بعث محمد بن مسلمة وأصحابه لقتل كعب بن الأشرف
"من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله"
رسول الله ﷺ
ابن حجر، فتح (٦/١٥٨)
[ ١٣٩ ]
يقع حصن كعب بن الأشرف جنوب المدينة، وهو الآن جنوب شرق مسجد قباء على يمين الذاهب إلى سد بطحان ويبعد عنه حوالي ٢/١كم، وهو مبنى مربع الشكل تقريبا، ومبني من حجارة الجرانيت وهي حجارة حرة المدينة القريبة من الحصن، ويتكون الحصن من عشر غرف تقريبا متقابلة وفي أركانه أبنية ضخمة ربما كانت أبراجا للحصن،كما يقع في ركنه الشرقي بئر يدويه، ربما كانت البئر التي كان يشرب منها أهل الحصن، ويوجد للحصن باب من الناحية الغربية ربما كان بابه الرئيسي، كما يوجد بجانب أحد الغرف آثار سلم هذا وقد تحطمت وتهدمت معظم جدران الحصن وخاصة من الناحية الشرقية أما آثاره الباقية فهي كما ترى في اللقطات المصورة.
[ ١٤٠ ]
كعب بن الأشرف النضري من زعماء يهود المدينة، وأحد كبار أحبارهم١ أضمر الحقد والحسد للنبي ﷺ منذ اللحظة التي وصلته فيها أخبار بعثته للناس هاديا ومبشرًا ونذيرًا٢.
وعند وصول النبي ﷺ إلى المدينة وعقده الحلف الدستوري مع اليهود كان كعب بن الأشرف أحد المشاركين في هذا الحلف مع قبيلته بني النضير، فأصبح بذلك فردا من أفراد الدولة الناشئة في المدينة له حقوق وعليه واجبات بموجب الدستور الموقع من قبل الأطراف المعنية٣، إلا أن ذلك لم يردعه عن أذية رسول الله ﷺ حيث "كان يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش"٤.
ويستمر كعب متماديا في غيه، فيذكر ابن إسحاق عن جمع من شيوخه٥ أنه استنكر مندهشًا النتيجة التي آلت إليها غزوة بدر، وأنه لما تيقن من صدق الخبر "ركب إلى قريش فاستغواهم على رسول الله ﷺ"٦
_________________
(١) ١ يذكر موسى بن عقبة أنه كان أحد بني النضير وقيمهم. البيهقي، دلائل (٣/١٩٠)، ويذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان عربيًّا من بني نبهان من طيء، وكان أبوه أصاب دما في الجاهلية، ثم أتى المدينة فحالف بني النضير فشرف فيهم، وتزوج عقيلة بنت أبي الحقيق، فولدت له كعبا، وكان طويلا جسيما ذا بطن وهامة، شاعرا، ساد يهود الحجاز بكثرة ماله. انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٧)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١)، والزرقاني، شرح (٢/٨) . ٢ يذكر الزرقاني عن بعض المصادر أن كعبا هدد بقطع صلته المعتادة لأحبار يهود بني قريظة وقينقاع عندما أقروا بنبوة رسول الله ﷺ، وأنه ما زال بهم حتى تراجعوا عن قرارهم ذلك. الزرقاني، شرح (٢/٨)، وروى الطبري عن الزهري وقتادة أنه نزل فيه قوله تعالى ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية [البقرة: ١٠٩]، تفسير الطبري (١/٤٨٧) . ٣ أخرج البيهقي، وابن تيمية عن ابن أبي أويس – وهو صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه. التقريب (١٠٨) بسند فيه إبراهيم بن جعفر – لم أعثر على ترجمته - عن جابر بن عبد الله ﵄: أن كعب بن الأشرف عاهد رسول الله ﷺ أن لا يعين عليه ولا يقاتله. البيهقي، دلائل (٣/١٩٤)، وابن تيمية، الصارم المسلول (٧١) . وانظر في حلف رسول الله ﷺ مع اليهود، محمد حميد الله، مجموعة الوثائق السياسية (٣٩-٤٠) والدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني في عهد النبوة خصائصه وتنظيماته الأولى (١٢١-١٢٢) . ٤ رواه أبوداود، السنن (٨/٢٢٨)، وانظر الألباني، صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١) . ٥ ابن إسحاق، سيرة (٢٩٧)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١)، وشيوخ ابن إسحاق فيهم الثقات والضعفاء وقد جمع كلامهم دون تمييز، وذكر ذلك الواقدي، مغازي (١/١٨٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٣٢) . ٦ من مراسيل عروة. انظر ابن سيد الناس، عيون (١/٣٥٧) والزرقاني، شرح (٢/٩-١٠) اللذان أخرجاه من طريق ابن عائذ، ومغازي ابن عائذ مفقودة.
