٢» .
وَقَوْلُهُ: تُوسَقُ بِالْحَتْفِ، أَيْ: أَوْسَقَ الْبِغَالَ الْحُتُوف، وتوالبها: جمع ثولب، وَهُوَ وَلَدُ الْحِمَارِ، وَالتّاءُ فِي تَوْلَبٍ بَدَلٌ من واو، كما هى فى توءم وَتَوْلَجٌ «٣» وَفِي تَوْرَاةٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنّ اشْتِقَاقَ التّوْلَبِ مِنْ الْوَالِبَةِ، وَهِيَ مَا يُوَلّدُهُ الزّرْعُ، وَجَمْعُهَا: أَوَالِبُ.
وَقَوْلُهُ: مِنْ طَرَفِ الْمَنْقَلِ أَيْ: مِنْ أَعَالِي حُصُونِهَا، وَالْمِنْقَالُ: الْخَرْجُ يُنْقَلُ إلَى الْمُلُوكِ مِنْ قَرْيَةٍ إلَى قَرْيَةٍ، فَكَأَنّ المنقل من هذا، والله أعلم.
_________________
(١) الغوارب فى السيرة: الأعالى، والعرى: ما يستر الشئ عنك.
(٢) المهالك أو الصحارى.
(٣) التوءم: المولود مع غيره فى بطن، والتولج: كناس الوحش أى: مولجه فى الغابة، ويقول أبو عثمان المازنى فى التصريف: «وزعم الخليل أن قوله: «متخذا من عضوات تولجا» إنما هو فوعل من ولجت وليس بتفعل، لأن تفعلا فى الأسماء قليل، وفوعل كثير، ولكنه علم أنه لو جاء بالواو على أصلها لزمه أن يبد لها همزة، لئلا تجتمع واوان فى أول كلمة، فأبدل التاء لكثرة دخولها على الواو فى باب ولج حين قالوا: أتلج ومتلج، وهذا أتلج من هذا، ولم يؤخذ هذا إلا عن الثقات» ومن شرح ابن جنى لهذا قوله: «لأنه لو لم يبدلها تاء للزمه أن يقول: أولج لاجتماع واوين ص ٢٢٦ ج ١ المنصف. وانظر ص ٣ من نوادر أبى زيد. هذا وقدوهم الجوهرى فوضع التوءم فى فصل التاء. ومن معنى والبة: أولاد القوم ونسلهم، ونسل الإبل والغنم.
[ ١ / ٣١٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَوْلُهُ: مُخْضَرّةٌ كَتَائِبُهَا. يَعْنِي مِنْ الْحَدِيدِ، وَمِنْهُ الْكَتِيبَةُ الْخَضْرَاءُ «١» .
وَقَوْلُهُ: يُنَادَوْنَ آلَ بَرْبَرَ؛ لِأَنّ الْبَرْبَرَ وَالْحَبَشَةَ مِنْ وَلَدِ حَامٍ «٢» . وَقَدْ قِيلَ إنّهُمْ مِنْ وَلَدِ جَالُوتَ مِنْ الْعَمَالِيقِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي جَالُوتَ إنّهُ مِنْ الْخَزَرِ، وَإِنّ أفريقس لَمّا خَرَجَ مِنْ أَرْضِ كَنْعَانَ سَمِعَ لَهُمْ بَرْبَرَةً، وَهِيَ اخْتِلَاطُ الْأَصْوَاتِ، فَقَالَ. مَا أكنر بَرْبَرَتَهُمْ!.
فَسُمّوا بِذَلِكَ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: وَالْغُرُبُ أَرَادَ: الْغُرُبَ بِضَمّ الرّاءِ جَمْعُ «٣»: غُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ الْمَعْرُوفُ: أَغْرِبَةً وَغِرْبَانٌ، وَلَكِنّ الْقِيَاسَ لَا يَدْفَعُهُ، وَعَنَى بِهِمْ السّودَانَ.
