قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى أَمْرِ اللهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدّيًا إلَى قَوْمِهِ النّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التّكْذِيبِ وَالْأَذَى وَالِاسْتِهْزَاءِ. وَكَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ - كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَومهمْ.
المستهزئون بالرسول مِنْ بني أَسد:
من بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبُو زَمْعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ فَقَالَ: "اللهُمّ أَعْمِ بَصَرَهُ وأثكله وَلَده"
المستهزئون بالرسول من بني زهرَة:
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بن زهرَة.
المستهزئون بالرسول من مَخْزُوم:
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بن مَخْزُوم.
_________________
(١) عَنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَمِلْكَانَ: فَصْلٌ: وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ ﴿إِنّا كَفَيْنَاكَ
[ ٤ / ٥ ]
المستهزئون بالرسول من سهم:
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بن سهم
المستهزئون بالرسول من خُزَاعَة:
وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ ابْنُ الطّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ لُؤَيّ بْنِ مِلْكَانَ.
فَلَمّا تَمَادَوْا مِنْ الشّرّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - الِاسْتِهْزَاءَ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الْحجر: ٩٣ - ٩٥] .
مَا أصَاب الْمُسْتَهْزِئِينَ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ
_________________
(١) الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الْحِجْرَ: ٩٥] وَذَكَرَ فِيهِمْ الْحَارِثَ ابْنَ الطّلَاطِلَةِ وَالطّلَاطِلَةُ أُمّهُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْوَقَشِيّ، وَالطّلَاطِلَةُ فِي اللّغَةِ الدّاهِيَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: كُلّ دَاءٍ عُضَالٍ فَهُوَ طُلَاطِلَةٌ وَذُكِرَ فِي نَسَبِهِ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ مِلْكَانَ بِالضّبْطَيْنِ جَمِيعًا، وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ الْحَافِظِ أَبِي بَحْرٍ قَالَ قَدْ تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ النّحْوِيّ أَنّ النّاسَ لَيْسَ فِيهِمْ مَلَكَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ إلّا مَلَكَانُ بْنُ جَرْمِ بْنِ زَبّانَ بْنِ حُلْوَانِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ، وَمَلَكَانُ بْنُ عَبّادِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ السّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ وَإِخْوَةُ عَدِيّ هُمْ - تُجِيبُ عُرِفُوا بِأُمّهِمْ تُجِيبَ بِنْتِ دُهْمِ بْنِ ثَوْبَانَ، وَهُمْ مِنْ كِنْدَةَ، وَكُلّ مَنْ فِي النّاسِ وَغَيْرِهِمَا مِلْكَانُ مَكْسُورُ الْمِيمِ سَاكِنُ اللّامِ وَقَالَ مَشَايِخُ خُزَاعَةَ: فِي خُزَاعَةَ مَلَكَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ مَلَكَانُ بْنُ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَبِيبٍ كَاَلّذِي يَخْرُجُ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنّ الّذِي فِي خُزَاعَةَ إنّمَا هُوَ مِلْكَانُ بْنُ أَفْصَى مِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ الّذِينَ
[ ٤ / ٦ ]
الْعُلَمَاءِ أَنّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَى جَنْبِهِ فَمَرّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ فَعَمِيَ وَمَرّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَأَشَارَ إلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا. وَمَرّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلَ كَعْبِ رِجْلِهِ كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَهُوَ يَجُرّ سَبَلَهُ وَذَلِكَ أَنّهُ مَرّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَتَعَلّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ فَخَدَشَ مِنْ رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَرّ بِهِ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ رِجْلِهِ وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ وَمَرّ بِهِ الْحَارِثُ ابْنُ الطّلَاطِلَةِ فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَامْتَخَضَ قَيْحا فَقتله.
_________________
(١) مِنْهُمْ ذُو الرّمّةِ الشّاعِرُ وَمِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ أَيْضًا رَهْطُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثّوْرِيّ. وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ رَوَى أَنّهُ لَمّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الْحِجْرَ: ٩٥] نَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ فَحَنَا ظَهْرَ الْأَسْوَدِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَالِي خَالِي، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ خَلّ عَنْك، ثُمّ حَنَاهُ حَتّى قَتَلَهُ ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ. حَدِيثُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: فَصْلٌ:وَذَكَرَ وَفَاةَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَقَوْلَهُ لِبَنِيهِ وَعُقْرِى عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدّوْسِيّ لَا تَدَعُوهُ. الْعُقْرُ دِيَةُ الْفَرْجِ الْمَغْصُوبِ وَأَصْلُهُ فِي الْبِكْرِ مِنْ أَجْلِ التّدْمِيَةِ وَمِنْهُ عَقَرَ السّرْجُ الْفَرَسَ: إذَا أَدْمَاهُ وَبَيْضَةُ الْعُقْرِ مِنْهُ لِأَنّهُمْ كَانُوا يَقِيسُونَ الْبِكْرَ بِالْبَيْضَةِ لِيَعْرِفُوا بُكُورَتَهَا، وَقِيلَ عُقْرٌ بِضَمّ الْعَيْنِ لِأَنّهُ بِمَعْنَى بُضْعٍ.
[ ٤ / ٧ ]
قصَّة أبي أزيهر الدوسي:
وصاته لِبَنِيهِ:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ وَكَانُوا ثَلَاثَةً هِشَامَ بْنَ الْوَلِيدِ وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ أَيْ بَنِيّ أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ فَلَا تُضَيّعُوا فِيهِنّ دَمِي فِي خُزَاعَةَ، فَلَا تَطُلّنّهُ وَاَللهِ إنّي لَأَعْلَمُ أَنّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ وَلَكِنّي أَخْشَى أَنْ تُسَبّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتّى تَأْخُذُوهُ وَعُقْرِى عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِر فَلَا يَفُوتَنّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِر قَدْ زَوّجَهُ بِنْتًا، ثُمّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.