[ ١٤١ ]
كما أنه لفرط عداوته لرسول الله ﷺ، وما جاء به من الحق المصدق لما معه من الكتاب، نسي المبادىء والتعاليم التوراتية التي يدَّعي أنه يؤمن بها ويدافع عنها، نسي ذلك أو أنه تناساه عمدا، فشهد لحماة الوثنية قريش بأن وثنيتهم وشركهم خير من التوحيد الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وقد وضح القرآن الكريم ذلك التناقض بقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ ٢.
ولم يكتف كعب بكل ذلك، بل إنه حالف قريشا على قتال رسول الله ﷺ ثم قدم المدينة معلنًا لمعادة النبي ﷺ وهجاء المسلمين٣ فأصبح بذلك عدوًّا مستأمنًا بعهد لم يرع ذمامه، ومواطنَ دولة خان دستورها، فكان لزاما أن يُعاقب بجريمته، ويلقى جزاء خيانته، وحتى لا يثير قومه فيتحزبوا معه إذا طالبهم بتسليمه أو على الأقل يدبروا أمر هروبه بعيدا فلا تطوله يد العدالة خاصة وهو من كبار زعمائهم، لذلك رأى رسول الله ﷺ أن خير وسيلة يتم بها التخلص منه هي بقتله سرًّا دون علم قومه، فندب الصحابة لذلك قائلا: "من لكعب بن الأشرف؟ فإنه قد آذى الله ورسوله" ٤ ويتطوع لهذه المهمة الصعبة
_________________
(١) ١ وقع ذلك في عدة روايات، البعض منها مرسل والآخر متصل ضعيف، ولكنها تتضافر فيما بينها لإكسابها القوة لاختلاف طرقها. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٧٢)، والطبري، تفسير (٤/٢٠١/، ٥/١٣٤-١٣٥)، والبيهقي، دلائل (٣/١٩٠-١٩٣-١٩٤)، والواحدي، أسباب (١٨٧-١٨٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٣٥٧)، وابن كثير، تفسير (٧/٥١١)، والزرقاني، شرح (٢/٩-١٠)، وباقشيش، مرويات (١/٢٩٦) . ٢ النساء: (٥١) . ٣ المصادر السابقة، وذكر ابن حجر في الإصابة: أن السراج أخرج في تاريخه قصة كعب وفيها أنه كان يحرض القبائل الغطفانية ضد رسول الله ﷺ. إصابة، ترجمة أبي نائلة (٤/١٩٥) . ٤ ابن حجر، فتح (٦/١٥٨-١٥٩-١٦٠، ٧/٢٢٦)، ومسلم (١٢/١٦١)، ووقع في رواية أبي داود عن الزهري أن النبي ﷺ أمر سعد بن معاذ ﵁ أن يبعث رهطا فيقتلوه فبعث إليه سعد بن معاذ محمد بن مسلمة وأصحابه. قلت: حلَّت رواية عروة هذا التعارض، ففيها أن رسول الله ﷺ قال لمحمد بن مسلمة: إن كنت فاعلا فلا تعجل حتى تشاور سعد بن معاذ، فقال: فشاوره. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . قال الزرقاني: وجمع شيخنا بين هذا الروايات بأنه سأل خصوص سعد مرة ثم قال: من لنا بابن الأشرف مرة ثانية، شرح (٢/٩-١٠) .