وَقَوْلُهُ: وَبُدّلَ الْفَيْجُ بِالزّرَافَةِ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ فِي مِشْيَتِهِ، وَالزّرَافَةُ: الْجَمَاعَةُ «٤» وَقِيلَ فِي الزّرَافَةِ الّتِي هِيَ حَيَوَانٌ طَوِيلُ الْعُنُقِ: إنّهُ اخْتَلَطَ فِيهَا النّسْلُ بَيْنَ الْإِبِلِ الْوَحْشِيّةِ، وَالْبَقَرِ الْوَحْشِيّةِ وَالنّعَامِ، وَإِنّهَا مُتَوَلّدَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثّلَاثَةِ.
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الزّبَيْدِيّ وَغَيْرُهُ، وَأَنْكَرَ الْجَاحِظُ هَذَا فِي كِتَابِ الْحَيَوَانِ له،
_________________
(١) أقوال فى البيت «ص ٣٠٥» جمع قيل: لقب من كان دون الملك الأعظم قديما فى اليمن، وفى حديث الفتح: مر رسول الله «ص» فى كتيبته الخضراء، وهى التى غلب عليها لبس الحديد. وفى اللسان: المنقل: طريق مختصر، والنواقل من الخراج ما ينقل من قرية إلى أخرى.
(٢) يرد ابن حزم على من نسب البربر إلى حمير أو إلى ابن قيس عيلان بقوله: «ما علم النسابون لقيس عيلان ابنا اسمه: بر- بفتح فتضعيف- أصلا، ولا كان لحمير طريق إلى بلاد البربر إلا فى تكاذيب مؤرخى اليمن» ص ٤٦١ الجمهرة.
(٣) لا يوجد فى القصيدة، ويوجد فى كلام سيف: الأغربة: والإمّة: النعة.
(٤) فى القاموس: ومعرب بيك. والفيج: الذى يسير للسلطان بالكتب على رجليه «الخشنى» .
[ ١ / ٣١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَالَ: إنّمَا دَخَلَ هَذَا الْغَلَطُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَسْمِيَةِ الْفُرْسِ لَهَا «اشْتَرِ- كَاوِ- مَاهَ «١»» وَالْفُرْسُ إنّمَا سَمّتْهُ بِذَلِكَ، لِأَنّ فِي خِلْقَتِهَا شَبَهًا مِنْ جَمَلٍ وَنَعَامَةٍ وَبَقَرَةٍ، فَاشْتَرِ هُوَ: الْجَمَلُ، وَكَاوِ: النّعَامَةُ، وَمَاهُ: الْبَقَرَةُ، وَالْفُرْسُ تُرَكّبُ الْأَسْمَاءَ وَتُمْزَجُ الْأَلْفَاظُ إذَا كَانَ فِي الْمُسَمّى شَبَهٌ مِنْ شَيْئَيْنِ، أَوْ أَشْيَاءَ، وَيُقَالُ: زَرَافّةٌ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ الْقَنَانِيّ «٢» .
وَقَوْلُهُ: بَعْدَ بَنِي تُبّعٍ بَجَاوِرَةٌ. هَكَذَا فِي نُسْخَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الْأَسَدِيّ مُصَحّحًا عَلَيْهِ، وَقَدْ كَتَبَ فِي الْحَاشِيَةِ: نَخَاوَرَةٌ فِي الْأَمِينِ، وَفِي الْحَاشِيَةِ النّخَاوِرَةُ: الْكِرَامُ، وَكَذَلِكَ فِي الْمَسْمُوعَةِ عَلَى ابْنِ هِشَامٍ يَعْنِي نُسْخَتَيْ أَبِي الْوَلِيدِ الْوَقْشِيّ اللّتَيْنِ قَابَلَ بِهِمَا مَرّتَيْنِ، وَيَعْنِي بِالْحَاشِيَةِ حَاشِيَة «تِينك الْأَمِين» ! وَأَنّ فِيهِمَا: نَخَاوَرَةً بِالنّونِ والخاء المنقوطة «٣»، وهم الكرام كما ذكر.
_________________
(١) انظر ص ٧٦ ج ٧ طبع ١٣٢٤ هـ من كتاب الحيوان للجاحظ.
