اسْمه وَنسبه:
هُوَ أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن أَحْمد بن أصبغ بن الْحُسَيْن بن سعدون بن رضوَان بن فتوح بن الْخَطِيب أبي مُحَمَّد بن الْخَطِيب أبي عَمْرو بن أبي الْحسن الخثعي السُّهيْلي الأندلسي المالقي.
قَالَ صَاحب "الوفيات": والسهيلي سنة / ٥٠٨هـ/ فِي الأندلس، وَتُوفِّي سنة / ٥٨١هـ/ فِي مراكش ١. يَقُول ابْن الْعِمَاد الْحَنْبَلِيّ فِي كِتَابه "شذرات الذَّهَب" إِن أَبَا الْقَاسِم مِمَّن توفوا سنة/ ٥٨١هـ/ فِي شعْبَان من تِلْكَ السّنة، وَيكون قد عَاشَ اثْنَتَيْنِ وَسبعين سنة.
نشأته:
نَشأ السُّهيْلي فِي وَاد بالأندلس يُسمى سُهَيْل من كورة مالقة، وَهِي قَرْيَة بِالْقربِ
_________________
(١) ١ يَقُول ابْن خلكان عَنهُ فِي "وفيات الْأَعْيَان": ومولده سنة ثَمَان وَخَمْسمِائة لِلْهِجْرَةِ بِمَدِينَة مالقة، وَتُوفِّي بِحَضْرَة مراكش يَوْم الْخَمِيس، وَدفن وَقت الظّهْر، وَهُوَ السَّادِس وَالْعشْرُونَ من شعْبَان سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَخَمْسمِائة لِلْهِجْرَةِ. وَقَالَ عَنهُ أَيْضا: إِنَّه خثعمي نسبه إِلَى خثعم بن أَنْمَار، وَهِي قَبيلَة كَبِيرَة.
[ ١ / ١٩ ]
من مالقة سميت باسم الْكَوْكَب ١، لِأَنَّهُ لَا يرى فِي جَمِيع الأندلس إِلَّا من جبل مطل عَلَيْهَا، ومالقة بِفَتْح اللَّام وَالْقَاف، هِيَ مَدِينَة بالأندلس.
فَأَقَامَ السُّهيْلي بالأندلس عمرا طَويلا، فنهل من كنوز الْعلم مَا نهل، وتزود من المعارف مَا تزَود، واشتهر بَين النَّاس، فَأخذُوا يقصدونه ليأخذوا عَنهُ الْعلم، فذاع سيطه فِي الْبلدَانِ حَتَّى وصل خَبره إِلَى مراكش فَطَلَبه واليها، وأكرمه وَأحسن إِلَيْهِ، وَأَقْبل بِوَجْهِهِ كل الإقبال عَلَيْهِ، وولاه بهَا قَضَاء الْجَمَاعَة ٢، وَبَقِي على ذَلِك الْحَال أعوامًا ثَلَاثَة إِلَى أَن وافاه الْأَجَل فَمَاتَ بهَا - ﵀ -.
أخلاقه وعلمعه:
إِذا نَظرنَا مَلِيًّا فِي مؤلفات الإِمَام السُّهيْلي لظهر لنا جليًا اتجاهه الخلقي النَّبِيل، فقد عَاشَ لنصرة هَذَا الدّين فوهب لَهُ حَيَاته مَا بَين درس لَهُ، وتأليف فِيهِ، وَلِهَذَا عرف بَين النَّاس بالصلاح واشتهر بالورع وَالتَّقوى، أضف إِلَى ذَلِك أَنه كَانَ بِبَلَدِهِ يتسوغ بالعفاف، ويتبلغ بالكفاف.
كَانَ السُّهيْلي - ﵀ - مالكي الْمَذْهَب، وَكَانَ ضريرًا مُنْذُ السَّابِعَة عشرَة من عمره، وَأخذ الْقرَاءَات عَن سُلَيْمَان بن يحيى وَجَمَاعَة، وروى عَن أبي بكر بن الْعَرَبِيّ وكبار رجال الْعلم فِي تِلْكَ الْبِلَاد، فَأخذ اللُّغَة والآداب عَن ابْن الطراوة، وناظره فِي "كتاب سِيبَوَيْهٍ".