مطلبة بني مَخْزُوم خُزَاعَة بِدَم أَزْهَر:
فَلَمّا هَلَكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ الْوَلِيدِ وَقَالُوا: إنّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ - وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ - فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ حَتّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ - وَكَانَ الّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ - فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ:
إنّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا، فَتَهْرُبُوا وَأَنْ تَتْرُكُوا الظّهْرَانَ تَعْوِي ثَعَالِبُهْ
_________________
(١) عَنْ مَقْتَلِ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَمَوْقِفِ دَوْسٍ: وَذَكَرَ قَتْلَ هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ لِأَبِي أُزَيْهِرٍ وَخَبَرَ أُمّ غَيْلَانَ مَعَ ضِرَارٍ حِينَ أَجَارَتْهُ وَمِنْ تَمَامِ الْخَبَرِ: أَنّ دَوْسًا لَمّا بَلَغَهَا مَقْتَلُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدّوْسِيّ وَثَبَتْ عَلَى رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا عِنْدَهُمْ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ بُجَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ أَخَا الزّبَيْرِ وَأَرَادُوا قَتْلَ ضِرَارِ بْنِ الْخَطّابِ، فَأَجَارَتْهُ أُمّ غَيْلَانَ وَابْنُهَا عَوْفٌ قَالَ ضِرَارٌ: لَقَدْ أَدْخَلَتْنِي بَيْنَ دِرْعِهَا وَبَدَنِهَا، حَتّى إنّي لَأَجِدُ تَسْبِيدَ رُكَبِهَا، وَالتّسْبِيدُ مَوْضِعُ الْحَلْقِ مِنْ الشّعْرِ وَكَانَ الّذِي قَتَلَ بُجَيْرًا صَبِيحُ بْنُ سَعْدٍ أَوْ مَلِيحُ بْنُ سَعْدٍ جَدّ أَبِي هُرَيْرَةَ لِأُمّهِ لِأَنّ أُمّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ مَلِيحٍ أَوْ صَبِيحٍ.
[ ٤ / ٨ ]
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهْ؟
فَإِنّا أُنَاسٌ لَا تُطَلّ دِمَاؤُنَا وَلَا يَتَعَالَى صَاعِدًا مَنْ نُحَارِبُهْ
وَكَانَتْ الظّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ. فَأَجَابَهُ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيّ، فَقَالَ:
وَاَللهِ لَا نُؤْتِي الْوَلِيدَ ظُلَامَةً وَلَمّا قَرّوا يَوْمًا تَزُولُ كَوَاكِبُهْ
وَيُصْرَعُ مِنْكُمْ مُسْمِنٌ بَعْدَ مُسْمِنٍ وَتُفْتَحُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ
إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ فَكُلّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ وَنَادِبُهْ
ثُمّ إنّ النّاس تَرَادّوا وَعَرَفُوا أَنّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السّبّةَ فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
وَقَائِلَةٍ لَمّا اصْطَلَحْنَا تَعَجّبًا لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ
أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً وَلَمّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ
_________________
(١) فَصْلٌ: وَذَكَرَ شِعْرَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِيهِ: وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا وَالْجِزْعَةُ وَالْجَزْعُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ وَهُوَ مُعْظَمُ الْوَادِي، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ: هُوَ مَا انْثَنَى مِنْهُ وَأَطْرِقَا اسْمُ عَلَمٍ لِمَوْضِعِ سُمّيَ بِفِعْلِ الْأَمْرِ لِلِاثْنَيْنِ فَهُوَ مَحْكِيّ لَا يُعْرَبُ وَقِيلَ إنّ أَصْلَ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ أَنّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مَرّوا بِهَا خَائِفِينَ فَسَمِعَ أَحَدُهُمْ صَوْتًا، فَقَالَ لِصَاحِبَيْهِ أَطْرِقَا، أَيْ أَنْصِتَا، حَتّى نَرَى مَا هَذَا الصّوْتُ فَسُمّيَ الْمَكَانُ بِأَطْرِقَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ شِعْرَ الْجَوْنِ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ وَفِيهِ: أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً
[ ٤ / ٩ ]
فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسّلْمِ فَاسْتَوَتْ فَأَمّ هَوَاهُ آمِنًا كُلّ رَاحِلِ
ثُمّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ وَذَكَرَ أَنّهُمْ أَصَابُوهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فَلَحِقَ بِالْوَلِيدِ وَبِوَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا حَذّرَهُ.
فَقَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
أَلَا زَعَمَ الْمُغِيرَةُ أَنّ كَعْبًا بِمَكّةَ مِنْهُمْ قَدْرٌ كَثِيرُ
_________________
(١) أَرَادَ أَنْ تُؤْتُوا، وَمَعْنَاهُ أَنْ لَا تُؤْتُوا كَمَا جَاءَ فِي التّنْزِيلِ ﴿يُبَيّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلّوا﴾ [النّسَاءَ: ١٧٦] فِي قَوْلِ طَائِفَةٍ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي: كَرِهَ لَكُمْ أَنْ تَضِلّوا، وَقَدْ قَدّمْنَا فِي الْجُزْءِ قَبْلَ هَذَا كَلَامًا عَلَى أَنْ وَمُقْتَضَاهَا وَشَيْئًا مِنْ أَسْرَارِهَا فِيهِ غُنْيَةٌ وَإِذَا كَانَ الْكَلَامُ مَحْمُولًا عَلَى مَعْنَاهُ فَالنّصْبُ جَائِزٌ وَالرّفْعُ جَائِزٌ أَيْضًا، كَمَا أَنْشَدُوا: أَلَا أَيّهَذَا الزّاجِرِي أَحْضُرَ الْوَغَى بِنَصْبِ أَحْضُرَ وَرَفْعِهِ وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: وَنَهْنَهَتْ نَفْسِي بَعْدَمَا كِدْت أَفْعَلَهُ يُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ وَإِذَا رَفَعْت فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يُذْهِبْ الرّفْعُ مَعْنَى أَنْ فَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ: مُرْهُ يَحْفِرُهَا، وَقَدّرَهُ تَقْدِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يُرِيدَ الْحَالَ أَيْ مُرْهُ حَافِرًا لَهَا، وَالثّانِي: أَنْ يُرِيدَ مُرْهُ أَنْ يَحْفِرَهَا، وَارْتَفَعَ الْفِعْلُ لَمّا ذَهَبَتْ أَنْ مِنْ اللّفْظِ وَبَيّنَ ابْنُ جِنّيّ الْفَرْقَ بَيْنَ التّقْدِيرَيْنِ وَقَالَ إذَا نَوَيْت أَنْ فَالْفِعْلُ مُسْتَقْبَلٌ وَإِذَا لَمْ تَنْوِهَا فَالْفِعْلُ حَاضِرٌ وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ ذَكَرَهَا الطّبَرِيّ، قَالَ الْعَرَبُ تَقُولُ لِمَنْ تَوَجّهَ فِي أَمْرٍ تَصْنَعُ مَاذَا وَتَفْعَلُ مَاذَا؟ عَلَى تَقْدِيرِ تُرِيدُ أَنْ تَصْنَعَ مَاذَا، فَإِذَا قَالُوا: تُرِيدُ مَاذَا لَمْ يَكُنْ إلّا رَفْعًا، لِأَنّ الْمَعْنَى الّذِي يَجْلِبُ مَعْنَى أَنْ النّاصِبَةِ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ:
[ ٤ / ١٠ ]
فَلَا تَفْخَرْ مُغِيرَةُ أَنْ تَرَاهَا بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ
بِهَا آبَاؤُنَا، وَبِهَا وُلِدْنَا كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ
وَمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ذَلِكَ إلّا لِيَعْلَمَ شَأْنَنَا أَوْ يَسْتَثِيرُ
فَإِنّ دَمَ الْوَلِيدِ يُطَلّ إنّا نَطُلّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خَبِيرُ
كَسَاهُ الْفَاتِكُ الْمَيْمُونُ سَمّهِمَا زُعَافًا وَهْوَ مُمْتَلِئٌ بَهِيرُ
فَخَرّ بِبَطْنِ مَكّةَ مُسْلَحِبّا كَأَنّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ
سَيَكْفِينِي مِطَالَ أَبِي هِشَامٍ صِغَارٌ جَعْدَةُ الْأَوْبَارِ خُورُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أقذع فِيهِ.
مقتل أبي أزيهر وثورة بني عبد المناف لذَلِك:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ وَهُوَ بِسُوقِ ذِي
_________________
(١) تُرِيدُ إذْ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ تَقُولَ تُرِيدُ أَنْ تُرِيدَ مَاذَا، يَعْنِي: أَنّ الْإِرَادَةَ لَا تُرَادُ. شِعْرُ الْجَوْنِ وَذَكَرَ شِعْرَ الْجَوْنِ أَيْضًا، وَفِيهِ بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ الْمَهِيرُ ابْنُ الْمَهُورَةِ الْحُرّةِ وَالْمُعَلْهَجُ الْمُتَرَدّدُ فِي الْإِمَاءِ كَأَنّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ مِنْ الْعِلْجِ لِأَنّ الْأَمَةَ عِلْجَةٌ وَمِنْ اللهَجِ كَأَنّ وَاطِئَ الْأَمَةِ قَدْ لَهِجَ بِهَا، فَنَحَتَ لَفْظَ الْمُعَلْهَجِ مِنْ هَذَيْنِ اللّفْظَيْنِ. وَفِيهِ كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ
[ ٤ / ١١ ]
الْمَجَازِ وَكَانَ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْب بِنْتُ أُزَيْهِرٍ وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِر رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ - فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الّذِي كَانَ عِنْدَهُ لِوَصِيّةِ أَبِيهِ إيّاهُ وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بِهِ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَبُو سُفْيَانَ بِذِي الْمَجَازِ فَقَالَ النّاسُ أُخْفِرَ أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ، فَلَمّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ - وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا، يُحِبّ قَوْمَهُ حُبّا شَدِيدًا - انْحَطّ سَرِيعًا إلَى مَكّةَ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيّبِينَ فَأَخَذَ الرّمْحَ مِنْ يَدِهِ ثُمّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هَدّهُ مِنْهَا، ثُمّ قَالَ لَهُ قَبّحَك اللهُ أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ. سَنُؤْتِيهِمْ الْعَقْلَ إنْ قَبِلُوهُ وَأَطْفَأَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
فَانْبَعَثَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرّضُ فِي دَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَيُعَيّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَتَهُ وَيُجْبِنُهُ فَقَالَ:
غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا وَجَارُ ابْنِ حَرْبٍ بِالْمُغَمّسِ مَا يَغْدُو
وَلَمْ يَمْنَعْ الْعَيْرُ الضّرُوطُ ذِمَارَهُ وَمَا مَنَعَتْ مَخْزَاةَ وَالِدِهَا هِنْدُ
كَسَاك هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِيَابَهُ فَأَبْلِ وَأَخْلِفْ مِثْلَهَا جُدُدًا بَعْدُ