(٢) فى الحيوان للدميرى مادة «الزاى» عن الزرافة: «كنيتها أم عيسى، وهى بفتح الزاى المخففة وضمها» .. ثم ذكر أنها متولدة من الناقة الوحشية والبقرة الوحشية، والضبعان: ذكر الضباع، ولذلك قيل لها: الزرافة وهى فى الأصل: الجماعة، وذكر أن العجم تسميها «اشتركاو يلنك» كما ورد فى الجيوان للجاحظ واشتر: الجمل، وكاو البقرة، ويلنك الضبع، والأيام جون: سود. وأشرح هنا بعض ما تركه دون شرح: جزل: كثير. القزع: السحاب المتفرق. والمحارب: الغرف المرتفعة أو أبهاؤها.
(٣) جمع النخاورة: نخوار «بكسر النون» ونخورى بفتحها.
[ ١ / ٣١٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بَاذَانُ وَكِسْرَى:
وَذَكَرَ قِصّةَ بَاذَانَ، وَمَا كَتَبَ بِهِ إلَى كِسْرَى، وَكِسْرَى هَذَا هُوَ أَبَرْوَيْزُ بن هرمز بن أنو شروان، وَمَعْنَى أَبْرَوَيْزَ بِالْعَرَبِيّةِ: الْمُظَفّرُ، وَهُوَ الّذِي غَلَبَ الرّومَ حِينَ أَنَزَلَ اللهُ. الم «١» غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ [أول الروم] وَهُوَ الّذِي عُرِضَ عَلَى اللهِ فِي الْمَنَامِ، فَقَالَ لَهُ: سَلّمْ مَا فِي يَدَيْك إلَى صَاحِبِ الْهِرَاوَةِ، فَلَمْ يَزَلْ مَذْعُورًا مِنْ ذَلِكَ، حَتّى كَتَبَ إلَيْهِ النّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بِظُهُورِ- النّبِيّ ﷺ- بِتِهَامَةَ «٢»؛ فَعَلِمَ أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَيْهِ، حَتّى كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، وَهُوَ الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ النّبِيّﷺ- وَحَفِيدُهُ: يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ بْنِ أَبْرَوَيْزَ، وَهُوَ آخِرُ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَكَانَ سُلِبَ مُلْكُهُ، وَهُدِمَ سُلْطَانُهُ عَلَى يَدَيْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ، ثُمّ قُتِلَ هُوَ فِي أَوّلِ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وُجِدَ مُسْتَخْفِيًا فِي رَحًى «٣» فَقُتِلَ وَطُرِحَ فِي قَنَاةِ الرّحَى، وَذَلِكَ بِمَرْوَ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ بَاذَانَ وَمَقْتَلَ كِسْرَى، وَكَانَ مَقْتَلُ كِسْرَى حِينَ قَتَلَهُ بَنُوهُ لَيْلَةَ الثّلَاثَاءِ لِعَشْرِ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ، وَأَسْلَمَ بَاذَانُ بِالْيَمَنِ فِي سَنَةِ عَشْرٍ، وَفِيهَا بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى الْأَبْنَاءِ «٤» يدعوهم
_________________
(١) تقرأ: ألف لام ميم.
(٢) قد يكون المقصود بها مكة نفسها.
(٣) الرحا من الأرض: مكان مستدير غليظ يكون بين رمال. أو القارة الضخمة الغليظة.
(٤) الأبناء: هم أبناء الفرس الذين استوطنوا اليمن.
[ ١ / ٣١٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلَى الْإِسْلَامِ، فَمِنْ الْأَبْنَاءِ: وَهْبُ بْنُ مُنَبّهِ بْنِ سَيْجِ «١» بْنِ ذُكْبَارٍ، وَطَاوُوسٌ «٢» وَذَادَوَيْهِ وَفَيْرُوزُ اللّذَانِ قَتَلَا الْأَسْوَدَ الْعَنْسِيّ الْكَذّابَ، وَقَدْ قِيلَ فِي طَاوُوسٍ: إنّهُ لَيْسَ مِنْ الْأَبْنَاءِ، وَإِنّهُ مِنْ حِمْيَرَ، وَقَدْ قِيلَ: مِنْ فَارِسَ، وَاسْمُهُ: ذَكْوَانُ بْنُ كَيْسَانَ وَهُوَ مَوْلَى بُجَيْرِ بْنِ رَيْسَانَ؛ وَقَدْ قِيلَ: مَوْلَى الْجَعْدِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: طَاوُوسٌ الْقَرّاءُ لِجَمَالِهِ.
