قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ:
كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ﵁- إلى سلمان بن ربيعة الباهلى، وباهلة ابن يعصر بن سعد بن قيس بن عيلان. وهو إرمينية يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَضّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ الْعِرَابِ عَلَى أَصْحَابِ الْخَيْلِ الْمَقَارِفِ فِي الْعَطَاءِ، فَعَرَضَ الْخَيْلَ، فَمَرّ بِهِ فَرَسُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ، فَرَسك هَذَا مُقْرِفٌ، فَغَضِبَ عَمْرٌو، وَقَالَ: هَجِينٌ عَرَفَ هَجِينًا مِثْلَهُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ قَيْسٌ فَتَوَعّدَهُ، فَقَالَ عَمْرُو هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
ــ
هُوَ وَذَادَوَيْهِ وَفَيْرُوزُ، وَكَانَ قَيْسٌ بَطَلًا بَئِيسًا قُتِلَ مَعَ عَلِيّ﵁- يَوْمَ صَفّينَ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَوَاقِفُ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا عَنْ بُهْمَةٍ «١» مِنْ الْبُهْمِ، وَكَذَلِكَ لَهُ فِي حُرُوبِ الشّامِ مَعَ الرّومِ وَقَائِعُ وَمَوَاقِفُ لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا، عَنْ أَحَدٍ بَعْدَ خالد بن الوليد.
_________________
(١) - عليه، فقالت: على أى أمره؟ فقال: إخراجه. قالت: أو قتله، فقال: أو قتله قالت: نعم، والله ما خلق الله شخصا أبغض إلى منه. ما يقوم لله على حق، ولا ينتهى له عن حرمة. وقد استطاعت أن تدلهم على مكان فى القصر أحدثوا فيه نقبا فى المساء، وانضم إلى هؤلاء قيس بن مكشوح المرادى- فى بعض الروايات، واستطاع هؤلاء قتله تعينهم زوجته. ويقال إن أول أمره إلى آخره كان ثلاثة أشهر، وقيل: أربعة أشهر. وقيل إن أبا بكر أمضى جيش أسامة فى أول عهده بالخلافة فى آخر ربيع الأول، وكان مقتل العنسى فى آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة، وفى هذا خلاف؛ فقد قيل مثلا إنه قتل قبل وفاة النبى بخمسة أيام.
(٢) البهمة: الشجاع الذى لا يهتدى من أين يؤتى والبئيس: الشجاع
[ ١ / ٢٣٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَعَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ﵁- يُكَنّى: أَبَا ثَوْرٍ تُضْرَبُ الْأَمْثَالُ بِفُرُوسِيّتِهِ وَبَسَالَتِهِ، وَفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ حِينَ مَاتَ:
فَقُلْ لِزُبَيْدِ بَلْ لِمَذْحِجَ كُلّهَا رُزِيتُمْ أَبَا ثَوْرٍ قَرِيعَكُمْ عَمْرًا
وَصَمْصَامَتُهُ «١» الْمَشْهُورَةُ كَانَتْ مِنْ حَدِيدَةٍ، وُجِدَتْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ مَدْفُونَةً فِي الْجَاهِلِيّةِ، فَصُنِعَ مِنْهَا ذُو الْفَقَارِ «٢» وَالصّمْصَامَةُ، ثُمّ تَصَيّرَتْ إلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي. يُقَالُ إنّ عَمْرًا وَهَبَهَا لَهُ لِيَدِ كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنّ رَيْحَانَةَ أُخْت عَمْرٍو الّتِي يَقُولُ فِيهَا عَمْرٌو:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدّاعِي السّمِيعُ يُؤَرّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعٌ
كَانَ أَصَابَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فِي سَبْيٍ سَبَاهُ، فَمَنّ عَلَيْهَا، وَخَلّى سَبِيلَهَا، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَمْرٌو أَخُوهَا، وَفِي آخِرِ الْكِتَابِ من خبر قيس بن مكشوح وعمرو ابن مَعْدِي كَرِبَ أَكْثَرُ مِمّا وَقَعَ هَهُنَا، وَالشّعْرُ السّينِيّ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَأَوّلُهُ: أَتُوعِدُنِي كَأَنّك ذُو رُعَيْنٍ. ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ أَنّ عَمْرًا قَالَهُ لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ﵁- حِينَ أَرَادَ ضَرْبَهُ بِالدّرّةِ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ «٣»، وَفِي الشّعْرِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي السّيرَةِ وهو قوله:
_________________
(١) أصل الصمصام: السيف لا ينثنى، ثم اشتهر سيف عمرو باسم الصمصامة
(٢) فى القاموس: سيف العاص بن منبّه قتل يوم بدر كافرا، فصار إلى النبىﷺ- ثم صار إلى على. وريحانة التى سيتكلم عنها، والتى هى أخت عمرو هى: أم دريد بن الصمة بن الحارث القشيرى الشاعر الفارس المشهور الذى أتاه الشعر من قبل خاله عمرو انظر ص ٣٩، ٤٠، ٦٣ سمط اللآلى.
