قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَأَمّا عَوْفُ بْنُ لُؤَيّ فَإِنّهُ خَرَجَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أُبْطِئَ بِهِ فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَأَتَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ أَخُوهُ فِي نَسَبِ بَنِي ذُبْيَانَ - ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بِغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَعَوْفُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بِغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ - فَحَبَسَهُ وَزَوّجَهُ وَالْتَاطَهُ وَآخَاهُ فَشَاعَ نَسَبُهُ فِي بَنِي ذُبْيَانَ. وَثَعْلَبَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - الّذِي يَقُولُ لِعَوْفِ حِينَ أُبْطِئَ بِهِ فَتَرَكَهُ قَوْمُهُ:
احْبِسْ عَلَى ابْنِ لُؤَيّ جَمَلَك تَرَكَك الْقَوْمُ وَلَا مَتْرَك لَك
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنُ الزّبَيْرِ، أَوْ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُصَيْنٍ "أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَالَ لَوْ كُنْت مُدّعِيًا حَيّا مِنْ
_________________
(١) وَقَوْلُهُ: وَخَرُوسِ السّرَى تَرَكْت رَذِيّا. إنْ خَفَضْت فَمَعْنَاهُ رُبّ خَرُوسِ السّرَى تَرَكْت، فَتَرَكْت فِي مَوْضِعِ الصّفَةِ لِخَرُوسِ وَإِنْ نَصَبْت جَعَلْتهَا مَفْعُولًا بِتَرَكْت، وَلَمْ يَكُنْ تَرَكْت فِي مَوْضِعِ صِفَةٍ لِأَنّ الصّفَةَ لَا تَعْمَلُ فِي الْمَوْصُوفِ وَالسّرَى: فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لِخَرُوسِ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقُولُ نَامَ لَيْلُك. يُرِيدُ نَاقَةً صَمُوتًا صَبُورًا عَلَى السّرَى، لَا تَضْجَرُ مِنْهُ فَسُرَاهَا كَالْأَخْرَسِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: كَتُومٌ إذَا ضَجّ الْمَطِيّ، كَأَنّمَا تَكَرّمَ عَنْ أَخْلَاقِهِنّ وَتَرْغَبُ
[ ١ / ٢٤٩ ]
الْعَرَبِ، أَوْ مُلْحِقُهُمْ بِنَا لَادّعَيْت بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفٍ، إنّا لَنَعْرِفُ فِيهِمْ الْأَشْبَاهَ مَعَ مَا نَعْرِفُ مِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ الرّجُلِ حَيْثُ وَقَعَ يَعْنِي: عَوْفَ بْنَ لُؤَيّ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهُوَ فِي نَسَبِ غَطَفَانَ: مُرّةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَهُمْ يَقُولُونَ إذَا ذُكِرَ لَهُمْ هَذَا النّسَبُ مَا نُنْكِرُهُ وَمَا نَجْحَدُهُ وَإِنّهُ لَأَحَبّ النّسَبِ إلَيْنَا.
وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَحَدُ بَنِي مُرّةَ بْنِ عَوْفِ حِينَ هَرَبَ مِنْ النّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَلَحِقَ بِقُرَيْشِ:
فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ وَلَا بِفَزَارَةَ الشّعْرِ الرّقَابَا
وَقَوْمِي - إنْ سَأَلْت - بَنُو لُؤَيّ بِمَكّةَ عَلِمُوا مُضَرَ الضّرَابَا
سَفِهْنَا بِاتّبَاعِ نَبِيّ بَغِيضٍ وَتَرْكِ الْأَقْرَبِينَ لَنَا انْتِسَابَا
ــ
وَقَوْلُ الْأَعْشَى:
كَتُومُ الرّغَاءِ إذَا هَجّرَتْ وَكَانَتْ بَقِيّةُ ذَوْدٍ كُتُمْ١
وَإِنّمَا قَالَ: خَرُوسٌ فِي مَعْنَى الْأَخْرَسِ لِأَنّهُ أَرَادَ كَتُومًا، فَجَاءَ بِهِ عَلَى وَزْنِهِ. قَالَ الْبَرْقِيّ وَكُنْت مَاوِيّةُ بِنْتُ كَعْبٍ تُحِبّ سَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ إخْوَتِهِ وَكَانَتْ تَقُولُ وَهِيَ تُرْقِصُهُ صَغِيرًا:
وَإِنّ ظَنّي بِابْنِي إنْ كَبَنْ أَنْ يَشْتَرِيَ الْحَمْدَ وَيُغْلِيَ بِالثّمَنْ
وَيَهْزِمُ الْجَيْشَ إذَا الْجَيْشُ أَرْجَحَن وَيُرَوّي الْعَيْمَانَ مِنْ مَحْضِ اللّبَنْ٢
_________________
(١) ١ ذود: تقال عَن ثَلَاثَة أَبْعِرَة إِلَى الْعشْرَة أَو خَمْسَة عشرَة أَو عشْرين أَو ثَلَاثِينَ، وَلَا يكون إِلَّا من الْإِنَاث، وَالْجمع أذواد. ٢ أرجحن مَال واهتز، والعيمة بِفَتْح الْعين: شَهْوَة اللَّبن والعطش وَهُوَ عيمان، وَهِي عيمي.