وتصدر للإفتاء والتدريس والْحَدِيث، فَجمع بَين الرِّوَايَة والدراية، فَأخذ النَّاس عَنهُ وانتفعوابه.
_________________
(١) ١ وَهُوَ سُهَيْل، وَهُوَ كَوْكَب يمَان لَا يرى بخراسان، وَيرى بالعراق، وَقَالَ ابْن كناسَة: سُهَيْل يرى بالحجاز، وَفِي جَمِيع أَرض الْعَرَب، وَلَا يرى بأرمينية. انْظُر "اللِّسَان" وعد الصَّفَدِي فِي "الوفيات": وَأَصله من قَرْيَة بوادي سُهَيْل نم كورة مالقة، وَهِي - كَمَا وصفهَا ياقوت فِي "مُعْجَمه" - سورها على شاطئ الْبَحْر بَين الجزيرة الخضراء والمرية. ٢ ووالي مراكش هُوَ: أَبُو يَعْقُوب بن عبد الْمُؤمن الَّذِي تولى إمرة الْمُوَحِّدين فِي الْمغرب سنة / ٥٥٨هـ/. وَيُقَال: إِنَّه استدعى السُّهيْلي سنة / ٥٧٨هـ/.
[ ١ / ٢٠ ]
وَمِمَّا حُكيَ عَن السُّهيْلي أَنه قَالَ: أخبرنَا أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي مشيخته عَن أبي الْمَعَالِي، أَنه سَأَلَهُ فِي مَجْلِسه رجل من الْعَوام فَقَالَ: أَيهَا الْفَقِيه الإِمَام: أُرِيد أَن تذكر لي دَلِيلا شَرْعِيًّا على أَن الله تَعَالَى لَا يُوصف بالجهة، وَلَا يحدد بهَا. فَقَالَ: نعم قَول رَسُول الله ﷺ: "لَا تفضلُونِي على يُونُس بن مَتى" فَقَالَ الرِّجَال: إِنِّي لَا أعرف وَجه الدَّلِيل من هَذَا الدَّلِيل، وَقَالَ كل من حضر الْمجْلس مثل قَول الرجل فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: أضافني اللَّيْلَة ضيف لَهُ عَليّ ألف دِينَار، وَقد شغلت بالي، فَلَو قضيت عني قلتهَا، فَقَامَ رجلَانِ من التِّجَارَة فَقَالَا: هِيَ فِي ذمتنا، فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَو كَانَ رجلا وَاحِدًا يضمنهَا كَانَ أحب إلين فَقَالَ أحد الرجلَيْن أَو غَيرهمَا: هِيَ فِي ذمتين فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: نعم إِن الله تَعَالَى أسرى بِعَبْدِهِ إِلَى فَوق سبع سموات، حَتَّى سمع صرير الأقلام، والتقم يُونُس الْحُوت، فَهَوِيَ بِهِ إِلَى جِهَة التحت من الظُّلُمَات مَا شَاءَ الله، فَلم يكن سيدنَا مُحَمَّد ﷺ فِي علو مَكَانَهُ بأقرب إِلَى الله تَعَالَى من يُونُس فِي بعد مَكَانَهُ، فَالله تَعَالَى لَا يتَقرَّب إِلَيْهِ بالأجرام والأجسام، وَإِنَّمَا يتَقرَّب إِلَيْهِ بِصَالح الْأَعْمَال.
وَكَانَ الإِمَام السُّهيْلي فَوق هَذَا شَاعِرًا، فَلهُ أَبْيَات مَشْهُورَة فِي الْفرج:
قَالَ ابْن دحْيَة السُّهيْلي: أنشدنيها وَقَالَ: مَا يسْأَل الله بهَا فِي حَاجَة إِلَّا قَضَاهُ إِيَّاهَا وَهِي:
يَا من يرا مَا فِي الضَّمِير وَيسمع أَنْت الْمعد لكل مَا يتَوَقَّع
يامن يُرْجَى للشدائد كلهَا يَا من إِلَيْهِ المشتكى والمفزع
يَا من خَزَائِن ملكه فِي قَول: كن أمنن فَإِن الْخَيْر عِنْد أجمع
مَالِي سوى قرعي لبابك حِيلَة فلئن رددت فَأَي بَاب أَقرع
مَالِي سوى فقري إِلَيْك وَسِيلَة وبالافتقار إِلَيْهِ فقري أدفَع
من ذَا الَّذِي أَدْعُو وأهتف باسمه إِن كَانَ فضلك عَن فقيرك يمْنَع
حاشا لمجدك أَن تقنط عَاصِيا وَالْفضل أجزل والمواهب أوسع
ثمَّ الصَّلَاة على النَّبِي وَآله خير الْأَنَام وَمن بِهِ يستشفع ١
_________________
(١) ١ فِي مصَادر أُخْرَى مُغَايرَة طفيفة لما هُنَا مثل: يَا من خَزَائِن رزقه، فبالافتقار إِلَيْهِ رَبِّي أضرع، إِن كَانَ فضلك عَن فَقير يمْنَع.