[ ١٤٢ ]
مغوار أنصاري من بني عبد الأشهل يذكر بعض أهل السير أنه كان أخًا لكعب من الرضاعة١ إنه محمد بن مسلمة رضي الله عنه٢ الذي قام فقال: "يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ " قال: "نعم"، قال: "فأْذن لي أن أقول شيئا٣.
ويذكره عروة: أن محمد بن مسلمة تشاور مع سعد بن معاذ ﵁ بناء على أمر رسول الله ﷺ، فاتفق معه على خطة استدراجية يطمئن بها كعب إليه فلا يشك بنواياه تجاهه، فقال له سعد: "توجه إليه واشك إليه الحاجة، وسله أن يسلفكم طعاما"٤.
فأتاه محمد بن مسلمة، فقال: "إن هذا الرجل قد أراد صدقة، وقد عنَّانا، فلما سمعه قال: وأيضا والله لتملَّنه، قال: إنا قد اتبعناه الآن ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره، قال: وقد أردت أن تسلفني سلفا، قال: فما ترْهُنني، قال: ما تريد؟، قال: تَرْهُنني نساءكم، قال: أنت أجمل
_________________
(١) ١ قال النووي والزرقاني: ذكر أهل السير: أن أبا نائلة كان رضيعا لابن مسلمة، فتحصل أن أبا نائلة رضيع لمحمد وكعب. مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٢) ويذكر ابن حجر رأيا آخر فيقول: إن أبا نائلة أخوه من الرضاعة، ومحمد بن مسلمة ابن أخته، وذلك كما في مرسل عكرمة: "فقال: محمد بن مسلمة هو خالي" ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . ٢ هو محمد بن مسلمة بن سلمة بن خالد الأنصاري الأوسي الحارثي أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي، وهو ممن سُمي في الجاهلية محمدا، أسلم قديما على يدي مصعب بن عمير قبل سعد بن معاذ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي عبيدة، وشهد المشاهد: بدر وما بعدها، إلا غزوة تبوك، تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم بالمدينة. كان من فضلاء الصحابة، وكان ممن اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل أو الصفين. وقال ابن الكلبي: ولاه عمر على صدقات جهينة، وقال غيره: كان عند عمر مُعدًّا لكشف الأمور المعضلة في البلاد. قال ابن شاهين: سكن المدينة ثم سكن الربذة يعني بعد قتل عثمان. قال الواقدي: مات بالمدينة في صفر سنة ست وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأرخه المدائني سنة ثلاث وأربعين، وقال ابن أبي داود: قتله أهل الشام، وكذا قال يعقوب بن سفيان في تاريخه. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٤٤٣-٤٤٤-٤٤٥)، وابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (٣/٣٣٤-٣٣٥)، وابن حجر، إصابة (٣/٣٨٣-٣٨٤) . ٣ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥) . ٤ انظر ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) .
[ ١٤٣ ]
العرب، أنرهنك نساءنا، قال له: ترهونني أولادكم قال: يُسب ابن أحدنا، فيقال: رهن في وسقين من تمر، ولكن نرهنك اللأمة (يعني السلاح)، قال: نعم"١.
وواعده أن يأتيه ومعه أبو نائلة –وهو أخو كعب من الرضاعة-٢ وذلك زيادة لاطمئنانه، وثلاثة نفر من الأوس كانوا هم قوة السرية التي توجهت لقتله. وقد اختلفت المصادر في تسميتهم، وعددهم٣.
