اسْمه وَنسبه:
هُوَ أَبُو مُحَمَّد عبد الْملك بن هِشَام بن أَيُّوب الْحِمْيَرِي ١، عَاشَ فِي أَكثر من بلد، وَلذَلِك فَمن الروَاة من ينْسبهُ إِلَى معافر بن يعفر، حَيْثُ نزح مِنْهُم إِلَى مصر جمهرة كَثِيرَة، وَمن الروَاة من ينْسبهُ إِلَى ذهل، وَقيل غير ذَلِك، وَهَذَا شَأْن كل من يتنقل فِي الْبلدَانِ ويهجر الأوطان.
نشأته:
نَشأ ابْن هِشَام بِالْبَصْرَةِ، وَأخذ الْعلم بدايةً عَن علمائها آنذاك، ثمَّ ارتحل إِلَى مصر ليكمل علومه هُنَاكَ، وَمن هُنَا حصر الروَاة حَيَاة ابْن هِشَام فِي هذَيْن البلدين، وَالْوَاقِع أَن ابْن هِشَام تنقل فِي بلدان كَثِيرَة فَلم تكن حَيَاته محصورة كَذَلِك، وخاصة فِي عصر كَانَ الْعلم فِيهِ يُؤْخَذ سَمَاعا من الْعلمَاء، وَكَانَت الرحلات العلمية ديدن الْعلمَاء.
مولده ووفاته:
لم تذكر المصادر المتوفرة لدينا تَارِيخ مولد ابْن هِشَام، وَهَذَا حَال كثير من الْعلمَاء السَّابِقين، وَيذكر صَاحب "الْأَعْلَام" أَنه ولد بِالْبَصْرَةِ وَنَشَأ فِيهَا، ثمَّ قدم مصر،
_________________
(١) ١ نِسْبَة إِلَى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وَفِي حمير بطُون وأفخاذ كَثِيرَة. انْظُر: "الإنباه" لِابْنِ عبد الْبر - ص/ ١٢٠/.
[ ١ / ١٥ ]
وَحدث بهَا، وَتُوفِّي فِيهَا، وَقد اخْتلفت الرِّوَايَات فِي وَفَاته، ففريق يَقُول كَانَت وَفَاته سنة ٢١٣ ثَلَاث عشرَة وَمِائَتَيْنِ لِلْهِجْرَةِ، وفريق آخر يَقُول إِن وَفَاته كَانَت سنة / ٢١٨هـ/ وَالله أعلم بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمرجع والمآب.
مَنْزِلَته ومكنته بَين الْعلمَاء:
كَانَ ابْن هِشَام عَالما بالانساب واللغة وأخبار الْعَرَب، وَقد كَانَ - ﵀- إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة الْعَرَبيَّة، وَهَذَا مِمَّا حَكَاهُ الإِمَام الذَّهَبِيّ عَنهُ، كَمَا أَنه حِين قدم مصر التقى بِهِ الإِمَام الشَّافِعِي - ﵁ -، وتناشدا الْأَشْعَار كثيرا، وَهَذَا من غرائب ابْن هِشَام، لِأَنَّهُ عِنْدَمَا كَانَ ينْقل عَن ابْن إِسْحَاق الشّعْر، وَكَانَ بعضه ظَاهر الْفساد، فَكَانَ لَا يَسْتَطِيع أَن يقطع فِيهِ بِرَأْي، وَيَقُول: هَكَذَا حَدثنَا أهل الْعلم بالشعر. أضف إِلَى ذَلِك أَن ابْن هِشَام لما هذب سيرة ابْن إِسْحَاق خفف كثيرا من أشعارها.
وَقد أورد الدَّارَقُطْنِيّ قولا عَن الْمُزنِيّ حَيْثُ يَقُول: قدم علينا الشَّافِعِي - ﵁ - وَكَانَ بِمصْر عبد الْملك بن هِشَام صَاحب "الْمَغَازِي" وَكَانَ عَلامَة أهل مصر بِالْعَرَبِيَّةِ وَالشعر، فَقيل لَهُ فِي الْمصير إِلَى الشَّافِعِي، فتثاقل، ثمَّ ذهب إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا ظَنَنْت أَن الله يخلق مثل الشَّافِعِي ١ - ﵁ -.
وَيَقُول عَنهُ ابْن خلكان: وَهَذَا ابْن هِشَام هُوَ الَّذِي جمع سيرة رَسُول الله ﷺ من الْمَغَازِي وَالسير لِابْنِ إِسْحَاق وهذبها ولخصها، وَشَرحهَا السُّهيْلي الْمَذْكُور، وَهِي الْمَوْجُودَة بأيدي النَّاس الْمَعْرُوفَة بسيرة ابْن هِشَام.
آثَار ابْن هِشَام:
وَلابْن هِشَام العديد من الْآثَار فِي كثير من الْفُنُون نذْكر مِنْهَا على سَبِيل الذّكر لَا الْحصْر:
١- "السِّيرَة النَّبَوِيَّة" الْمَعْرُوف بسيرة ابْن هِشَام، رَوَاهُ عَن ابْن إِسْحَاق.
_________________
(١) ١ انْظُر: "مَنَاقِب الشَّافِعِي" للبيهقي ٢/ ٤٢، و"توالي التأنيس" ٢/ ٦٠.
[ ١ / ١٦ ]
٢- "القصائد الحميرية" فِي أَخْبَار الْيمن وملوكها فِي الْجَاهِلِيَّة.
٣- "التيجان لمعْرِفَة مُلُوك الزَّمَان" رَوَاهُ عَن أَسد بن مُوسَى، عَن ابْن سِنَان، عَن وهب بن مُنَبّه.
٤- "شرح مَا وَقع فِي أشعار السِّيرَة من الْغَرِيب".
٥- "مُصَنف فِي أَنْسَاب حمير وملوكها".
إِلَى غير ذَلِك من الْكتب الْأُخْرَى فِي فنون متنوعة من أَبْوَاب الْعلم. ط
رحم الله عالمنا الْجَلِيل عبد الْملك بن هِشَام وجزاه الله عَنَّا وَعَن الْمُسلمين خير الْجَزَاء سائلين الْمولى تَعَالَى أَن يحشرنا وإياهم تَحت لِوَاء الْمُصْطَفى ﷺ وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.
[ ١ / ١٧ ]