وَقَوْلُ خَالِدِ بْنِ حِقّ.
تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمِ أَنَى؛ وَلِكُلّ حَامِلَةٍ تِمَامُ «٣»
الْمَنُونُ: الْمَنِيّةُ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ أَسْمَاءِ الدّهْرِ، وَهُوَ مِنْ مَنَنْت الْحَبْلَ إذَا قَطَعْته، وَفَعُولٌ إذَا كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، لَمْ تدخل التاء فى مؤنثه لسرّ بديع
_________________
(١) سيج بالفتح وبالكسر وبالتحريك.
(٢) روى عنه الزهرى وخلق سواه. قال عنه عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا قط مثل طاووس. مات بمكة سنة ١٠٦ هـ. أو ١٠٤ هـ. ويقول أبو الفرج الجوزى فى كتاب الألقاب: إن اسمه: ذكوان، وطاووس لقب له، وإنما لقب به؛ لأنه كان طاووس القراء، والمشهور أنه اسمه، وكلمة طاوس تطلق على الجميل من الرجال، وقال عنه ابن خلكان: الخولانى- بفتح فسكون- نسبة إلى خولان، والهمدانى بفتح فسكون ففتح- نسبة إلى همدان- اليمانى من أبناء الفرس،
(٣) معنى البيت كما فى اللسان: أن المنية تهيأت لأن تلد له الموت. والشعر منسوب فى مادة- مخض- إلى عمرو بن حسان أحد بنى الحارث بن همام ابن مرة، يخاطب امرأته: ألا يا أم عمرو لا تلومى وأبقى إنما ذا الناس هام ويقول ابن برى: المشهور: يا أم قيس، وهى زوجته، وكان قد نزل به ضيف فذبح ناقته، فلامته، فقال هذا الشعر.
[ ١ / ٣١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَكَرْنَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ، فَيُقَالُ: امْرَأَةٌ صَبُورٌ وَشَكُورٌ، فَمَعْنَى الْمَنُونِ:
الْمَقْطُوعُ، وَتَمَخّضَتْ أَيْ: حَمَلَتْ، وَالْمَخَاضُ: الْحَمْلُ، وَوَزْنُهُ: فَعَالٌ، وَمَخَاضَةُ الْمَاءِ، وَمَخَاضَةُ [النّهْرِ] وَزْنُهُ: مَفْعَلٌ مِنْ الْخَوْضِ.
وَقَوْلُهُ: أَنَى أَيْ: حَانَ، وَقَدْ قَلَبُوهُ، فقالوا: آنَ يَئِينُ، وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّ آنَ يَئِينُ مَقْلُوبٌ مِنْ: أَنّى يَأْنَى، قَوْلُهُ: آنَاءَ اللّيْلِ، وَوَاحِدُهَا: إنًى وَأَنًى وَإِنْيٌ «١»، فَالنّونُ مُقَدّمَةٌ عَلَى الْيَاءِ فِي كُلّ هَذَا، وَفِي كُلّ مَا صُرِفَ مِنْهُ نَحْوَ: الْإِنَاءِ، وَالْآنِي:
الّذِي بَلَغَ أَنَاهٍ أَيْ: مُنْتَهَى وَقْتِهِ فِي التّسْخِينِ، وَهَذَا الْمَعْنَى كَقَوْلِهِمْ فِي الْمَثَلِ: الدّهْرُ حُبْلَى لَا يَدْرِي مَا تَضَعُ، إنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَنُونِ فِي الْبَيْتِ: الدّهْرَ، وَإِنْ كَانَ أَرَادَ بِالْمَنُونِ: الْمَنِيّةَ، فَبَعِيدٌ أَنْ يُقَالَ: تَمَخّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِهَذَا الْيَوْمِ الّذِي مَاتَ فِيهِ، فَإِنّ مَوْتَهُ: مُنْيَتُهُ، فَكَيْفَ تَتَمَخّضُ الْمُنْيَةُ بِالْمُنْيَةِ إلّا أَنْ يُرِيدَ أَسِبَابَهَا، وَمَا مُنِيَ لَهُ، أَيْ: قُدّرَ مِنْ وَقْتِهَا، فَتَصِحّ الِاسْتِعَارَةُ حِينَئِذٍ، وَيَسْتَقِيمُ التّشْبِيهُ.