_________________
(١) ١ من رواية مسلم. مسلم بشرح النووي (١٢/١٦١-١٦٢) وعند أهل المغازي أن الذي جاءه هو أبو نائلة أخوه من الرضاعة. انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٨)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٥)، والواقدي، مغازي (١/١٨٧)، وابن سعد، طبقات (٢/٣٢) . قال الشامي: وجلّ أهل المغازي على أنه أبو نائلة، ورجح ذلك الدمياطي. الصالحي، سبل (٦/٤٨)، وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون كلا منهما كلّمه في ذلك. وفي مرسل عكرمة: في الكل بصيغة الجمع؛ قالوا". ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨) . ٢ اسمه سلكان بن سلامة بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي الأشهلي أخو سلمة بن سلامة بن وقش، وقيل: اسمه سعد، وسلكان لقب وهو مشهور بكنيته، شهد أحدا وغيرها، وكان شاعرا ومن الرماة المذكورين. ابن عبد البر، استيعاب هامش الإصابة (٤/١٩٦)، وابن حجر، إصابة (٤/١٩٥) . قلت: اسمه واسم آبائه ورضاعه مع كعب يعطي إشارة ولو غير مباشرة إلى الاندماج الشديد الذي كان بين الأوس وحلفائهم من اليهود. ٣ اختلفت المصادر في قوة السرية، فغالبية أهل المغازي، ومسلم، والبخاري عن غير عمرو بن دينار ذكروا أنهم كانوا خمسة مغاوير أَوْسِيُّون هم محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشر، والحارث بن أوس بن معاذ، وأبو عبس بن جبير. انظر البخاري، الصحيح (٥/٢٦)، ومسلم بشرح النووي (١٢/١٦٢)، عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٣)، وابن إسحاق، سيرة (٢٩٨)، والواقدي، مغازي (١/١٨٧)، وابن سعد، طبقات (٢/١٩٧-١٩٨) . ويذكر ابن حجر في روايات يشير إليها في الفتح أن عددهم كان ثلاثة فقط، ثم إنه رجح روايات أهل المغازي، وبعد ذلك يحاول الجمع فيقول ويمكن الجمع بأنهم كانوا مرة ثلاثة، وفي الأخرى خمسة. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٨-٣٣٩) . أما الطبراني فيروي لنا روايتين الأولى موصولة عن عبادة بن الصامت ﵁: يذكر فيها أنهم كانوا ثلاثة. الهيثمي، مجمع (٦/١٩٦)، وقال عنها: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة، وبقية رجاله ثقات، والثانية مرسلة عن عروة وفيها أن سعد بن معاذ بعث الحرث بن أوس مع محمد بن مسلمة. الهيثمي، مجمع (٦/١٩٦)، وقال عنها: رواه الطبراني وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن. هذا بالنسبة لعددهم. أما أسماؤهم وصلتهم بكعب فإضافة إلى ما ذكرناه سابقا حول هذا الموضوع يضيف البلاذري معلومة أخرى فيذكر أن عباد بن بشر أخا لكعب من الرضاعة أيضا مستدلا بقصيدته التي يقول فيها: قعدت له فقال: من المنادي؟ فقلت: أخوك عباد بن بشر=
[ ١٤٤ ]
وفي ليلة مقمرة –حددها ابن سعد بأربع عشرة ليلة مضت من ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرا من الهجرة١ في حين ذهب جمهور العلماء أن ذلك كان بعد غزوة بدر، وقبل غزوة بني النضير دونما تحديد٢- شيَّع رسول الله ﷺ أصحاب السرية إلى بقيع الغرقد، كما يروي ابن إسحاق بسند حسن، ثم وجههم وقال: "انطلقوا على اسم الله، اللهم أعنهم"، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى بيته٣.
وأقبلوا حتى أتوا حصن كعب بن الأشرف الذي يذكر أهل المغازي أنه حديث عهد بعرس، وأنهم حينما هتفوا به وثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها، وقالت: إنك امرؤ محارب٤. وإن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة٥، "قال: إنما هو أخي محمد بن مسلمة، ورضيعي أبو نائلة، إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب"٦.