[ ١ / ٢٥٠ ]
سَفَاهَةَ مُخْلِفٍ لَمّا تَرَوّى هَرَاقَ الْمَاءَ وَاتّبَعَ السّرَابَا١
فَلَوْ طُووِعْت، عَمْرَك كُنْت فِيهِمْ وَمَا أَلْفَيْت أَنْتَجِعُ السّحَابَا
وَخَشّ رَوَاحَةُ الْقُرَشِيّ رَحْلِي بِنَاجِيَةِ وَلَمْ يَطْلُبْ ثَوَابَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ [أَبُو زَيْدٍ] الْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ [بْنُ رَبِيعَةَ] الْمُرّيّ ثُمّ أَحَدُ بَنِي سَهْمِ بْنِ مُرّةَ يَرُدّ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَيَنْتَمِي إلَى غَطَفَانَ:
أَلَا لَسْتُمْ مِنّا، وَلَسْنَا إلَيْكُمْ بَرِئْنَا إلَيْكُمْ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ
أَقَمْنَا عَلَى عِزّ الْحِجَازِ وَأَنْتُمْ بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
يَعْنِي: قُرَيْشًا. ثُمّ نَدِمَ الْحُصَيْنُ عَلَى مَا قَالَ وَعَرَفَ مَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ، فَانْتَمَى إلَى قُرَيْشٍ، وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ فَقَالَ:
نَدِمْت عَلَى قَوْلٍ مَضَى كُنْت قُلْته تَبَيّنْت فِيهِ أَنّهُ قَوْلُ كَاذِبٍ
فَلَيْتَ لِسَانِي كَانَ نِصْفَيْنِ مِنْهُمَا بَكِيمٌ وَنِصْفٌ عِنْدَ مَجْرَى الْكَوَاكِبِ
ــ
يُقَالُ كَبَنَ وَأَكْبَنَ إذَا اشْتَدّ.
وَذَكَرَ قَوْلَ جَرِيرٍ لِبَنِي جُشَمِ بْنِ لُؤَيّ:
بَنِي جُشَمٍ لَسْتُمْ لِهَزّانَ فَانْتَمُوا لِأَعْلَى الرّوَابِي مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ
يُقَالُ إنّهُمْ أَعْطَوْا جَرِيرًا عَلَى هَذَا الشّعْرِ أَلْفَ عِيرٍ رُبَيّ وَكَانُوا يَنْتَسِبُونَ إلَى رَبِيعَةَ، فَمَا انْتَسَبُوا بَعْدُ إلّا لِقُرَيْشِ.
وَذَكَرَ شِعْرَ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ. وَقَوْلُهُ٢: سَفَاهَةَ مُخْلِفٍ، وَهُوَ الْمُسْتَقِي
_________________
(١) ١ المخلف: [هُنَا]: المستقي للْمَاء، يُقَال: ذهب يخلف لِقَوْمِهِ: أَي يَسْتَقِي لَهُم. ٢ بَدَأَ يشْرَح قصيدة الْحَارِث بن ظَالِم.