_________________
(١) كَذَا صَحّتْ الرّوَايَةُ فِي أَرْسَى بِالتّخْفِيفِ وَهُوَ زِحَافٌ دَاخِلٌ عَلَى زِحَافٍ لِأَنّ تَسْكِينَ اللّامِ مِنْ مُفَاعَلَتَنْ فِي الْوَافِرِ زِحَافٌ وَلَكِنّهُ حَسَنٌ كَثِيرٌ فَلَمّا كَثُرَ شَبّهَهُ هَذَا الشّاعِرُ بِمَفَاعِيلَ لِأَنّهُ عَلَى وَزْنِهِ وَمَفَاعِيلُنْ يَحْسُنُ حَذْفُ الْيَاءِ مِنْهَا فِي الطّوِيلِ فَيَصِيرُ فَعُولُنْ مَفَاعِلُنْ فَلِذَلِكَ أَدْخَلَ هَذَا الشّاعِرُ الزّحَافَ عَلَى مُفَاعَلْتُنْ لِأَنّهُ بَعْدَ السّكُونِ فِي وَزْنِ مَفَاعِيلُنْ الّتِي تُحْذَفُ يَاؤُهَا حَذْفًا مُسْتَحْسَنًا، فَتَدَبّرْهُ فَإِنّهُ مَلِيحٌ فِي عِلْمِ الْعَرُوضِ مِنْ أَسْوَاقِ الْعَرَبِ: فَصْلٌ: وَأَنْشَدَ لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
[ ٤ / ١٢ ]
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا وَأَصْبَحْت رَخْوًا مَا تَخُبّ وَمَا تَعْدُو
فَلَوْ أَنّ أَشْيَاخًا بِبَدْرِ تَشَاهَدُوا لَبَلّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ
فَلَمّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسّانَ قَالَ يُرِيدُ حَسّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضُنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ بِئْسَ وَاَللهِ مَا ظن.
مُطَالبَة خَالِد بربا أَبِيه ومانزل فِي ذَلِك:
وَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ كَلّمَ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِبَا الْوَلِيدِ الّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ، لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ.
_________________
(١) غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ بِسُحْرَةِ ضَوْجُ الْوَادِي: جَانِبُهُ وَذُو الْمَجَازِ: سُوقٌ عِنْدَ عَرَفَةَ كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا حَجّتْ أَقَامَتْ بِسُوقِ عُكَاظٍ شَهْرَ شَوّالٍ ثُمّ تَنْتَقِلُ إلَى سُوقِ مِجَنّةَ فَتُقِيمُ فِيهِ عِشْرِينَ يَوْمًا مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ ثُمّ تَنْتَقِلُ إلَى سُوقِ ذِي الْمَجَازِ فَتُقِيمُ فِيهِ إلَى أَيّامِ الْحَجّ وَكَانُوا يَتَفَاخَرُونَ فِي سُوقِ عُكَاظٍ شَهْرَ شَوّالٍ إذَا اجْتَمَعُوا، وَيُقَالُ عَكَظَ الرّجُلُ صَاحِبَهُ إذَا فَاخَرَهُ وَغَلَبَهُ بِالْمُفَاخَرَةِ فَسُمّيَتْ عُكَاظٌ لِذَلِكَ. وَذَكَرَ: لَبَلّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ يَعْنِي: الدّمَ الْعَبِيطَ. مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الرّبَا: فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فِي الرّبَا الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَقَدْ قَدّمْنَا فِي حَدِيثِ
[ ٤ / ١٣ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرّبَا بِأَيْدِي النّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ خَالِدٍ الرّبَا: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْبَقَرَةَ ٢٧٨] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ فِيهَا
ثورة دوس للأخذ بثأر أبي أزيهر، وَحَدِيث أم غيلَان:
وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ حَتّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النّاسِ إلّا أَنّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفِهْرِيّ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمّ غَيْلَانَ مَوْلَاةٍ لِدَوْسِ وَكَانَتْ تَمْشُطُ النّسَاءَ وَتُجَهّزُ الْعَرَائِسَ
_________________
(١) بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ لَا تُنْفِقُوا فِيهَا رِبَا وَلَا مَهْرَ بَغِيّ وَأَنّ فِي ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى قِدَمِ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِمْ فِي شَرْحِ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَذَلِكَ أَنّهُ مِنْ أَقْبَحِ الْأَعْمَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ هَدْمِ جَانِبِ الْمُرُوءَةِ وَإِيثَارِ الْحِرْصِ مَعَ بُعْدِ الْأَمَلِ وَنِسْيَانِ بَغْتَةِ الْأَجَلِ وَتَرْكِ التّوْسِعَةِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ وَمَنْ تَأَمّلَ أَبْوَابَ الرّبَا لَاحَ لَهُ شَرّ التّحْرِيمِ مِنْ جِهَةِ الْجَشَعِ الْمَانِعِ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَالذّرِيعَةِ إلَى تَرْكِ الْقَرْضِ وَمَا فِيهِ وَفِي التّوْسِعَةِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَلِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الْبَقَرَةَ ٢٧٩] غَضَبًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ وَلِهَذِهِ النّكْتَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَمّ مَحَبّةَ مَوْلَاةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَبْلِغِي زَيْدًا تَعْنِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنْ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِينَ ذَكَرَتْ لَهَا عَنْهُ مَسْأَلَةً مِنْ الْبُيُوعِ تُشْبِهُ الرّبَا، فَقَالَتْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ وَلَمْ تَقُلْ صَلَاتَهُ وَلَا صِيَامَهُ لِأَنّ السّيّئَاتِ لَا تُحْبِطُ الْحَسَنَاتِ وَلَكِنْ خَصّتْ الْجِهَادَ بِالْإِبْطَالِ لِأَنّهُ حَرْبٌ لِأَعْدَاءِ اللهِ وَآكِلُ الرّبَا قَدْ أُذِنَ بِحَرْبِ مِنْ اللهِ فَهُوَ ضِدّهُ وَلَا يَجْتَمِعُ الضّدّانِ وَهَذَا مَعْنَى ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْمُدَوّنَةِ لَكِنّ إسْنَادَهَا إلَى عَائِشَةَ ضَعِيفٌ
[ ٤ / ١٤ ]
فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ فَقَامَتْ دُونَهُمْ أُمّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهُمْ حَتّى مَنَعَتْهُمْ فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ فِي ذَلِكَ:
جَزَى اللهُ عَنّا أُمّ غَيْلَانَ صَالِحًا وَنِسْوَتَهَا إذْ هُنّ شُعْثٌ عَوَاطِلُ