وكان محمد بن مسلمة قد اتفق مع أصحابه على كيفية قتله، "فقال: إذا ما جاء فإني قائل٧ بشعره فأشمه، ثم أشمكم، فإذا رأيتموني استمكنت
_________________
(١) =البلاذري، أنساب (٣٧٤) . أما موسى بن عقبة فيذكر أن كعبا هو المكنى بأبي نائلة وليس سلكان الذي ذكر أن كنيته أبو ليلى. البيهقي، دلائل (٣/١٩٢) . ١ ابن سعد، طبقات (٢/٣١) . ٢ ذكر ذلك الدكتور أكرم العمري، المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (١٤١) . ٣ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٨-٢٩٩)، وحسنَّ ابن حجر إسناده. ابن حجر فتح (٧/٣٣٨)، وأخرجه عن ابن إسحاق الإمام أحمد، الفتح الرباني (٢١/٤٩)، والبزار. الهيثمي، كشف الأستار عن زوائد البزار (٢/١٣٠-١٣١)، والطبراني، معجم (١١/٢٢١) وقال الهيثمي: وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد (٦/١٩٦) . قلت: ولكن ابن إسحاق صرَّح بالتحديث فانتفت شبهة التدليس، كما أخرج الحديث عن ابن إسحاق بن راهويه. انظر السيوطي، الخصائص الكبرى (١/٥٢٧) . ٤ هذا اعتراف ضمني من امرأة كعب بأنه عدو محارب للمسلمين، ولكن كيف نُقل عنها ما قالت فلعلها حدثت به نفسها، أو لعله نُقل ما حدثت به للصحابة الذين قتلوه. ٥ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٩٩)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٦)، والواقدي، مغازي (١/١٨٩)، وابن سعد طبقات (٢/٣٢)، وابن عبد البر، درر (١٥٢) . ٦ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٦) . ٧ من باب إطلاق القول على الفعل. ابن حجر، فتح (٧/٣٣٩) .
[ ١٤٥ ]
من رأسه فدونكم اضربوه، فنزل إليهم متوشحا وهو ينفخ منه ريح الطيب، فقال: ما رأيت كاليوم ريحًا -أي أطيب-"١.
فقال كعب مفتخرًا:"نعم تحتي فلانة هي أعطر نساء العرب"٢ فقال محمد بن مسلمة: "أتأذن لي أن أشم رأسك؟، فشمه، ثم أشم أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟، قال: نعم، فلما استمكن منه، قال: دونكم، فقتلوه، ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه"٣٤.
"فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا إلى النبي ﷺ، فقالوا: طُرق صاحبنا فقُتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه. فكتب النبي ﷺ بينه وبين المسلمين عامة صحيفة"٥
_________________
(١) ١ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح (٧/٣٣٧) . ٢ من رواية مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٣) . ٣ من رواية البخاري، الصحيح (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح (٧/٣٣٧) . ٤ الحديث صحيح بمجموع طرقه، فقد رواه البخاري في مواضع متفرقة من صحيحه. انظر البخاري الصحيح، كتاب المغازي (٥/٢٥-٢٦)، وابن حجر، فتح، كتاب الجهاد (٦/١٥٩-١٦٠)، كما رواه مسلم بشرح النووي (١٢/١٦٠-١٦١-١٦٢-١٦٣)، وأبو داود، سنن (٣/٢١١-٢١٢)، ونسبه المنذري النسائي. قلت: أخرجه النسائي في كتابه السنن الكبرى، كتاب السير (٢/٥) . وروى الزهري الحديث مرسلا عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك. انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٣-٢٠٤)، وشمس الحق آبادي، عون