اسْمه وَنسبه:
هُوَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن يسَار خِيَار، أَبُو بكر، وَيُقَال أَبُو عبد الله الْمدنِي الْقرشِي المطلبي، مولى قيس بن مخرمَة، وجده، يسَار كَانَ من سبي "عين التَّمْر" الَّتِي افتتحها الْمُسلمُونَ فِي السّنة الثَّانِيَة عشرَة من الْهِجْرَة أَيَّام أبي بكر الصّديق - ﵁ -، وَهِي بَلْدَة قريبَة من الأنبار غربي الْكُوفَة، وَكَانَ فتحهَا على يَد خَالِد بن الْوَلِيد - ﵁ -. وبكنيسة "عين التَّمْر" وجد الْمُسلمُونَ جد ابْن إِسْحَاق بن الغلمة الَّذين كَانُوا رهنا فِي يَد كسْرَى، كَانَ مَعَه جد عبد الله بن أبي إِسْحَاق الْحَضْرَمِيّ النَّحْوِيّ، وجد الْكَلْبِيّ، فجيء بيسار إِلَى الْمَدِينَة المنورة.
مولده ووفاته:
ولد ابْن إِسْحَاق فِي الْمَدِينَة المنورة شَابًّا يافعًا جميل الْوَجْه، فَارسي الْخلقَة، وَمِمَّا ذكره ابْن النديم عَنهُ: أَن أَمِير الْمَدِينَة بلغه أَن مُحَمَّدًا يغازل النِّسَاء، فَأمر
[ ١ / ١١ ]
بإحضاره وضربه أسواطًا، وَنَهَاهُ عَن الْجُلُوس فِي مُؤخر الْمَسْجِد ١.
وَمِمَّنْ أدْرك ابْن إِسْحَاق فِي الْمَدِينَة المنورة من الصَّحَابَة أنس بن مَالك - ﵁ -.
ثمَّ مَا لبث ابْن إِسْحَاق أَن ترك الْمَدِينَة ورحل إِلَى غَيرهَا من الْبلدَانِ، فَكَانَت رحلته الألى إِلَى الْإسْكَنْدَريَّة سنة ١١٥هـ، وَفِي الْإسْكَنْدَريَّة حدث عَن جمَاعَة من أهل مصر مِنْهُم: عبيد الله بن الْمُغيرَة، وَعبيد الله بن أبي جَعْفَر، وَيزِيد بن حبيب، وَغَيرهم كثير. وَقد انْفَرد ابْن إِسْحَاق بِرِوَايَة أَحَادِيث عَنْهُم لم يروها غَيره.
ثمَّ كَانَت رحلته إِلَى الْكُوفَة والجزيرة والري والحيرة وبغداد، وَفِي بَغْدَاد التقى بالخليفة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، وصنف لِابْنِهِ الْمهْدي كتاب "السِّيرَة" وَكَانَ أَكثر رُوَاته من تِلْكَ الْبِلَاد. وَقد عَاشَ ابْن إِسْحَاق بَقِيَّة حَيَاته فِي بَغْدَاد إِلَى أَن وافته الْمنية يها سنة ١٥١هـ - على قَول الخزرجي - وَدفن ابْن إِسْحَاق فِي مَقْبرَة لخيزران من مَقَابِر بَغْدَاد.
مَنْزِلَته ومكانته يبن الْعلمَاء:
يعْتَبر ابْن إِسْحَاق أحد الْأَئِمَّة الأعلامن وَلَا سِيمَا فِي الْمَغَازِي وَالسير، وَهُوَ الَّذِي ألف السِّيرَة الْمَشْهُورَة النِّسْبَة إِلَى ابْن هِشَام، وَقد ألفها بِأَمْر من الْخَلِيفَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور، ليعلمها لِابْنِهِ الْمهْدي، وَفِي هَذَا يَقُول ابْن عدي عَنهُ: "لَو لم يكن لِابْنِ إِسْحَاق من الْفضل إِلَى أَنه صرف الْمُلُوك عَن الِاشْتِغَال بكتب لَا يحصل مِنْهُ شَيْء، للاشتغال بمغازي رَسُول الله ﷺ ومبعثه ومبتدأ الْخلق، لكَانَتْ هَذِه الْفَضِيلَة سبق لَهَا ابْن إِسْحَاق، وَقد فتشت أَحَادِيثه الْكَثِيرَة فَلم أَجدهَا تهيء أَن يقطع عَلَيْهِ بالضعف،
_________________
(١) ١ لِأَن الْمَسَاجِد آنذاك يجْتَمع فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء للصَّلَاة، فصفوف الرِّجَال من الْأَمَام وصفوف النِّسَاء خلفهَا، وَقد ورد حَدِيثا عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك وَهُوَ قَوْله: "خير صُفُوف الرِّجَال أَولهَا وشرها آخرهَا، وَخير صُفُوف النِّسَاء آخرهَا وشرها أَولهَا" الحَدِيث رَوَاهُ مُسلم فِي بَاب تَسْوِيَة الصُّفُوف وإقامتها وَفضل الأول فَالْأول مِنْهَا.
[ ١ / ١٢ ]
وَرُبمَا أَخطَأ وأتهم فِي الشَّيْء بعد الشَّيْء كَمَا يُخطئ غَيره".
كَمَا أننا نجد غير وَاحِد من الْأَئِمَّة الاعلامن كَابْن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَشعْبَة بن الْحجَّاج وسُفْيَان الثَّوْريّ، يوثقونه وَلَا يَتَّهِمُونَهُ بِشَيْء مِمَّا اتهمه بِهِ غَيرهم.