فَهُنّ دَفَعْنَ الْمَوْتَ بَعْدَ اقْتِرَابِهِ وَقَدْ بَرَزَتْ لِلثّائِرِينَ الْمَقَاتِلُ
دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فَسَالَتْ شِعَابُهَا بِعِزّ وَأَدّتْهَا الشّرَاجُ الْقَوَابِلُ
وَعَمْرًا جَزَاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى وَمَا بَرَدَتْ مِنْهُ لَدَيّ الْمَفَاصِلُ
فَجَرّدْت سَيْفِي ثُمّ قُمْت بِنَصْلِهِ وَعَنْ أَيّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقَاتِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ أَنّ الّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمّ جَمِيلٍ وَيُقَالُ أُمّ غَيْلَانَ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمّ غَيْلَانَ قَامَتْ مَعَ أُمّ جَمِيلٍ فِيمَنْ قَامَ دُونَهُ.
أم جميل وَعمر بْنُ الْخطاب:
فَلَمَّا قَامَ عمر بن الْخَطّابِ أَتَتْهُ أُمّ جَمِيلٍ وَهِيَ تَرَى أَنّهُ أَخُوهُ فَلَمّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصّةَ فَقَالَ إنّي لَسْت بِأَخِيهِ إلّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غَازٍ وَقَدْ عَرَفْت مِنّتَك عَلَيْهِ فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنّهَا ابْنَةُ سَبِيل.
ضرار وَعمر بن الْخطاب:
قَالَ الرّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرَارٌ لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِعَرْضِ الرّمْحِ وَيَقُولُ اُنْجُ يَا بْنَ الْخَطّابِ لَا أَقْتُلُك، فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ
وَفَاة أبي طَالب وَخَدِيجَة:
صَبر الرَّسُول على إِيذَاء الْمُشْركين:
قَالَ ابْن إِسْحَاق: وَكَانَ النَّفر الَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله ﷺ فِي بَيته: أَبَا لَهب، وَالْحكم بن الْعَاصِ بن أُميَّة، وَعقبَة بن أبي معيط وعدي بن حَمْرَاء الثَّقَفِيّ، وَابْن
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٥ ]
الأصداء الْهُذلِيّ، وَكَانُوا جيزانه لم يسلم مِنْهُم أحد إِلَّا الحكم بن أبي الْعَاصِ فَكَانَ أحدهم – فِيمَا ذكر لي – يطْرَح عَلَيْهِ ﷺ رحم الشَّاة وَهُوَ يصلى، وَكَانَ أحدهم يَطْرَحهَا فِي برمتِهِ إِذا نصبت لَهُ حَتَّى اتخذ رَسُول الله ﷺ حجرا يسْتَتر بِهِ مِنْهُم إِذا صلى. فَكَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا طرحوا عَلَيْهِ ذَلِك الْأَذَى، كَمَا حَدثنِي عمر بن عبد الله بن عُرْوَة بن الزبير عَن عُرْوَة بن الزبير يخرج بِهِ رَسُول الله ﷺ على العودة فيقف بِهِ على بَابه، ثمَّ يَقُول يابني عبد المناف، أَي جوَار هَذَا ثمَّ يلقيه فِي الطَّرِيق.
طمع الْمُشْركين فِي الرَّسُول بعد فاة أبي طَالب وَخَدِيجَة:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمّ إنّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بِهُلْكِ خَدِيجَةَ وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ يَشْكُو إلَيْهَا، وَبِهُلْكِ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فَلَمّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ حَتّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ، قَالَ:
لَمّا نَثَرَ ذَلِكَ السّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذَلِكَ التّرَابَ دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا: "لَا تَبْكِي يَا بُنَيّةُ فَإِنّ اللهَ مَانِعُ أَبَاك" قَالَ وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ "مَا نَالَتْ مِنّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ"
الْمُشْركُونَ عِنْد أبي طَالب لما ثقل بِهِ الْمَرَض، يطْلبُونَ عهدا بَينهم وَبَين الرَّسُول:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ وَبَلَغَ قُرَيْشًا ثِقَلُهُ قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضِ إنّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ وَلْيُعْطِهِ مِنّا، وَاَللهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزّونَا أَمْرَنَا.
_________________
(١) . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[ ٤ / ١٦ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، قَالَ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلّمُوهُ وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ إنّك مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْت، وَقَدْ حَضَرَك مَا تَرَى، وَتَخَوّفْنَا عَلَيْك، وَقَدْ عَلِمْت الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيك، فَادْعُهُ فَخُذْ لَهُ مِنّا، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ لِيَكُفّ عَنّا، وَنَكُفّ عَنْهُ وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا، وَنَدَعَهُ وَدِينَهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ فَجَاءَهُ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي: هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِك، قَدْ اجْتَمَعُوا لَك، لِيُعْطُوك، وَلِيَأْخُذُوا مِنْك. قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "نَعَمْ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ". قَالَ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ نَعَمْ وَأَبِيك، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ قَالَ: "تَقُولُونَ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ". قَالَ فَصَفّقُوا بِأَيْدِيهِمْ ثُمّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْإِلَهَةَ إلَهًا وَاحِدًا. إنّ أَمْرَك لَعَجَبٌ ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ إنّهُ وَاَللهِ مَا هَذَا الرّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمّا تُرِيدُونَ فَانْطَلِقُوا، وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ. قَالَ ثمَّ تفَرقُوا.