المعبود (٨/٢٢٨-٢٢٩-٢٣٠)، وذكر في الشرح أنه ربما يكون الحديث مسندا إلى كعب. وإلى ذلك ذهب الألباني فأورده في صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١-٥٨٢)، وقال عنه: صحيح الإسناد. وانظر البيهقي، دلائل (٣/١٩٦-١٩٧-١٩٨)، وابن كثير، تفسير (١/٥١١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٩٦-٢٩٧-٢٩٨)، وروى ابن إسحاق طرفا من الحديث بإسناد حسن، والباقي رواه مرسلا منقطعا. ابن إسحاق، سيرة (١/٢٩٧-٢٩٨-٢٩٩-٣٠٠)، وابن هشام، سيرة (٣/٥١-٥٢-٥٣-٥٤-٥٥-٥٦-٥٧-٥٨)، كما رواه بقية أهل المغازي. انظر الواقدي، مغازي (١/١٨٤-١٨٥-١٨٦-١٨٧-١٨٨-١٩٠-١٩١-١٩٢)، وابن سعد، طبقات (٢/٣١-٣٢-٣٣-٣٤)، والبلاذري، أنساب (٣٧٤)، وابن حزم، جوامع (١٥٤-١٥٥)، وابن عبد البر، درر (١٥٠-١٥١-١٥٢)، والعامري، بهجة (١/١٩١-١٩٢)، والمقريزي، إمتاع (٦/١٠٨-١٠٩-١١٠) ن والحلبي، سيرة (٣/١٤٦-١٤٧-١٤٨-١٤٩-١٥٠)، والشامي، سبل (٦/٤٠-٤١-٤٢-٤٣-٤٤-٤٥-٤٦) . ٥ انظر عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٤)، والألباني، صحيح سنن أبي داود (٢/٥٨١) واللفظ له، والبيهقي، دلائل (٣/١٩٨) . وعنده"فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة". وذلك أتم.
[ ١٤٦ ]
"وقد يبدو مقتل ابن الأشرف متسمًا بالغدر، ولكن صاحب النظر الفاحص، والبصيرة النافذة يدرك أن ابن الأشرف معاهد بموجب الصحيفة التي التزم فيها يهود بني النضير مع الآخرين، وأنه بهجائه للنبي ﷺ، وهو رئيس الدولة بالنسبة لابن الأشرف، وبإظهاره التعاطف مع أعداء المسلمين ورثاء قتلاهم، وتحريضهم على المسلمين يكون قد نقض العهد وصار محاربا مهدور الدم، وأما استدراجه ممن يثق بهم وقتله بالخديعة، فإنه جائز مع المحارب، وقد تم بأمر رسول الله ﷺ"١.
هذا وقد ذكر ابن القيم أن قتل ساب النبي ﷺ جائز بإجماع الخلفاء الراشدين ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فإن الصديق ﵁ قال لأبي برزة وقد هم بقتل من سبه: لم يكن هذا لأحد غير رسول الله ﷺ. ومر عمر ﵁ براهب، فقيل له: هذا يسب رسول الله ﷺ، فقال: لو سمعته لقتلته، إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا ﷺ.
فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يقتل عبد الله بن أُبي وقد قال: لئن رجعنا إلى المدينة ليُخرجن الأعز منها الأذل، ولم يقتل ذا الخويصرة التميمي وقد قال له: اعدل، فإنك لم تعدل، ولم يقتل من قال له: يقولون: إنك تنهى عن الغي وتستخلي به، ولم يقتل القائل له: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، ولم يقتل من قال له لما حكم للزبير بتقديمه في السقي: إن كان ابن عمتك، وغير هؤلاء، قيل: الحق كان له فله أن يستوفيه، وله أن يسقطه، وليس لمن بعده أن يسقط حقه، كما أن الرب تعالى له أن يستوفي حقه، وله أن يسقط، وليس لأحد أن يسقط حقه تعالى بعد وجوبه، كيف وقد كان في ترك قتل من ذكرتم وغيرهم مصالح عظيمة في حياته زالت بعد موته من تأليف الناس، وعدم تنفيرهم عنه، فإنه لو بلغهم أنه يقتل أصحابه، لنفروا، وقد أشار إلى هذا
_________________
(١) ١ الدكتور أكرم ضياء العمري: المجتمع المدني، خصائصه وتنظيماته الأولى (١٤٢-١٤٣) .