[ ١ / ٢٥١ ]
أَبُونَا كِنَانِيّ بِمَكّةَ قَبْرُهُ بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ
ــ
[لِلْمَاءِ]، وَفِيهِ لَمْ يَذْكُرْ:
لَعَمْرُك إنّنِي لَأُحِبّ كَعْبًا وَسَامَةَ إخْوَتِي حُبّي الشّرَابَا
وَقَوْلُهُ: وَخَشّ رَوَاحَةُ الْقُرَشِيّ رَحْلِي بِنَاجِيَةِ. أَيْ بِنَاقَةِ سَرِيعَةٍ يُقَالُ خَشّ السّهْمَ بِالرّيْشِ إذَا رَاشَهُ بِهِ فَأَرَادَ رَاشَنِي وَأَصْلَحَ رَحْلِي بِنَاجِيَةِ وَلَمْ يَطْلُبْ ثَوَابًا بِمَدْحِهِ بِذَلِكَ. وَرَوَاحَةُ هَذَا: هُوَ رَوَاحَةُ بْنُ مُنْقِذِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ كَانَ قَدْ رَبَعَ فِي الْجَاهِلِيّةِ أَيْ رَأَسَ وَأَخَذَ الْمِرْبَاعَ١.
وَقَوْلُهُ: لَوْ طُووِعْت عَمْرَك كُنْت فِيهِمْ وَنَصَبَ عَمْرَك عَلَى الظّرْفِ.
وَقَوْلُهُ: وَمَا أَلْفَيْت أَنْتَجِعُ السّحَابَا. أَيْ كَانُوا يُغْنُونَنِي بِسَيْبِهِمْ وَمَعْرُوفِهِمْ عَنْ انْتِجَاعِ السّحَابِ وَارْتِيَادِ الْمَرَاعِي فِي الْبِلَادِ.
وَقَوْلُ الْحَصِينِ بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ: أَيْ حَيْثُ تَعْتَلِجُ السّيُولِ وَالِاعْتِلَاجُ عَمَلٌ بِقُوّةِ قَالَ الشّاعِرُ:
لَوْ قُلْت لِلسّيْلِ دَعْ طَرِيقَك وَالٍ سّيْلُ كَمِثْلِ الْهِضَابِ يَعْتَلِجُ
وَفِي الْحَدِيثِ: إنّكُمَا عِلْجَانِ فَعَالِجَا عَنْ دِينِكُمَا٢، وَفِي الْحَدِيثِ إنّ الدّعَاءَ لَيَلْقَى الْبَلَاءَ نَازِلًا مِنْ السّمَاءِ فَيَعْتَلِجَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيْ يَتَدَافَعَانِ بِقُوّةِ.
وَقَوْلُهُ: لَنَا الرّبُعُ بِضَمّ الرّاءِ يُرِيدُ أَنّ بَنِي لُؤَيّ كَانُوا أَرْبَعَةً أَحَدُهُمْ أَبُوهُمْ وَهُوَ عَوْفٌ وَبَنُو لُؤَيّ هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، وَلَهُمْ وِرَاثَةُ الْبَيْتِ. وَالْأَخَاشِبُ: جِبَالُ مَكّةَ، وَقَدْ يُقَالُ لِكُلّ جَبَلٍ أَخْشَبُ أَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدٍ:
_________________
(١) ١ فِي "نسب قُرَيْش": رَوَاحَة بن منقذ بن عَمْرو بن معيص. انْظُر:ص٤٣٧. ٢ العلج: الرجل الْقوي الضخم، فعالجا: أَي مارسا الْعَمَل الَّذِي ندبتكما إِلَيْهِ، واعملا بِهِ.
[ ١ / ٢٥٢ ]
لَنَا الرّبُعُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً وَرُبْعُ الْبِطَاحِ عِنْدَ دَارِ ابْنِ حَاطِبِ
أَيْ أَنّ بَنِي لُؤَيّ كَانُوا أَرْبَعَةً: كَعْبًا، وَعَامِرًا، وَسَامَةَ وَعَوْفًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي مَنْ لَا أَتّهِمُ:
أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ﵁ قَالَ لِرِجَالِ مِنْ بَنِي مُرّةَ إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إلَى نَسَبِكُمْ، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ.