وَقَوْلُ ابْنِ حِقّ: وَكِسْرَى إذْ تَقْسِمُهُ بَنُوهُ. وَإِنّمَا كَانَ قَتْلُهُ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ، لَكِنْ ذَكَرَ بَنِيهِ لِأَنّ بَدْءَ الشّرّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنّ فَرْخَانَ رَأَى فِي النّوْمِ: أَنّهُ قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ فِي مَوْضِعِ أَبِيهِ، فَبَلَغَ أَبَاهُ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إلَى ابْنِهِ شَهْرَيَارَ- وَكَانَ وَالِيًا لَهُ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ: أَنْ اُقْتُلْ أخاك فرخان، فأخفى
_________________
(١) فى اللسان: أنى الشئ «بفتح الهمزة والنون» يأنى أنيا «بفتح وسكون، وإنى وأنى بفتح النون فى الكلمتين.. حان وأدرك. وفى القاموس: أنى الشئ أنيا «بفتح وسكون» وأناء بفتح النون، وإنى بفتح النون، وأنى الحمم: انتهى حره فهو آن، وبلغ هذا أناه- ويكسر- غايته، أو نضجه، وفى اللسان: أنى الحميم: انتهى حره، وأنى الماء: سخن وبلغ فى الحرارة.
[ ١ / ٣١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَهْرَيَارُ الْكِتَابَ مِنْ أَخِيهِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ مَرّةً أُخْرَى، فَأَبَى مِنْ ذَلِكَ، فَعَزَلَهُ وَوَلّى فَرْخَانَ، وَأَمَرَهُ بِقَتْلِ شَهْرَيَارَ، فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ، فَأَرَاهُ شَهْرَيَارُ الْكِتَابَ الّذِي كَتَبَ لَهُ أَبُوهُ فِيهِ، فتواطئا عِنْدَ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَامِ عَلَى أَبِيهِمَا، وَأَرْسَلَا إلَى مَلِكِ الرّومِ يَسْتَعِينَانِ بِهِ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ، فَكَانَ هَذَا بَدْءَ الشّرّ، ثُمّ إنّ الْفُرْسَ خَلَعَتْ كِسْرَى لِأَحْدَاثِ أَحْدَثَهَا، وَوَلّتْ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ «١»، فَكَانَ كِسْرَى أَبْرَوَيْزَ رُبّمَا أَشَارَ بِرَأْيِ مِنْ مَحْبِسِهِ، فَقَالَتْ الْمَرَازِبَةُ لِشِيرَوَيْهِ: لَا يَسْتَقِيمُ لَك الْمُلْكُ إلّا أَنْ تَقْتُلَ أَبَاك «٢»، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ مَنْ يَقْتُلُهُ، فَيُقَالُ: إنّهُ كَانَ يَضْرِبُ بِالسّيْفِ، فَمَا يَعْمَلُ فِيهِ شَيْئًا، فَفَتّشَ فَوَجَدَ عَلَى عَضُدِهِ حَجَرٌ مُعَلّقٌ كَالْخَرَزَةِ، فَنُزِعَ فَعَمِلَتْ فِيهِ السّلَاحُ «٣»، وَكَانَ قَبْلُ يَقُولُ لَابْنِهِ: يَا قصير
_________________
(١) قال ابن درستويه فى شرح الفصيح عن كسرى: ليس فى كلام العرب اسم آخره واو أوله مضموم، فلذلك لما عربوا خسروا بنوه على فعلى «بالفتح فى لغة، وفعلى بالكسر فى لغة أخرى»، وأبدلوا الكاف فيه من الخاء علامة لتعريبه، فقالوا: كسرى ص ١٠١ ج ٢ المزهر للسيوطى، وفى الطبرى ص ٢١٩ ح ٢ ط المعارف أن أولاد كسرى أرسلوا إليه رئيس كتيبة بما كان من إساءته فى تدبيره، منها سحله لعين أبيه، وقتله إياه شر قتلة، ومنها جمعه الأموال من الناس فى عنف شديد، وغير ذلك من فظائعه واسم شرويه: قباذ بن أبريز بن هرمز بن كسرى أنو شروان
(٢) فى الطبرى أنهم قالوا له: «إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان، فإما أن تأمر بقتل كسرى، ونحن خولك «خدمك» المانحوك الطاعة، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة» .