طمع الرَّسُول فِي إِسْلَام أبي طَالب، وَحَدِيث ذَلِك:
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَاَللهِ يَا ابْنَ أَخِي، مَا رَأَيْتُك سَأَلْتهمْ شَطَطًا ; فَلَمّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي إسْلَامِهِ فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ "أَيْ عَمّ فَأَنْتَ فَقُلْهَا، أَسَتَحِلّ لَك بِهَا الشّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ فَلَمّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السّبّةِ عَلَيْك، وَعَلَى بَنِي أَبِيك مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنّ قُرَيْشٌ أَنّي قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا، لَا أَقُولُهَا إلّا لِأَسُرّك بِهَا. قَالَ فَلَمّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ نَظَرَ الْعَبّاسُ إلَيْهِ يُحَرّكُ شَفَتَيْهِ قَالَ فَأَصْغَى إلَيْهِ
_________________
(١) وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ وَوَصِيّتُهُ: ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَفَاةَ أَبِي طَالِبٍ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ وَفِيهَا قَالَ الْعَبّاسُ وَاَللهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الّتِي أَمَرْته بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَمْ أَسْمَعْ".
[ ٤ / ١٧ ]
بِأُذُنِهِ قَالَ فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الّتِي أَمَرْته أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "لَمْ أَسْمَعْ".
_________________
(١) قَالَ الْمُؤَلّفُ شَهَادَةُ الْعَبّاسِ لِأَبِي طَالِبٍ لَوْ أَدّاهَا بَعْدَمَا أَسْلَمَ، لَكَانَتْ مَقْبُولَةً وَلَمْ يُرَدّ بِقَوْلِهِ لَمْ أَسْمَعْ لِأَنّ الشّاهِدَ الْعَدْلَ إذَا قَالَ سَمِعْت، وَقَالَ مَنْ هُوَ أَعْدَلُ مِنْهُ لَمْ أَسْمَعْ أُخِذَ بِقَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ السّمَاعَ لِأَنّ عَدَمَ السّمَاعِ يَحْتَمِلُ أَسْبَابًا مَنَعَتْ الشّاهِدَ مِنْ السّمْعِ وَلَكِنّ الْعَبّاسَ شَهِدَ بِذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ مَعَ أَنّ الصّحِيحَ مِنْ الْأَثَرِ قَدْ أَثْبَتَ لِأَبِي طَالِبٍ الْوَفَاةَ عَلَى الْكُفْرِ وَالشّرْكِ وَأَثْبَتَ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِ ﴿مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التّوْبَةَ ١١٣] وَثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَيْضًا أَنّ الْعَبّاسَ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إنّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ يَحُوطُك وَيَنْصُرُك، وَيَغْضَبُ لَك، فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قَالَ "نَعَمْ وَجَدْته فِي غَمَرَاتٍ مِنْ النّارِ فَأَخْرَجْته إلَى ضَحْضَاحٍ" وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ أَنّهُ - ﵇ - قَالَ "لَعَلّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ النّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ" وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: "كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ بِالْقُمْقُمِ" وَهِيَ مُشْكِلَةٌ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْقُمْقُمُ هُوَ الْبُسْرُ الْأَخْضَرُ يُطْبَخُ فِي الْمِرْجَلِ اسْتِعْجَالًا لِنُضْجِهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَهْلُ الْحَاجَةِ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ زِيَادَةٌ وَهِيَ أَنّهُ قَالَ: "يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ حَتّى يَسِيلَ عَلَى قَدَمَيْهِ" وَمِنْ بَابِ النّظَرِ فِي حِكْمَةِ اللهِ وَمُشَاكَلَةِ الْجَزَاءِ لِلْعَمَلِ أَنّ أَبَا طَالِبٍ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ بِجُمْلَتِهِ مُتَحَزّيًا لَهُ إلّا أَنّهُ مُثَبّتٌ لِقَدَمَيْهِ عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، حَتّى قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَنَا عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَسُلّطَ الْعَذَابُ عَلَى قَدَمَيْهِ خَاصّةً لِتَثْبِيتِهِ إيّاهُمَا عَلَى مِلّةِ آبَائِهِ ثَبّتَنَا اللهُ عَلَى الصّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ. وَذَكَرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