سَادَات مرّة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْقَوْمُ أَشْرَافًا فِي غَطَفَانَ، هُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ. مِنْهُمْ هَرَمُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَة [بن مرّة بن نشبة] ١ وَخَارِجَةُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ، وَهَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ الّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ:
ــ
كَأَنّ فَوْقَ مَنْكِبَيْهِ أَخْشَبَا
وَذَكَرَ خَارِجَةَ بْنَ سِنَانٍ الّذِي تَزْعُمُ قَيْسٌ أَنّ الْجِنّ اخْتَطَفَتْهُ لِتَسْتَفْحِلَهُ٢ نِسَاءَهَا لِبَرَاعَتِهِ وَنَجْدَتِهِ وَنَجَابَةِ نَسْلِهِ وَقَدْ قَدِمَتْ بِنْتُهُ عَلَى عُمَرَ فَقَالَ لَهَا: مَا كَانَ أَبُوك أَعْطَى زُهَيْرًا حِينَ مَدَحَهُ فَقَالَتْ أَعْطَاهُ مَالًا وَرَقِيقًا وَأَثَاثًا أَفْنَاهُ الدّهْرُ فَقَالَ لَكِنْ مَا أَعْطَاكُمْ زُهَيْرٌ لَمْ يُفْنِهِ الدّهْرُ وَكَانَ خَارِجَةُ بَقِيرًا أَمَرَتْ أُمّهُ عِنْدَ مَوْتِهَا أَنْ يُبْقَرَ بَطْنُهَا عَنْهُ فَفَعَلُوا فَخَرَجَ حَيّا، فَسُمّيَ خَارِجَةَ وَيُقَالُ لِلْبَقِيرِ خِشْعَةُ قَالَ الْحَطِيئَةُ يَعْنِي خَارِجَةَ بْنِ سِنَانٍ:
لَقَدْ عَلِمَتْ خَيْلُ ابْنِ خِشْعَةَ أَنّهَا مَتَى مَا يَكُنْ يَوْمًا جِلَادٌ تُجَالِدُ
وَقَوْلُ عَامِرٍ: تَرَى الْمُلُوكَ حَوْلَهُ مُغَرْبَلَهْ. قِيلَ مَعْنَاهُ مُنْتَفِخَةٌ وَذَكَرُوا أَنّهُ يُقَالُ:
_________________
(١) ١ فِي "اللِّسَان" مَادَّة: نشب: ابْن نشبة بن مرّة. ٢ أَي لتجعله كل مِنْهُنَّ فِي مَكَان الزَّوْج مِنْهَا، وَالْقَوْل خرافة.
[ ١ / ٢٥٣ ]
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَهْ يَوْمَ الْهَبَاءَاتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهْ يَقْتُلُ ذَا الذّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
هَاشم بن حَرْمَلَة، وعامر الحصعي:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِعَامِرِ الْخَصَفِيّ خَصَفَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ:
أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَهْ يَوْمَ الْهَبَاءَاتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ
تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهْ يَقْتُلُ ذَا الذّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
وَرُمْحُهُ لِلْوَالِدَاتِ مَثْكَلَهْ
وَحَدّثَنِي أَنّ هَاشِمًا قَالَ لِعَامِرِ قُلْ فِيّ بَيْتًا جَيّدًا أُثِبْك عَلَيْهِ فَقَالَ عَامِرٌ الْبَيْتَ الْأَوّلَ فَلَمْ يُعْجِبْ هَاشِمًا، ثُمّ قَالَ الثّانِي، فَلَمْ يُعْجِبْهُ ثُمّ قَالَ الثّالِثُ فَلَمْ يُعْجِبْهُ فَلَمّا قَالَ الرّابِعُ:
ــ
غَرْبَلَ الْقَتِيلُ إذَا انْتَفَخَ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ١ وَإِنْ كَانَ أَبُو عُبَيْدٍ قَدْ ذَكَرَهُ فِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ وَأَيْضًا: فَإِنّ الرّوَايَةَ بِفَتْحِ الْبَاءِ مُغَرْبَلَةٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ يَتَخَيّرُ الْمُلُوكَ فَيَقْتُلُهُمْ وَاَلّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ أَنّهُ يُرِيدُ بِالْغَرْبَلَةِ اسْتِقْصَاءَهُمْ وَتَتْبَعُهُمْ كَمَا قَالَ مَكْحُولٌ الدّمَشْقِيّ: وَدَخَلَتْ الشّامَ، فَغَرْبَلْتهَا غَرْبَلَةً حَتّى لَمْ أَدَعْ عِلْمًا إلّا حَوَيْته، فِي كُلّ ذَلِكَ أَسْأَلُ عَنْ الْبَقْلِ.