(٣) شئ يضرب به، ودرة عمر مشهورة طالما شفت من الشك. وقد ذكر المسعودى قصة عمرو مع عمر فى ص ٣٣٣ ج ٢ طبعة سنة ١٣٦٧ هـ
[ ١ / ٢٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فَلَا يَغْرُرْك مُلْكُك، كُلّ مُلْكٍ يَصِيرُ لِذِلّةِ بَعْدَ الشّمَاسِ «١»
وَذَكَرَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ حِينَ هَجَنَ فَرَسَ عَمْرٍو، وَنَسَبَهُ إلَى بَاهِلَةَ بْنِ أَعْصُرَ، وَكَذَلِكَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ النّسَبِ: بَاهِلِيّ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي قُتَيْبَةَ بْنِ مَعْنٍ، وَبَاهِلَةُ: أُمّهُمْ «٢» وَهِيَ بِنْتُ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجَ، وَأَبُوهُمْ يَعْصُرُ، وَهُوَ مُنَبّهُ بْنُ سعد بن قيس بن عيلان، وسمى: يعصرا لِقَوْلِهِ:
أَعُمَيْرٌ إنّ أَبَاك غَيّرَ لَوْنَهُ مَرّ اللّيَالِي وَاخْتِلَافُ الْأَعْصُرِ «٣»
فَيُقَالُ لَهُ: أَعْصُرُ وَيَعْصُرُ، وَكَانَ سَلْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ قَاضِيًا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ﵁- عَلَى الْكُوفَةِ، وَيُقَالُ: سَلْمَانُ الْخَيْلِ، لِأَنّهُ كَانَ يَتَوَلّى النّظَرَ فِيهَا، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: اخْتَلَفْت إلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، وَهُوَ قَاضٍ، فَمَا وَجَدْت عِنْدَهُ أَحَدًا يَخْتَصِمُ إلَيْهِ. وَاسْتُشْهِدَ سَلْمَانُ بِأَرْمِينِيّةَ سنة تسع وعشرين.
_________________
(١) شمس الفرس شموسا وشماسا: منع ظهره، وبين الأبيات التى فى المسعودى وبين التى فى السيرة اختلاف كبير. والهجين: اللئيم، وعربى ولد من أمة، أو هو الذى أبوه خير من أمه، وفرس هجين: أى غبر كريم، والخيول المقارف بفتح الميم: جمع مقرف كمحسن مايدانى الهجنة، أى أمه عربية لا أبوه؛ لأن الإقراف يكون من قبل الفحل، والهجنة تكون من قبل الأم.
(٢) فى الاشتقاق لابن دريد أن باهلة هى حاضنتهم، وهى امرأة من مذحج أو من همدان ص ٧١.
(٣) هى فى اللسان: «أبنى، وكر الليالى» بدلا من: أعمير، ومرّ.
[ ١ / ٢٤٠ ]