[ ١٤٧ ]
بعينه، وقال لعمر لما أشار عليه بقتل عبد الله بن أبي: "لا يبلغ الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
ولا ريب أن مصلحة هذا التأليف، وجمع القلوب عليه كانت أعظم عنده وأحب إليه من المصلحة الحاصلة بقتل من سبه وآذاه. ولهذا لما ظهرت مصلحة القتل، وترجحت جدًّا قَتَلَ الساب، كما فعل بكعب بن الأشرف فإنه جاهر بالعداوة والسب فكان قتله أرجح من إبقائه، وكذلك قَتَلُ ابن خطل، ومقيس، والجاريتين، وأم ولد الأعمى، فقتل للمصلحة الراجحة، وكف للمصلحة الراجحة، فإذا صار الأمر إلى نوابه وخلفائه، لم يكن لهم أن يسقطوا حقه"١.
ولا ريب أن المحاربة بسب نبينا أعظم أذيةً ونكاية لنا من المحاربة باليد ومنع دينار جزية في السنة، فكيف يُنقض عهده ويُقتل بذلك دون السب، وأي نسبة لمفسدة منعه دينارًا في السنة إلى مفسدة منع مجاهرته بسب نبينا أقبح سب على رءوس الأشهاد، بل لا نسبة لمفسدة محاربته باليد إلى مفسدة محاربته بالسب، فأولى ما انتقض به عهده وأمانه سب رسول الله ﷺ، ولا ينتقض عهده بشيء أعظم منه إلا سبه الخالق سبحانه. فهذا محض القياس ومقتضى النصوص، وإجماع الخلفاء الراشدين ﵃ وعلى هذه المسألة أكثر من أربعين دليلا٢.
وقال الزرقاني: واستشكل قتله على هذا الوجه –وأجاب المنازري: بأنه إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي ﷺ وهجاه وسبه، وكان عاهده أن لا يعين عليه أحدًا، ثم جاءه مع أهل الحرب معينًا عليه.
قال عياض: ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله كان غدرًا، وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به فضُربت عنقه، وإنما يكون الغدر
_________________
(١) ١ ابن القيم، زاد (٣/٤٤١) . ٢ ابن القيم، زاد (٣/٤٤٠) .
[ ١٤٨ ]
بعد أمان موجود، وكعب قد نقض عهده ﷺ، ولم يؤمنه محمد ورفقته لكنه استأنس بهم فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان، وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم يصرح له بالأمان في شيء من كلامه، وإنما كلمه في أمر البيع والشراء، واشتكى إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان١.
وساق الخطابي والبيهقي بسنديهما عن عباية بن رافع قصةً مشابهة للقصة التي أوردها عياض، وملخصها أنه ذكر قتل كعب بن الأشرف في مجلس معاوية، فقال ابن يامين: كان قتله غدرًا، فلم ينكر عليه معاوية، فأنكر ذلك محمد بن مسلمة وحلف أن لا يجالس معاوية أبدًا٢. وهذه الرواية فيها اضطراب في متنها، فقد روى الواقدي بسنده٣ ما يفيد أن هذه القصة وقعت في مجلس مروان بن الحكم الذي كان أميرا على المدينة، كما روى عبد الرزاق في مصنفه موقفا آخر مماثلًا وقع لأبي عبس ﵁ أحد المشاركين في هذه السرية٤. مما يدعونا إلى الاعتقاد بضعف الرواية.
ولا أظن أن يكون مثل هذا الموقف السلبي يصدر من صحابي جليل كمعاوية. والله تعالى أعلم..