(٣) هذه خرافة ولا شك، ولا أدرى كيف يرويها مصدقا لها رجل كبير كالسهيلى، ومن قبله الطبرى وغيرهما، واسم قاتل كسرى هو: «مهر هرمز ابن مردانشاه» عاش يضطهده كسرى، ويحاول قتله، فكان أن قتله مهر.
[ ١ / ٣١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْعُمْرِ «١»، فَلَمْ يَدُمْ أَمْرُهُ بَعْدَهُ إلّا أَقَلّ مِنْ سِتّةِ أَشْهُرٍ- فِيمَا ذَكَرُوا- وَاَللهُ أَعْلَمُ
«ذِمَارُ وَحِمْيَرُ وَفَارِسُ وَالْحَبَشَةُ»:
وَقَوْلُهُ: وُجِدَ بِحَجَرِ بِالْيَمَنِ: لِمَنْ مُلْكُ ذِمَارَ.
وَحَكَى ابْنُ هِشَامٍ عَنْ يُونُسَ ذَمَارَ بِفَتْحِ الذّالِ، فَدَلّ عَلَى أَنّ رِوَايَةَ ابْنِ إسْحَاقَ بِالْكَسْرِ، فَإِذَا كَانَ بِكَسْرِ الذّالِ فَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ؛ لِأَنّهُ اسْمٌ لِمَدِينَةِ، وَالْغَالِبُ عَلَيْهِ التّأْنِيثُ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ أَيْضًا؛ لِأَنّهُ اسْمُ بَلَدٍ، وَإِذَا فُتِحَتْ الذّالُ، فَهُوَ مَبْنِيّ «٢» مِثْلُ: رَقَاشِ وَحَذَامِ، وَبَنُو تَمِيمٍ يُعْرِبُونَ مِثْلَ هَذَا الْبِنَاءِ فَيَقُولُونَ: رَقَاشُ [وَحَذَامُ] فِي الرّفْعِ، وَرَقَاشَ وَحَذَامَ فِي النّصْبِ وَالْخَفْضِ يُعْرِبُونَهُ، ولا يصرفونه، فإذا
_________________
(١) انظر ص ٢٢٢ ح ٢ الطبرى وحديث: «سلمان منا أهل البيت» الذى السيرة رواه الطبرانى والحاكم عن عمرو بن عوف وسنده ضعيف.
(٢) فى المراصد: ذمار بكسر أوله، ويفتح مبنى على الكسر: قرية باليمن على مرحلتين من صنعاء، وقيل: ذمار اسم لصنعاء. وقد ألف الصغانى تأليفا مستقلا أورد فيه مائة وثلاثين لفظا على فعال المبنى على الكسر. وخلاصة رأى النحويين فى هذا أنه إذا كان علم المؤنث على وزن فعال «بفتح الفاء وكسر اللام» مثل حذام ورقاش، فإن مذهب بنى تميم إعرابه إعراب الاسم الذى لا ينصرف، لأنه فى رأى سيبويه- علم عدل به عن فاعله، فأصل حذام ورقاش: حاذمة وراقشة، فعدل بهما إلى حذام ورقاش، ويرجح رأيه أن الغالب على الأعلام أن تكون منقولة، أما المبرد فقال: إن العلة فى منع هذه الأسماء من الصرف- أى التنوين: هى أنها علم مؤنث تأنيثا معنويا مثل زينب، ويرجحه أنهم لا يدعون العدل فى نحو، طوى، فإن كان فعال مختوما بالراء علما للمؤنث كسفار، اسما لماء أو بئر، ووبار اسما لقبيلة فبنو تميم إلا قليلا منهم يبنونه على الكسر، أما أهل الحجاز فيبنون فعال على الكسر فى الحالين، إذ يشبهونه بنزال فى التعريف والعدل والوزن والتأنيث.
[ ١ / ٣١٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كَانَ لَامُ الْفِعْلِ رَاءً اتّفَقُوا مَعَ أَهْلِ الْحِجَازِ عَلَى الْبِنَاءِ وَالْكَسْرِ. وَذَمَارِ: مِنْ ذَمَرْتُ الرّجُلَ إذَا حَرّضْته عَلَى الْحَرْبِ.
وَقَوْلُهُ: لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارُ؛ لِأَنّهُمْ كَانُوا أَهْلَ دِينٍ، كَمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ فَيْمُونَ وَابْنِ الثّامِرِ.
وَقَوْلُهُ: لِفَارِسَ الْأَحْرَارُ؛ فَلِأَنّ الْمُلْكَ فِيهِمْ مُتَوَارِثٌ مِنْ أَوّلِ الدّنْيَا مِنْ عَهْدِ جيومرت «١» فِي زَعْمِهِمْ إلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ، لَمْ «٢» يَدِينُوا لِمَلِكِ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَا أَدّوْا الْأَتَاوَةَ «٣» لِذِي سُلْطَانٍ مِنْ سِوَاهُمْ فَكَانُوا أَحْرَارًا لِذَلِكَ.
وَأَمّا قَوْلُهُ: لِلْحَبَشَةِ الْأَشْرَارُ فَلَمّا أَحْدَثُوا فِي الْيَمَنِ مِنْ الْعَيْثِ وَالْفَسَادِ وَإِخْرَابِ الْبِلَادِ، حَتّى هَمّوا بِهَدْمِ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ، وَسَيَهْدِمُونَهُ فِي آخِرِ الزّمَانِ «٤» إذَا رَفَعَ الْقُرْآنَ، وَذَهَبَ مِنْ الصّدُورِ الْإِيمَانُ، وَهَذَا الكلام المسجّع ذكره المسعودى منظوما.
_________________
(١) أو كيومرث والفرس يجمعون على أنه أول ملوكهم، ولكنهم اختلفوا فى شأنه، فمنهم من زعم أنه ابن آدم، ومنهم من زعم أنه أصل النسل، ومنهم من قال: إنه أميم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ولهم حوله خرافات، فهو مبدأ النسل، وهو نبت من نبات الأرض، وهو الريباس هو وزوجته، وجعلوا له أخبارا مع إبليس وقتله انظر ص ٢٢٠ ح ١ مروج الذهب.
(٢) فى الأصل: لن.
(٣) الخراج أو الجزية.
(٤) لعله يشير إلى حديث «اتركوا الحبشة ما تركوكم، فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة» وقد رواه أبو داود بسند ضعيف.
[ ١ / ٣٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حِينَ شِيدَتْ ذِمَارِ قِيلَ: لِمَنْ أَنْ تَ فَقَالَتْ: لِحِمْيَرَ الْأَخْيَارِ «١»
ثُمّ سِيلَتْ: مِنْ بَعْدِ ذَاكَ؟ فَقَالَتْ: أَنَا لِلْحَبْشِ أَخْبَثِ الْأَشْرَارِ «٢»
ثُمّ قَالُوا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ: لِمَنْ أَنْ تَ؟ فَقَالَتْ: لِفَارِسَ الْأَحْرَارِ»
ثُمّ قَالُوا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ: لِمَنْ أَنْ تَ، فَقَالَتْ: إلَى قُرَيْشٍ التّجَارِ
وَهَذَا الْكَلَامُ الّذِي ذَكَرَ أَنّهُ وُجِدَ مَكْتُوبًا بِالْحَجَرِ هُوَ- فِيمَا زَعَمُوا- مِنْ كَلَامِ هُودٍ﵇- وُجِدَ مَكْتُوبًا فِي مِنْبَرِهِ، وَعِنْدَ قَبْرِهِ حِينَ كَشَفَتْ الرّيحُ الْعَاصِفَةَ عَنْ منبره الرمل، حتى ظهر، وَذَلِكَ قَبْلَ مُلْكِ بِلْقِيسَ بِيَسِيرِ، وَكَانَ خَطّهُ بِالْمُسْنَدِ، وَيُقَالُ: إنّ الّذِي بَنَى ذِمَارِ هُوَ شمر بن الأملوك، والأملوك هو: مالك ابن ذِي الْمَنَارِ، وَيُقَالُ: ذِمَارِ وَظَفَارِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: مَنْ دَخَلَ ظَفَارِ حَمّرَ «٤» أَيْ تَكَلّمَ بِالْحِمْيَرِيّةِ.