فنجد عَالما جَلِيلًا كَالْإِمَامِ مَالك بن أنس - ﵀ -، وَآخر كهشام بن عُرْوَة بن الزبير - ﵁ -، يكادان يخرجانه من حَظِيرَة المحديثين، وَلَا يدخران وسعًا فِي اتهامه بِالْكَذِبِ والدجل.
وَمِمَّا قَالَه الإِمَام مَالك عَنهُ: "ابْن أسْحَاق كَذَّاب ودجال من الدجاجلة"، وَرُوِيَ عَن الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل - ﵀ - أَنه قَالَ: "ابْن إِسْحَاق لَيْسَ بِحجَّة"، وَحكم عَلَيْهِ ابْن معينفي رِوَايَة عَنهُ بِأَنَّهُ سقيم، وَلَيْسَ بِحجَّة.
وَالْحق - وَالله أعلم - أَن الحاملين عَلَيْهِ لم تكن ساحتهم مبرأة عَن الْغَايَة، وَلم تكن مَعَ الْحق مُطَابقَة، لِأَن ابْن إِسْحَاق كَانَ يطعن فِي نسب مَالك بن أنس، وَفِي علمه وَيَقُول: ائْتُونِي بِبَعْض كتبه حَتَّى أبين عيوبه، فَأَنا بيطار كتبه. فانبرى لَهُ مَالك، وفتش هُوَ الآخر عَن عيوبه، وَسَماهُ دجالًا، وَكَانَت بَينهمَا هَذِه الْحَرْب الكلامية.
كام غاظ هِشَام بن عبد الْملك من ابْن إِسْحَاق أَنه كَانَ يَدعِي رِوَايَته عَن امْرَأَته، وَالرِّوَايَة فِي ظن هِشَام لَا بُد أَن تصحبها الرُّؤْيَة، وَلَقَد فَاتَ هشامًا أَن الرِّوَايَة قد تكون من وَرَاء حجاب، أَو أَن ابْن إِسْحَاق حمل عَنْهَا صَغِيرا.
وَأما مَا رمي بِهِ ابْن إِسْحَاق من التَّدْلِيس وَغَيره، فقد عقد فِي ذَلِك الْخَطِيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابه "تَارِيخ بَغْدَاد"، وَابْن سيد النَّاس فِي كِتَابه "عُيُون الْأَثر" فصلين عرضا فيهمَا لتفنيد جَمِيع المطاعن الَّتِي وجهت إِلَيْهِ.
يبْقى هُنَا مأخذًا على ابْن إِسْحَاق، وَهُوَ أَنه كَانَت تعْمل لَهُ الْأَشْعَار، وَيُؤْتى بهَا، وَيسْأل أَن يدخلهَا فِي كِتَابه "السِّيرَة" فيفعل ذَلِك بِلَا وقُوف وَلَا تَنْقِيح.
وَهَذَا مطْعن فِي مِقْدَار علمه بالشعر، فَكَانَ يقبل الْأَشْعَار غثها وسمينها، باطلها وصحيحها، وَلَو أَن ابْن إِسْحَاق حكم ذوقه، ووقف من هَذِه الْأَشْعَار وَقْفَة النَّاقِد،
[ ١ / ١٣ ]
لخص كِتَابه من أشعار أَكْثَرهَا مَوْضُوعَة، ولخلص نَفسه من مطْعن جارح يسجله عَلَيْهِ الْآخرُونَ على مر السنين.
وَلَا بُد من الْإِشَارَة إِلَى أَمر هام فِي حَيَاة ابْن إِسْحَاق، وَهُوَ أَنه لم يتَخَلَّف عَنهُ فِي الرِّوَايَة كثير من الثِّقَات وَالْأَئِمَّة، فقد أخرج لَهُ الإِمَام مُسلم فِي المتابعات، وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع، وروى لَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة.
وَقد رُوِيَ هُوَ عَن أَبِيه وَعَن الزُّهْرِيّ وَخلق غَيرهم، وروى أَيْضا عَن شَيْخه يحيى الْأنْصَارِيّ، عبد الله بن عون، وَشعْبَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وسُفْيَان بن عُيَيْنَة.
وختامًا نقُول عَن سيرته: إِن أصدق قَول قيل فِيهِ هُوَ قَول ابْن عبد الله بن نمير، حَيْثُ قَالَ عَنهُ: فقد روى فِي السِّيرَة عَن المجهولين مَا لَا يحترمه الصدْق، ورى أَيْضا مَا ينفح بِطيب الْحق، وَقد بَقِي فِيهَا مَا لَا يَصح، رغم قيام ابْن هِشَام بتهذيبها، وَهُوَ الَّذِي يَقُول عَن ابْن إِسْحَاق فِي مُقَدّمَة كِتَابه من أَنه سيترك مِمَّا ذكر ابْن إِسْحَاق "أشعارًا ذكرهَا وَلم أر أحدا من أهل الْعلم بالشعر يعرفهَا، وَأَشْيَاء بَعْضهَا يشنع الحَدِيث بِهِ، وَبَعض يسوء بعض النَّاس ذكره، وَبَعض لم يقر لنا البكائي بروايته، ومستقص - إِن شَاءَ الله -، سوى ذَلِك مِنْهُ بمبلغ الرِّوَايَة لَهُ وَالْعلم بِهِ".
رحم الله محدثنا ابْن إِسْحَاق شيخ رجال السِّيرَة وجزاه الله عَنَّا وَعَن الْمُسلمين كل خير، وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.
[ ١ / ١٤ ]