[ ٤ / ١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) [التّوْبَةَ ١١٣] وَقَدْ اسْتَغْفَرَ ﵇ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ "اللهُمّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" وَذَلِكَ حِينَ جَرَحَ الْمُشْرِكُونَ وَجْهَهُ وَقَتَلُوا عَمّهُ. وَكَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي عَمّهِ نَاسِخَةً لِاسْتِغْفَارِهِ يَوْمَ أُحُدٍ، لِأَنّ وَفَاةَ عَمّهِ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكّةَ وَلَا يَنْسَخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُتَأَخّرَ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا السّؤَالِ بِأَجْوِبَةِ أَنْ قِيلَ اسْتِغْفَارُهُ لِقَوْمِهِ مَشْرُوطٌ بِتَوْبَتِهِمْ مِنْ الشّرْكِ كَأَنّهُ أَرَادَ الدّعَاءَ لَهُمْ بِالتّوْبَةِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُمْ وَيُقَوّي هَذَا الْقَوْلَ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى: "اللهُمّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" وَقَدْ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ، رَوَاهَا عَنْهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْكِتَابِ بِهَذَا اللّفْظِ وَقِيلَ مَغْفِرَةً تَصْرِفُ عَنْهُمْ عُقُوبَةَ الدّنْيَا فِي الْمَسْخِ وَالْخَسْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تَأَخّرَ نُزُولُهَا، فَنَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ نَاسِخَةً لِلِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ فَيَكُونُ سَبَبُ نُزُولِهَا مُتَقَدّمًا، وَنُزُولُهَا مُتَأَخّرًا لَا سِيّمَا، وَهِيَ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ وَبَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ فَتَكُونُ عَلَى هَذَا نَاسِخَةً للاستغفارين جَمِيعًا، وَفِي الصّحِيحِ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ عِنْدَ مَوْتِهِ وَعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ، فَقَالَ: "يَا عَمّ قُلْ لَا إلَهَ إلّا اللهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَك بِهَا عِنْدَ اللهِ" فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ وَابْنُ أَبِي أُمَيّةَ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ، فَقَالَ أَنَا عَلَى مِلّةِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ مَاتَ عَلَى الشّرْكِ وَوَجَدْت فِي بَعْضِ كُتُبِ الْمَسْعُودِيّ اخْتِلَافًا فِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ، وَأَنّهُ قَدْ قَالَ فِيهِ مَاتَ مُسْلِمًا لِمَا رَأَى مِنْ الدّلَائِلِ عَلَى نُبُوّةِ مُحَمّدٍ - ﷺ - وَعَلِمَ أَنّهُ لَا يُبْعَثُ إلّا بِالتّوْحِيدِ فَاَللهُ أَعْلَمُ غَيْرَ أَنّ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ، وَفِي كِتَابِ النّسَوِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِفَاطِمَةَ وَقَدْ عَزّتْ قَوْمًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْ مَيّتِهِمْ "لَعَلّك بَلَغْت مَعَهُمْ الْكُدَى"، وَيُرْوَى الْكُرَى بِالرّاءِ يَعْنِي: الْقُبُورَ فَقَالَتْ لَا، فَقَالَ "لَوْ كُنْت مَعَهُمْ الْكُدَى أَوْ كَمَا قَالَ مَا رَأَيْت الْجَنّةَ،
[ ٤ / ١٩ ]
مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرّسُولِ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ:
قَالَ وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي الرّهْطِ الّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ وَرَدّوا عَلَيْهِ مَا رَدّوا: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذّكْرِ بَلِ الّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزّةٍ وَشِقَاقٍ﴾
_________________
(١) حَتّى يَرَاهَا جَدّ أَبِيك" وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ حَتّى يَدْخُلَهَا جَدّ أَبِيك، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَا دَخَلْت الْجَنّةَ وَفِي قَوْلِهِ جَدّ أَبِيك، وَلَمْ يَقُلْ جَدّك يَعْنِي: أَبَاهُ تَوْطِئَةً لِلْحَدِيثِ الضّعِيفِ الّذِي قَدّمْنَا ذِكْرَهُ أَنّ اللهَ أَحْيَا أُمّهُ وَأَبَاهُ وَآمَنَا بِهِ فَاَللهُ أَعْلَمُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ تَخْوِيفَهَا بِقَوْلِهِ "حَتّى يَدْخُلَهَا جَدّ أَبِيك" فَتَتَوَهّمُ أَنّهُ الْجَدّ الْكَافِرُ وَمِنْ جُدُودِهِ ﵇ إسْمَاعِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ لِأَنّ قَوْلَهُ ﵇ حَقّ، وَبُلُوغُهَا مَعَهُمْ الْكُدَى لَا يُوجِبُ خُلُودًا فِي النّارِ فَهَذَا مِنْ لَطِيفِ الْكِنَايَةِ فَافْهَمْهُ وَحُكِيَ عَنْ هِشَامِ بْنِ السّائِبِ أَوْ ابْنِهِ أَنّهُ قَالَ لَمّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَمَعَ إلَيْهِ وُجُوهَ قُرَيْشٍ، فَأَوْصَاهُمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَنْتُمْ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ وَقَلْبُ الْعَرَبِ، فِيكُمْ السّيّدُ الْمُطَاعُ وَفِيكُمْ الْمُقَدّمُ الشّجَاعُ وَالْوَاسِعُ الْبَاعِ وَاعْلَمُوا أَنّكُمْ لَمْ تَتْرُكُوا لِلْعَرَبِ فِي الْمَآثِرِ نَصِيبًا إلّا أَحْرَزْتُمُوهُ وَلَا شَرَفًا إلّا أَدْرَكْتُمُوهُ فَلَكُمْ بِذَلِكُمْ عَلَى النّاسِ الْفَضِيلَةُ وَلَهُمْ بِهِ إلَيْكُمْ الْوَسِيلَةُ وَالنّاسُ لَكُمْ حِزْبٌ وَعَلَى حَرْبِكُمْ أَلْبٌ وَإِنّي أُوصِيكُمْ بِتَعْظِيمِ هَذِهِ الْبَنِيّةِ فَإِنّ فِيهَا مَرْضَاةً لِلرّبّ وَقِوَامًا لِلْمَعَاشِ وَثَبَاتًا لِلْوَطْأَةِ صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَا تَقْطَعُوهَا، فَإِنّ فِي صِلَةِ الرّحِمِ مَنْسَأَةً فِي الْأَجَلِ وَسَعَةً فِي الْعَدَدِ وَاتْرُكُوا الْبَغْيَ وَالْعُقُوقَ فَفِيهِمَا هَلَكَةُ الْقُرُونِ قَبْلَكُمْ أَجِيبُوا الدّاعِيَ وَأَعْطُوا السّائِلَ فَإِنّ فِيهِمَا شَرَفَ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ عَلَيْكُمْ بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَإِنّ فِيهِمَا مَحَبّةً فِي الْخَاصّ وَمَكْرُمَةً فِي الْعَامّ وَإِنّي أُوصِيكُمْ بِمُحَمّدِ خَيْرًا، فَإِنّهُ الْأَمِينُ فِي قُرَيْشٍ، وَالصّدّيقُ فِي الْعَرَبِ، وَهُوَ الْجَامِعُ لِكُلّ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ وَقَدْ جَاءَ بِأَمْرِ قَبِلَهُ الْجَنَانُ وَأَنْكَرَهُ اللّسَانُ مَخَافَةَ الشّنَآنِ وَأَيْمُ اللهِ كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى
[ ٤ / ٢٠ ]
إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلّةِ الْآخِرَةِ﴾
_________________
(١) صَعَالِيكِ الْعَرَبِ، وَأَهْلِ الْبِرّ فِي الْأَطْرَافِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ النّاسِ قَدْ أَجَابُوا دَعْوَتَهُ وَصَدّقُوا كَلِمَتَهُ وَعَظّمُوا أَمْرَهُ فَخَاضَ بِهِمْ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ فَصَارَتْ رُؤَسَاءُ قُرَيْشٍ وَصَنَادِيدُهَا أَذْنَابًا وَدُورُهَا خَرَابًا، وَضُعَفَاؤُهَا أَرْبَابًا، وَإِذَا أَعْظَمُهُمْ عَلَيْهِ أَحْوَجُهُمْ إلَيْهِ وَأَبْعَدُهُمْ مِنْهُ أَحْظَاهُمْ عِنْدَهُ قَدْ مَحَضَتْهُ الْعَرَبُ وِدَادَهَا، وَأَصْفَتْ لَهُ فُؤَادَهَا، وَأَعْطَتْهُ قِيَادَهَا، دُونَكُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ابْنَ أَبِيكُمْ كُونُوا لَهُ وُلَاةً وَلِحِزْبِهِ حُمَاةً وَاَللهِ لَا يَسْلُكُ أَحَدٌ مِنْكُمْ سَبِيلَهُ إلّا رَشَدَ وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ بِهَدْيِهِ إلّا سَعِدَ وَلَوْ كَانَ لِنَفْسِي مُدّةٌ وَلِأَجَلِي تَأْخِيرٌ لَكَفَفْت عَنْهُ الْهَزَاهِزَ وَلَدَافَعْت عَنْهُ الدّوَاهِيَ ثُمّ هَلَكَ. تَفْسِيرُ الْمَشْيِ فِي سُورَةِ ص فَصْلٌ: وَذَكَرَ مَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِمْ ﴿أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ [ص:٦] وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ أَنّ قَوْلَهُمْ امْشُوا مِنْ الْمَشَاءِ لَا مِنْ الْمَشْيِ وَالْمَشَاءُ نَمَاءُ الْمَالِ وَزِيَادَتُهُ يُقَالُ مَشَى الرّجُلُ وَأَمْشَى: إذَا نَمَا مَالُهُ قَالَ الشّاعِرُ: وَكُلّ فَتَى وَإِنْ أَمْشَى وَأَثْرَى سَتَخْلِجُهُ عَنْ الدّنْيَا مَنُونُ وَقَالَ الرّاجِزُ وَالشّاةُ لَا تَمْشِي عَلَى الْهَمَلّعِ
[ ٤ / ٢١ ]
يَعْنُونَ النّصَارَى، لِقَوْلِهِمْ: ﴿إِنّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [الْمَائِدَة:٧٣] – ﴿إِنْ هَذَا إِلّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٧] ثُمّ هَلَكَ أَبُو طَالب
_________________
(١) أَيْ لَا تَكْثُرُ وَالْهَمَلّعُ الذّئْبُ وَقَالَهُ الْخَطّابِيّ فِي مَعْنَى الْآيَةِ كَأَنّهُمْ أَرَادُوا أَنّ الْمَشَاءَ وَالْبَرَكَةَ فِي صَبْرِهِمْ عَلَى آلِهَتِهِمْ وَحَمْلِهَا عَلَى الْمَشْيِ أَظْهَرُ فِي اللّغَةِ وَاَللهُ أَعْلَمُ. تَتَابُعُ الْمَصَائِبِ بِمَوْت خَدِيجَة ﵂: وَذَكَرَ تَتَابُعَ الْمَصَائِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَوْتِ خَدِيجَةَ ثُمّ بِمَوْتِ عَمّهِ وَذَكَرَ الزّبَيْرُ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَهِيَ فِي الْمَوْتِ فَقَالَ "تَكْرَهِينَ مَا أَرَى مِنْك يَا خَدِيجَةُ وَقَدْ يَجْعَلُ اللهُ فِي الْكُرْهِ خَيْرًا شَعَرْت أَنّ اللهَ قَدْ أَعْلَمَنِي أَنّهُ سَيُزَوّجُنِي مَعَك فِي الْجَنّةِ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ وَكُلْثُومَ أُخْتَ مُوسَى، وَآسِيَةَ امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ، فَقَالَتْ اللهُ أَعْلَمَك بِهَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ نَعَمْ فَقَالَتْ بِالرّفَاءِ وَالْبَنِينَ" وَذُكِرَ أَيْضًا فِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ: "أَطْعَمَ خَدِيجَةَ مِنْ عِنَبِ الْجَنّةِ"؟
[ ٤ / ٢٢ ]