قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ كَانَ أَوّلَ ذَكَرٍ مِنْ النّاسِ آمَنَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَصَلّى مَعَهُ وَصَدّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللهِ تَعَالَى: عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ - رِضْوَانُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْنُ عشر سِنِين.
نشأته فِي حجر الرَّسُول ﷺ وَسبب ذَلِك:
وَكَانَ مِمّا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٨٧ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرِ بْنِ أَبِي الْحَجّاجِ قَالَ كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمّا صَنَعَ اللهُ لَهُ وَأَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ أَنّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْعَبّاسِ عَمّهِ وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ:
"يَا عَبّاسُ إنّ أَخَاك أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ وَقَدْ أَصَابَ النّاسُ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزِمّةِ فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ فَلْنُخَفّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا، فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ" فَقَالَ الْعَبّاسُ نَعَمْ فَانْطَلَقَا، حَتّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ فَقَالَا لَهُ إنّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفّفَ عَنْك مِنْ عِيَالِك حَتّى يَنْكَشِفَ عَنْ النّاسِ مَا هُمْ فِيهِ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ إذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا، فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَقِيلًا وَطَالِبًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيّا، فَضَمّهُ إلَيْهِ وَأَخَذَ الْعَبّاسُ جَعْفَرًا فَضَمّهُ إلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ عَلِيّ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتّى بَعَثَهُ اللهُ ﵎ نَبِيّا، فَاتّبَعَهُ عَلِيّ ﵁ وَآمَنَ بِهِ وَصَدّقَهُ وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبّاسِ حَتّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ.
أَبُو طَالِبٍ يَكْتَشِفُ إيمَانَ عَلِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ فَيُصَلّيَانِ الصّلَوَاتِ فِيهَا، فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا، فَمَكَثَا كَذَلِكَ إلَى مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَمْكُثَا. ثُمّ إنّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصَلّيَانِ،
_________________
(١) إمَامَةُ جِبْرِيلَ: وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي إمَامَةِ جِبْرِيلَ لِلنّبِيّ - ﷺ - وَتَعْلِيمِهِ إيّاهُ أَوْقَاتَ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمَيْنِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنّ أَهْلَ الصّحِيحِ مُتّفِقُونَ عَلَى أَنّ هَذِهِ الْقِصّةَ كَانَتْ فِي الْغَدِ مِنْ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا نُبّئَ بِخَمْسَةِ أَعْوَامٍ وَقَدْ قِيلَ إنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامِ وَنِصْفٍ وَقِيلَ بِعَامِ فَذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَدْءِ نُزُولِ الْوَحْيِ وَأَوّلِ أَحْوَالِ الصّلَاةِ.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ يَا بْنَ أَخِي مَا هَذَا الدّينُ الّذِي أَرَاك تَدِينُ بِهِ؟ قَالَ: "أَيْ عَمّ هَذَا دِينُ اللهِ، وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ وَدِينُ رُسُلِهِ وَدِينُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ" - أَوْ كَمَا قَالَ - ﷺ - "بَعَثَنِي اللهُ بِهِ رَسُولًا إلَى الْعِبَادِ وَأَنْتَ أَيْ عَمّ أَحَقّ مَنْ بَذَلْت لَهُ النّصِيحَةَ وَدَعَوْته إلَى الْهُدَى، وَأَحَقّ مَنْ أَجَابَنِي إلَيْهِ وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ" أَوْ كَمَا قَالَ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ أَيْ ابْنَ أَخِي، إنّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي، وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ وَلَكِنْ وَاَللهِ لَا يَخْلُصُ إلَيْك بِشَيْءِ تَكْرَهُهُ مَا بَقِيت.
ــ
أَوّلُ مَنْ آمَنَ:
وَذَكَرَ أَنّ أَوّلَ ذَكَرٍ آمَنَ بِاَللهِ عَلِيّ - ﵁ - وَسَيَأْتِي قَوْلُ مَنْ قَالَ أَوّلُ مَنْ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنْ ذَلِكَ - وَاَللهُ أَعْلَمُ - مِنْ الرّجَالِ لِأَنّ عَلِيّا كَانَ حِينَ أَسْلَمَ صَبِيّا لَمْ يُدْرِكْ وَلَا يَخْتَلِفُ أَنّ خَدِيجَةَ هِيَ أَوّلُ مَنْ آمَنَ بِاَللهِ وَصَدّقَ رَسُولَهُ وَكَانَ عَلِيّ أَصْغَرَ مِنْ جَعْفَرٍ بِعَشْرِ سِنِينَ وَجَعْفَرٌ أَصْغَرُ مِنْ عَقِيلٍ بِعَشْرِ سِنِينَ١ وَعَقِيلٌ أَصْغَرُ مِنْ طَالِبٍ بِعَشْرِ سِنِينَ وَكُلّهُمْ أَسْلَمَ إلّا طَالِبًا اخْتَطَفَتْهُ الْجِنّ، فَذَهَبَ وَلَمْ يُعْلَمْ بِإِسْلَامِهِ٢ وَأُمّ عَلِيّ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهِيَ إحْدَى الْفَوَاطِمِ الّتِي قَالَ فِيهِنّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعَلِيّ ﵁ "اقْسِمْهُ بَيْنَ الْفَوَاطِمِ الثّلَاثِ" يَعْنِي ثَوْبَ حَرِيرٍ قَالَ الْقُتَبِيّ. يَعْنِي: فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدٍ، وَلَا أَدْرِي مَنْ الثّالِثَةُ وَرَوَاهُ عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدٍ اقْسِمْهُ بَيْنَ الْفَوَاطِمِ الْأَرْبَعِ وَذَكَرَ فَاطِمَةَ بِنْتَ حَمْزَةَ مَعَ اللّتَيْنِ تَقَدّمَتَا، وَقَالَ لَا أَدْرِي مَنْ الرّابِعَةُ قَالَهُ فِي كِتَابِ "الْغَوَامِضِ وَالْمُبْهَمَاتِ٣".
_________________
(١) ١ هُوَ كاما قَالَ فِي "نسب قُرَيْش": ص ٣٩. ٢ هَذَا خرافة. ٣ اسْتدلَّ من حكمُوا بسبق عَليّ ﵁ بِحَدِيث عِنْد الطَّبَرَانِيّ أَن النَّبِي صلى اللله عَلَيْهِ وَسلم صلى أول يَوْم الْإِثْنَيْنِ، وصلت خَدِيجَة آخِره، وَصلى عَليّ يَوْم الثُّلَاثَاء.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وَذَكَرُوا أَنّهُ قَالَ لِعَلِيّ أَيْ بُنَيّ مَا هَذَا الدّينُ الّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ يَا أَبَتْ آمَنْت بِاَللهِ وَبِرَسُولِ اللهِ وَصَدّقْته بِمَا جَاءَ بِهِ وَصَلّيْت مَعَهُ لِلّهِ وَاتّبَعْته. فَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ لَهُ أَمّا إنّهُ لَمْ يَدَعْك إلّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٢ / ٢٩٠ ]