_________________
(١) فى مروج المسعودى: يوم شيدت ظفار.
(٢) عند المسعودى: إن ملكى للأحبش الأشرار
(٣) عند المسعودى «ثم سيلت من بعد ذاك فقالت، إن ملكى» وفى المسعودى ثلاثة أبيات لم يذكرها السهيلى ص ٨٨ ح ٢ المروج الطبعة الثانية
(٤) قالوا إن أصل المثل أن أعرابيا دخل على أحد ملوك حمير فقال له: ثب- وهى بالحميرية: اجلس، ولكن الأعرابى وثب، فتكسر، فلما عرف الملك أنه أعرابى قال: ليس عندنا عربّيت بفتح العين والراء والباء مع تضعيف الأخيرة. من دخل ظفار حمّر، وقيل إن ظفار اسم لمدينتين باليمن ينسب إلى إحداهما الجزع الظفارى، وهو نوع من العقيق يعرف بخطوط متوازية مستديرة مختلفة الألوان. وقيل: هى صنعاء نفسها.
[ ١ / ٣٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«زَرْقَاءُ الْيَمَامَةِ» وَذَكَرَ قَوْلَ الْأَعْشَى:
مَا نَظَرْت ذَاتَ أَشْفَارٍ «١» كَنَظْرَتِهَا.
الْبَيْتَ. يُرِيدُ: زَرْقَاءَ الْيَمَامَةِ، وَكَانَتْ تُبْصَرُ عَلَى مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ، وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ ذِكْرِهَا فِي خَبَرِ جَدِيسٍ وَطَسْمٍ، وَقَبْلَ الْبَيْتِ:
قَالَتْ: أَرَى رَجُلًا فِي كَفّهِ كَتِفٌ أَوْ يَخْصِفُ النّعْلَ لَهْفِي أَيّةً صَنَعَا
فَكَذّبُوهَا بِمَا قَالَتْ، فَصَبّحَهُمْ ذُو آلِ حَسّانَ يُزْجِي الْمَوْتَ وَالسّلَعَا «٢»
وَكَانَ جَيْشُ حَسّانَ هَذَا قَدْ أُمِرُوا أَنْ يُخَيّلُوا عَلَيْهَا بِأَنْ يُمْسِكَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نَعْلًا كَأَنّهُ يَخْصِفُهَا، وَكَتِفًا كَأَنّهُ يَأْكُلُهَا، وَأَنْ يَجْعَلُوا عَلَى أَكْتَافِهِمْ أَغْصَانَ الشّجَرِ، فَلَمّا أَبْصَرَتْهُمْ، قَالَتْ لِقَوْمِهَا: قَدْ جَاءَتْكُمْ الشّجَرُ، أَوْ قَدْ غَزَتْكُمْ حِمْيَرُ، فَقَالُوا: قَدْ كَبِرْت وَخَرِفْت، فَكَذّبُوهَا، فَاسْتُبِيحَتْ بَيْضَتُهُمْ «٣»، وَهُوَ الذى ذكر الأعشى.
_________________
(١) جمع شفر بفتح الشين: حرف كل شئ. وشفر الجفن: حرفه الذى ينبت عليه الهدب.
(٢) السّلع: شجر مر ينبت فى اليمن، وهو من الفصيلة الكرمية وفى الطبرى: والشرعا ويخصف النعل: يخرزها ويصلحها. وقصيدتها: ست أبيات «طبرى ج ١ ص ٦٣١» .
(٣) حوزتهم وحماهم.
[ ١ / ٣٢٢ ]