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَمَعْنَى هَذَا: التّتَبّعُ وَالِاسْتِقْصَاءُ وَكَأَنّهُ مِنْ غَرْبَلْت الطّعَامَ. إذَا تَتَبّعْته بِالِاسْتِخْرَاجِ حَتّى لَا تَبْقَى إلّا الْحُثَالَةُ. وَقَوْلُهُ:
يَقْتُلُ ذَا الذّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
إنّمَا أَعْجَبَ هَاشِمًا هَذَا الْبَيْتُ لِأَنّهُ وَصَفَهُ فِيهِ بِالْعِزّ وَالِامْتِنَاعِ وَأَنّهُ لَا يَخَافُ حَاكِمًا يُعْدِي عَلَيْهِ وَلَا تِرَةً مِنْ طَالِبِ ثَأْرٍ. وَهَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ هَذَا هُوَ جَدّ مَنْظُورُ بْنُ
_________________
(١) ١ المغربل: اسْم مفعول الْمَقْتُول المنتفخ، وَعند الْخُشَنِي ص٣٥: مغربلة: مقتولة.
[ ١ / ٢٥٤ ]
يَقْتُلُ ذَا الذّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ
أَعْجَبَهُ فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ الّذِي أَرَادَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدِ فِي قَوْلِهِ:
وَهَاشِمُ مُرّةَ الْمُفْنِي مُلُوكًا بِلَا ذَنْبٍ إلَيْهِ وَمُذْنِبِينَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
وَقَوْلُ عَامِرٍ يَوْمَ الْهَبَاءَاتِ. عَنْ غير أبي عُبَيْدَة.
مرّة والبسل:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْمٌ لَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ فِي غَطَفَانَ وَقَيْسٍ كُلّهَا، فَأَقَامُوا عَلَى نَسَبِهِمْ وَفِيهِمْ كَانَ الْبَسْلُ.
ــ
زَبّانَ بْنِ يَسَارٍ١ الّذِي كَانَتْ بِنْتُهُ زُجْلَةَ عِنْدَ ابْنِ الزّبَيْرِ فَهُوَ جَدّ مَنْظُورٍ لِأُمّهِ وَاسْمُهَا: قِهْطِمُ بِنْتُ هَاشِمٍ. كَانَتْ قِهْطِمُ قَدْ حَمَلَتْ بِمَنْظُورِ أَرْبَعَ سِنِينَ وَوَلَدَتْهُ بِأَضْرَاسِهِ فَسُمّيَ مَنْظُورًا لِطُولِ انْتِظَارِهِمْ إيّاهُ وَفِي زَبّانَ بْنِ سَيّارٍ وَالِدِ مَنْظُورٍ يَقُولُ الْحُطَيْئَةُ:
وَفِي آلِ زَبّانَ بْنِ سَيّارَ فِتْيَةٌ يَرَوْنَ ثَنَايَا الْمَجْدَ سَهْلًا صِعَابُهَا
وَلَمْ يَصْرِفْ سَيّارًا لِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللهُ.
مُزَيْنَةُ:
وَذَكَرَ زُهَيْرًا وَنَسَبَهُ إلَى مُزَيْنَةَ، وَهُمْ بَنُو عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأُطُمِ بْنِ أَدّ بْنِ طَابِخَةَ٢. قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ:
فَإِنّك خَيْرُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو وَأَسْنَاهَا إذَا ذُكِرَ السّنَاءُ
يَمْدَحُ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَمُزَيْنَةُ: أُمّهُمْ وَهِيَ بِنْتُ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ وَأُخْتُهَا:
_________________
(١) ١ فِي "الِاشْتِقَاق" زبان بن سيار لَا سيار، وَقد تزوج بَنَات مَنْظُور: الْحسن بن عَليّ، وَمُحَمّد بن طَلْحَة، وَعبد الله بن الزبير وَالْمُنْذر بن الزبير. ٢ فِي تَرْجَمَة زُهَيْر فِي "الأغاني": عُثْمَان بن عَمْرو بن أد بن طابخة.
[ ١ / ٢٥٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الْحَوْأَبُ بِنْتُ كَلْبٍ الّتِي يُعْرَفُ بِهَا مَاءُ الْحَوْأَبِ١ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيّتُكُنّ صَاحِبَةُ الْجَمَلِ الْأَدْبَبِ٢ تَنْبَحُهَا كِلَابُ الْحَوْأَبِ.
_________________
(١) ١ حوأب: يُقَال: وَاد حوأب: وَاسع، وحوأب: مَاء أَو مَوضِع قريب من الْبَصْرَة، وَهُوَ الَّذِي نزلته عَائِشَة ﵂ لما جَاءَت إِلَى الْبَصْرَة فِي وقْعَة الْجمل. ٢ الأدَبُّ: الْجمل الْكثير الْوَبر، أَو كثير وبر الْوَجْه.
[ ١ / ٢٥٦ ]