قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ثُمّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ الْكَلْبِيّ، مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ أَوّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلّى بَعْدَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالب.
نسبه وَسبب تبني رَسُول الله ﷺ لَهُ:
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللّاتِ بْنِ رُفَيْدَة بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ
ــ
إسْلَامُ زَيْدٍ:
فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَقَالَ فِيهِ حَارِثَةُ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ شَرَاحِيلُ قَالَ أَصْحَابُ النّسَبِ كَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ، وَرُفِعَ نَسَبُهُ إلَى كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ وَوَبْرَةُ هُوَ ابْنُ ثَعْلَبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ١، وَأُمّ زَيْدٍ سُعْدَى بِنْتُ ثَعْلَبَةَ [بْنِ عَبْدِ عَامِرٍ] مِنْ بَنِي مَعْنٍ مِنْ طَيّءٍ، وَكَانَتْ قَدْ خَرَجَتْ بِزَيْدِ لِتُزِيرَهُ أَهْلَهَا، فَأَصَابَتْهُ خَيْلٌ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جِسْرٍ، فَبَاعُوهُ بِسُوقِ حُبَاشَةَ وَهُوَ مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ، وَزَيْدٌ يَوْمُئِذٍ ابْنُ ثَمَانِيّةِ أَعْوَامٍ، ثُمّ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَلَمّا بَلَغَ زَيْدًا قَوْلُ أَبِيهِ بَكَيْت عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ. الْأَبْيَاتَ. قَالَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ الرّكْبَانُ:
_________________
(١) ١ فِي "جمهرة ابْن حزم" حلوان بت عمرَان بن الحاف بن قضاعة، وَورد فِيهَا: زيد بن حَارِثَة بن شرَاحِيل بن عبد الْعزي بن عَامر بن النُّعْمَان بن عَامر بن عبد ود بن عَوْف بن كنَانَة بن عَوْف بن عذرة بن زيد بن اللاة بن رفيدة بن كلب بن وبرة.
[ ٢ / ٢٩٠ ]
خُوَيْلِدِ قَدِمَ مِنْ الشّامِ بِرَقِيقِ١ فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَصِيفٌ. فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَمّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَا عَمّةُ أَيّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْت فَهُوَ لَك، فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ فَرَآهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَتَبَنّاهُ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ.
شعر حَارِثَة حِين فقد ابْنه زيدا، وقدومه على رَسُول الله ﷺ يسْأَله رده عَلَيْهِ:
وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزَعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ فَقَالَ:
بَكَيْت عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلَ أَحَيّ، فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ
فَوَاَللهِ مَا أَدْرِي، وَإِنّي لَسَائِلٌ أَغَالَك بَعْدِي السّهْلُ أَمْ غَالَك الْجَبَلْ
وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَك الدّهْرُ أَوْبَةٌ فَحَسْبِي مِنْ الدّنْيَا رُجُوعُك لِي بَجَلْ
تُذَكّرُنِيهِ الشّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتَعْرِضُ ذِكْرَاه إذَا غَرْبهَا أَفَلْ
وَإِنْ هَبّتْ الْأَرْوَاحُ هَيّجْنَ ذِكْرَهُ فَيَا طُولُ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
ــ
أَحِنّ إلَى أَهْلِي، وَإِنْ كُنّ نَائِيًا بِأَنّي قَعِيدُ الْبَيْتِ عِنْدَ الْمَشَاعِرِ
فَكُفّوا مِنْ الْوَجْدِ الّذِي قَدْ شَجَاكُمْ وَلَا تُعْمِلُوا فِي الْأَرْضِ نَصّ الْأَبَاعِرِ
فَإِنّي بِحَمْدِ اللهِ فِي خَيْرِ أُسْرَةٍ كِرَامِ مَعَدّ كَابِرًا بَعْدَ كَابِرِ