وربما يلتبس على البعض أن قَتْلَ كعب بن الأشرف يتعارض مع بعض الأحاديث الناهية عن الفتك والغدر، ولكن اللبس هنا مرفوع؛ فالغدر لا يكون إلا بإنسان له عهد وميثاق ملتزم بهما غير ناكث لهما، وإلا قيل إن غزو مكة وفتحها كان غدرًا لوجود العهد والميثاف المبرم في صلح الحديبية. وكعب بن الأشرف علاوة على عدم التزامه بميثاق الدولة التي يعتبر أحد أفرادها جاهر بعداوته للمسلمين ولقائد الدولة، وأخذ يحرض عليهم، ولم يقتصر الأمر
_________________
(١) ١ الزرقاني، شرح (٢/١٣)، ولم أجد قول عياض الذي نقله في كتابه الشفا. ٢ انظر البيهقي، دلائل (٣/١٩٣)، والخطابي، معالم السنن، شرح السنن لأبي داود (٣/٢١٢-٢١٣) . ٣ الواقدي، مغازي (١/١٩٢-١٩٣) . ٤ عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٠٤) .
[ ١٤٩ ]
بفداحته على ذلك، بل سافر إلى عدوهم وعاهدهم على قتال المسلمين، وكان كل ذلك كافيا لإظهار عداوته، ولكنه عندما رجع إلى المدينة صار يؤذي المسلمين –وهم أفراد مساوون له في الحقوق تحت ظل دولة واحدة غير مكترث ولا عابىء- وذلك بهجائهم والتشبيب بنسائهم، وهو أمر عظيم كانت الدماء تسيل فيه أودية في الجاهلية فكيف وقد أعز الله المسلمين بالإسلام.
هذا وقد روي عن ابن إسحاق بسند فيه مجهولان، والواقدي عن شيوخه: أن رسول الله ﷺ لما أصبح من الليلة التي قُتل فيها ابن الأشرف قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه"، فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة –رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم-فقتله، فكان ذلك سببا في إسلام أخيه حويصة بعد نقاش حاد دار بينهما١.
وهذه الرواية إضافة إلى ضعف سندها، خالفتها رواية أخرى ذكرها ابن هشام في سبب إسلام حويصة متأخرة كثيرا عن قصة كعب بن الأشرف٢، كما يزيد في ضعفها مخالفتها لأصل من أصول الشريعة، وهو تحريم الذمي المستأمن إلا بحقه من نقض العهد والميثاق، والانضمام إلى صفوف المشركين وغير ذلك كما فعل ابن الأشرف. وإن صحت الرواية فإنه ربما كان ابن سنينة على مثل ما كان عليه كعب، فعلم بذلك حليفه محيصة لقربه منه فقتله إذ لا يمكن أن يطلق رسول الله ﷺ أصحابه على اليهود هكذا يقتلونهم بلا ذنب ولا جرم فعلوه إلا إذا كانوا على مثل رأي ابن الأشرف وفعلوا مثل فعلته.. والله تعالى أعلم بالصواب.
وعلى كل حال فإن اليهود خافوا خوفا شديدا بعد مقتل كعب بن
_________________
(١) ١ انظر ابن إسحاق، سيرة (٢٠٠)، وابن هشام، سيرة (٣/٥٨)، والواقدي، مغازي (١/١٩١-١٩٢) . ٢ ابن هشام، سيرة (٢/٥٩) .
[ ١٥٠ ]
الأشرف، فلم يطلع أحد من عظمائهم، وبذلك العمل الجريء أخرس رسول الله ﷺ ألسنتهم، ورد كيدهم إلى نحورهم، وكبت حقدهم في صدورهم دون أن تراق دماء كثيرة، فالمجرم المحارب نال جزاءه وعقابه العادل والذي أصبح عبرة وعظة لمن تسول له نفسه من اليهود، أو المشركين في المدينة القيام بمثل ما فعل.
ومن خلال سياق أحداث هذه القصة يبدو لنا أمران ملفتان للنظر:
أولهما: قول امرأة كعب له: إنك امرؤ محارب.
وثانيهما: ردة فعل وفد اليهود الذين جاءوا إلى رسول الله ﷺ يشتكون من مقتل زعيمهم كعب، حيث إنهم حينما وضح لهم رسول الله ﷺ صنيعه وما كان يفعل سكتوا ولم ينطقوا بشيء.
فهذان اعترافان من أقرب الناس لكعب بجريمته التي استحق عليها القصاص العادل.
[ ١٥١ ]