فَقَدِمَ دَوْسٌ عَلَى النّجَاشِيّ بِكِتَابِ قَيْصَرَ، فَبَعَثَ مَعَهُ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْحَبَشَةِ، وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: أَرْيَاط- وَمَعَهُ فِي جُنْدِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ- فَرَكِبَ أَرْيَاط الْبَحْرَ حَتّى نَزَلَ بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ وَسَارَ إلَيْهِ ذُو نُوَاسٍ فِي حِمْيَرَ، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَلَمّا الْتَقَوْا انْهَزَمَ ذُو نُوَاسٍ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلَ بِهِ وَبِقَوْمِهِ، وَجّهَ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمّ ضَرَبَهُ، فَدَخَلَ بِهِ فَخَاضَ بِهِ ضَحْضَاحَ الْبَحْرِ، حَتّى أَفْضَى بِهِ إلَى غَمْرِهِ، فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَدَخَلَ أرياط اليمن، فملكها.
ــ
فَصْلٌ: وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ عَلَى الْأُخْدُودِ بِبَيْتِ ذِي الرّمّةِ، وَهُوَ: غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةُ بْنِ بُهَيْش بِضَمّ الْبَاءِ وَالشّينِ، وَسُمّيَ ذَا الرّمّةِ بِبَيْتِ قَالَهُ فِي الْوَتَدِ: أَشْعَثَ بَاقِي رُمّةِ التّقْلِيدِ «١» . وَقِيلَ إنّ مَيّةَ سمته بذلك، وكان
_________________
(١) - ما يشبه المحافظة فى مصر، وهى مضافة إلى أسماء القبائل التى يسكنونها، وغير ذلك، وقد ورد فى المراصد أسماء أكثر من ثلاثين منها. هذا ويقول محمد بن حبيب فى كتاب أسماء من قتل من الشعراء: «وكل بنى صعصعة إلا عامر بن صعصعة من الأبناء، وهم: واثلة ومازن وسلوى» ص ٣٣٦ ج ٤ خزانة الأدب للبغدادى والأبناء قوم من العجم سكنوا اليمن.
(٢) الرمة بضم الراء وتشديد الميم وفتحها وقد تكسر الراء: قطعة من الحبل بالية. وقد ورد قوله فى اللسان، وفى القاموس: «بهيش كزبير جد ذى الرمة، وفى سمط اللآلى «نهيس، وفى الأغانى نهيس انظر ص ٨٢ سمط اللآلى وفى السمط تبدأ الأبيات بقوله: لم يبق غير مثل ركود وغير مرضوح القفا موتود وقوله فى اللسان هكذا: -
[ ١ / ٢٢٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَدْ قَالَ لَهَا: اُصْلُحِي لِي هَذَا الدّلْوَ، فَقَالَتْ لَهُ: إنّي خَرْقَاءُ، فَوَلّى وَهِيَ عَلَى عُنُقِهِ بِرُمّتِهَا، فَنَادَتْهُ: يَا ذَا الرّمّةِ إنْ كُنْت خَرْقَاءَ فَإِنّ لِي أُمّةٌ صُنّاعًا؛ فَلِذَلِكَ سَمّاهَا بِخَرْقَاءَ «١»، كَمَا سَمّتْهُ بِذِي الرّمّةِ.
فَصْلٌ: وَقَوْلُهُ: فَخَاضَ ضَحْضَاحَ الْبَحْرِ إلَى غِمْرِهِ. الضّحْضَاحُ من الماء: الذى يظهر منه الْقَعْرُ، وَكَانَ أَصْلُهُ مِنْ الضّحّ وَهُوَ حَرّ الشّمْسِ، كَأَنّ الشّمْسَ تُدَاخِلُهُ لِقِلّتِهِ، فَقُلِبَتْ فِيهِ إحْدَى الْحَاءَيْنِ ضَادًا، كَمَا قَالُوا فِي ثَرّةٍ ثر ثارة، وفى تملّل تململ «٢»
_________________
(١) - لم يبق منها أبد الأبيد غير ثلاث ما ثلاث سود وغير مشجوج القفا مولود فيه بقايا رمة التقليد يعنى ما بقى فى رأس الوتد من رمة الطنب المعقود فيه. والشطرة الأولى تروى هكذا «وغير موضوح القفا موتود» ومية حبيبته هى بنت مقاتل بن طلبة ابن قيس، أو بنت عاصم بن طلبة بن قيس «الوفيات السمط» .
(٢) فى القاموس: «خرقاء: امرأة سوداء كانت تقم مسجد رسول الله ﷺ، ورضى عنها، وامرأة من بنى البكاء شبب بها ذو الرمة» والخرقاء. الحمقاء، ومن لا تحسن الصنعة والعمل والتصرف فى الأمور. والصناع: الحاذقة الماهرة، ويقول ابن قتيبة عن الخرقاء إنها التى لا تعمل شيئا بيدها لكرامتها على أهلها، وقيل فى سبب تلقيبه بذى الرمة أنه كان يتفزع، وهو غلام، فجاءته أمه بمن كتب له كتابا، وعلقته عليه برمة من حبل، ويزعم المرتضى فى أماليه أنه كان من أهل العدل، أى: المعتزلة انظر ص ٧٤ ج ١ خزانة الأدب للبغدادى ص ١٤ ج ١ أمالى المرتضى طبع السعادة.
(٣) ثر السائل ثرا وثرورا: غزر وكثر، وثر الرجل: كثر كلامه وتشدق، فهو ثار وثر. والثرثار: الذى يكثر الكلام فى تكلف وخروج عن الجد. مللت منه مللا من باب تعب وملالة: سئمت وضجرت وتململ: تقلب من الضجر.
[ ١ / ٢٢٣ ]