فَبَلَغَ أَبَاهُ قَوْلُهُ فَجَاءَ هُوَ وَعَمّهُ كَعْبٌ حَتّى وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَكّةَ وَذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَقَالَا لَهُ يَا بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، يَا بْنَ سَيّدِ قَوْمِهِ أَنْتُمْ جِيرَانُ اللهِ وَتَفُكّونَ الْعَانِيَ وَتُطْعِمُونَ الْجَائِعَ وَقَدْ جِئْنَاكُمْ فِي ابْنِنَا عَبْدِك، لِتُحْسِنَ إلَيْنَا فِي فِدَائِهِ فَقَالَ "أَوَغَيْرُ ذَلِكَ"؟ فَقَالَا: وَمَا هُوَ؟ فَقَالَ اُدْعُوهُ وَأُخَيّرُهُ فَإِنْ اخْتَارَكُمَا فَذَاكَ وَإِنْ اخْتَارَنِي فَوَاَللهِ مَا أَنَا بِاَلّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنْ اخْتَارَنِي أَحَدًا"، فَقَالَا لَهُ قَدْ زِدْت عَلَى النّصْفِ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَلَمّا جَاءَ قَالَ "مِنْ هَذَانِ"؟ فَقَالَ هَذَا أَبِي حَارِثَةُ بْنُ شَرَاحِيلَ وَهَذَا عَمّي: كَعْبُ بْنُ شَرَاحِيلَ، فَقَالَ "قَدْ خَيّرْتُك إنْ شِئْت
_________________
(١) ١ وَذَلِكَ أَن أم زيد، وَهِي سعدي بنت ثَعْلَبَة، من بني معن من طَيء، كَانَت قد خرجت بزيد لتزيره أَهلهَا، فأصابته خيل من بني الْقَيْن بن جسر، فباعوه بسوق حُبَاشَة، وَهِي من أسواق الْعَرَب، وَزيد يَوْمئِذٍ ابْن ثَمَانِيَة أَعْوَام.
[ ٢ / ٢٩١ ]
سَأُعْمِلُ نَصّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا وَلَا أَسْأَمُ التّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيّ مَنِيّتِي فَكُلّ امْرِئِ فَانٍ وَإِنْ غَرّهُ الْأَمَلْ
ثُمّ قَدِمَ عَلَيْهِ - وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ – "إنْ شِئْت فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْت فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيك فَقَالَ بَلْ أُقِيمُ عِنْدَك" فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتّى بَعَثَهُ اللهُ فَصَدّقَهُ وَأَسْلَمَ، وَصَلّى مَعَهُ فَلَمّا أَنْزَلَ اللهُ ﷿ ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابُ: ٥] قَالَ أَنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
_________________
(١) ذَهَبْت مَعَهُمَا، وَإِنْ شِئْت أَقَمْت مَعِي"، فَقَالَ بَلْ أُقِيمُ مَعَك، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ يَا زَيْدُ أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيّةَ [عَلَى الْحُرّيّةِ وَ] عَلَى أَبِيك وَأُمّك وَبَلَدِك وَقَوْمِك؟ فَقَالَ إنّي قَدْ رَأَيْت مِنْ هَذَا الرّجُلِ شَيْئًا، وَمَا أَنَا بِاَلّذِي أُفَارِقُهُ أَبَدًا فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ وَقَامَ بِهِ إلَى الْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ: "اشْهَدُوا أَنّ هَذَا ابْنِي، وَارِثًا وَمَوْرُوثًا فَطَابَتْ نَفْسُ أَبِيهِ عِنْدَ ذَلِكَ وَكَانَ يُدْعَى: زَيْدَ بْنِ مُحَمّدٍ حَتّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الْأَحْزَابُ: ٥] . وَفِي الشّعْرِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ لِحَارِثَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ: حَيَاتِي وَإِنْ تَأْتِي عَلَيّ مُنْيَتِي فَكُلّ امْرِئِ فَانٍ وَإِنْ غَرّهُ الْأَمَلْ سَأُوصِي بِهِ قَيْسًا وَعَمْرًا كِلَيْهِمَا وَأُوصِي يَزِيدَ ثُمّ أُوصِي بِهِ جَبَلْ يَعْنِي: يَزِيدَ بْنَ كَعْبِ [بْنِ شَرَاحِيلَ] وَهُوَ ابْنُ عَمّ زَيْدٍ وَأَخُوهُ [لِأُمّهِ] وَيَعْنِي بِجَبَلِ جَبَلَةَ بْنَ حَارِثَةَ أَخَا زَيْدٍ وَكَانَ أَسَنّ مِنْهُ. سُئِلَ جَبَلَةُ: مَنْ أَكْبَرُ أَنْتَ أَمْ زَيْدٌ؟ فَقَالَ زَيْدًا أَكْبَرُ مِنّي، وَأَنَا وُلِدْت قَبْلَهُ يُرِيدُ أَنّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ بِسَبْقِهِ لِلْإِسْلَامِ.
[ ٢ / ٢٩٢ ]