[ ١ / ٢١ ]
وَيَقُول الصَّفَدِي فِي كِتَابه "نكت الْهِمْيَان": وَمن شعره يرثي بلدهن وَكَانَ الفرنج قد ضَربته، وَقتلت رِجَاله ونساءه "وَقتلُوا أَهله وأقاربه، وَكَانَ غَائِبا عَنْهُم، فاستأجر من أركبه دَابَّة، وَأتي بِهِ إلَيْهِنَّ فَوقف إزاءه وَقَالَ" ١:
يَا دَار أَيْن الْبيض والآرام! أم أَيْن جيران عَليّ كرام
راب الْمُحب من الْمنَازل أَنه حَيا، فَلم يرجع إِلَيْهِ سَلام
أخرسن أم بعد المدى فنسينه أم غال من كَانَ الْمُجيب حمام
دمعي شهيدي أنني لم أنسهم إِن السلو على الْمُحب حرَام
لما أجابني الصدى عَنْهُم، وَلم يلج المسامع للحبيب كَلَام
طارحت ورق حمامها مترنما بمقال صب، والدموع سجام
يَا دَار مَا صنعت بك الْأَيَّام ضامتك، وَالْأَيَّام لَيْسَ تضام
وَمن شعره ايضًا:
إِذا قلت يَوْمًا: سَلام عَلَيْكُم فَفِيهَا شِفَاء وفيهَا السقام
شِفَاء إِذا قلتهَا مُقبلا وَإِن أَنْت أَدْبَرت فِيهَا الْحمام
مؤلفات الإِمَام السُّهيْلي:
وَللْإِمَام السُّهيْلي - ﵀ - مؤلفات كَثِيرَة من الْعُلُوم نذْكر مِنْهَا على سَبِيل الْمِثَال لَا الْحصْر:
١- "الرَّوْض الْأنف" وَهُوَ من أهم كتبه، وَهُوَ الْكتاب الَّذِي بَين أَيْدِينَا.
٢- "التَّعْرِيف والإعلام فِيمَا أبهم فِي الْقُرْآن من الْأَسْمَاء الْأَعْلَام".
٣- "نتائج الْفِكر".
٤- "شرح آيَة الْوَصِيَّة فِي الْفَرَائِض".
_________________
(١) ١ مابين المعكوفتين من كتاب "الْمغرب فِي حلى الْمغرب".
[ ١ / ٢٢ ]
١- "مَسْأَلَة السِّرّ فِي عور الدَّجَّال".
٢- "مَسْأَلَة رُؤْيَة الله ﷿".
٣- "شرح الْجمل" ١.
إِلَى غير ذَلِك من تآليفه المفيدة، وَهُنَاكَ مسَائِل كَثِيرَة غير هَذِه اكْتفى المترجمون بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ دون التَّصْرِيح بأسمائها.
رحم الله الإِمَام السُّهيْلي، وجزاه عَنَّا وَعَن الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين كل خير، وَجَعَلنَا وإياه من أهل الْجنَّة مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا، وَآخر دعوانا أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين.
أعد هَذِه التراجم ورتبها
الشَّيْخ عمر بن عبد السَّلَام السلَامِي
_________________
(١) ١ قَالَ الصَّفَدِي فِي كِتَابه "نكت الْهِمْيَان": كتاب "شرح الْجمل" لم يتم.
[ ١ / ٢٣ ]
بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ وَصَلَوَاتُهُ عَلَى سَيّدِنَا مُحَمّدٍ وَآلِهِ أَجْمَعِينَ.