بعث خالد بن الوليد لهدم وتحطيم العزى
(يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك)
[ ٢٧٩ ]
العُزَّى بضم المهملة وفتح الزاي، اشتقوها من اسم الله تعالى العزيز سبحانه وتعالى عما يشركون، قالوا: العزى تأنيث الأعز، مثل الكبرى تأنيث الأكبر، والأعز بمعنى العزيز، والعزى بمعنى العزيزة١.
"وكانت العرب وقريش تسمي بها عبد العزى"٢.
وقد اختُلف في صفتها ولمن كانت من العرب، فقيل: كانت شجرة بنخلة٣ لغطفان يعبدونها٤، وقيل: بل كانت بيتًا ببطن نخلة٥.
قال ابن دريد: كانت بيتًا بالطائف٦.
وأخرج أبو نعيم، والبيهقي عن أبي الطفيل، وابن الكلبي عن ابن عباس ﵄: أنها كانت بيتا على ثلاث سمرات٧.
ولكن سعيد بن جبير يقول: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه٨.
ويروي الطبري نقلا عن الواقدي، قال: "هو صنم لبني شيبان، بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزى يقولون: هذا صنمنا"٩.
ولكن ابن إسحاق، وابن سعد والكلبي يقولون: كانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم، وإن آخر مَن سدنتها منهم دبية بن حرمي السُّلمي١٠.
_________________
(١) ١ انظر الجوهري، الصحاح،باب الزاي، فصل العين، الحموي، معجم، باب العين والزاي، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٧) . ٢ انظر هشام بن السائب الكلبي، الأصنام (١٨) . ٣ بحددها لنا ابن الكلبي فيقول: وكانت بواد من نخلة الشامية يقال له: حراض بإزاء الغمير على عين المصعد إلى العراق من مكة وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال. ابن الكلبي، الأصنام (١٨) . ٤ انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨)، والحموي، معجم (٤/١١٦) . ٥ ذكر ذلك قتادة. انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨) . ٦ انظر العامري، بهجة المحافل (١/٤٤٥) . ٧ انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، وابن الكلبي، الأصنام (١٢٥) . ٨ انظر الشوكاني، فتح القدير (٥/١٠٨) . ٩ انظر الطبري، تاريخ (٣/٦٥) . ١٠ انظر ابن هشام سيرة (٤/٤٢٦)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٦)، وابن الكلبي، الأصنام (٢٢) .
[ ٢٨٠ ]
قال خليفة: كانت بيتا عظيما لقريش، وكنانة، ومضر كلها١.
وكان أول من وضعه من العرب كما تذكر الروايات هو ظالم بن أسعد، أو سعد بن ظالم الغطفاني٢.
ويذكر ابن الكلبي: أنها كانت لها مكانة عظيمة عند العرب عامة وقريش خاصة، حيث كانوا يزورونها ويهدون إليها ويتقربون عندها بالذبائح، وقد بلغ من تعظيمهم لها أن قريشا حمت لها شعبًا من وادي حراض يقال له سقام يضاهون به حرم الكعبة، كما جعلوا لها منحرًّا خاصًّا ينحرون فيه هداياها يقال له: الغبغب٣.
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه ﷺ فعابها وغيرها من الأصنام ونهاهم عن عبادتها، فاشتد ذلك على قريش فأخذت تدافع عن آلهتها بكل ما تملك من قوة، وأعلنت الحرب على المسلمين من أجلها، بل إن أبا سفيان بن حرب قال يوم أحد للمسلمين مفتخرًا بها: لنا العزى ولا عزى لكم، فرد عليه المسلمون: الله مولانا ولا مولى لكم.
ويوم جاء الحق وزهق الباطل –يوم الفتح الأعظم- يومها تساقطت تلك الأصنام المحيطة بالكعبة المشرفة على يد نبي الهدى والرحمة ﷺ ثم بث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه لتحطيم بقية معاقل الشرك والوثنية منها سرية قوتها ثلاثون فارسًا كما يذكر الواقدي٤ بقيادة خالد بن الوليد ﵁، توجهت إلى الطاغوت الأعظم منزلة ومكانة عند قريش وسائر العرب العزى، وقد اتفق أهل المغازي على أنها كانت بعد الفتح ولكنهم اختلفوا في تحديد تاريخها
_________________
(١) ١ انظر خليفة بن خياط، تاريخ (٨٨) . ٢ انظر ابن الكلبي، الأصنام (١٨)، والعامري، بهجة (١/٤٤٥)، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٧) . ٣ ابن الكلبي، الأصنام (١٩-٢٠) . ٤ الواقدي، مغازي (٣/٨٧٣) .
[ ٢٨١ ]
بدقة، حيث ذكرها ابن إسحاق ومن تابعه بعد سرية خالد إلى بني جذيمة١.
وذكرها الواقدي وابن سعد قبلها وحدداها بخمس ليال بقين من شهر رمضان٢.
وذكر مغلطاي أن ذكر ابن إسحاق لها بعد سرية بني جذيمة فيه نظر من حيث إن رسول الله ﷺ كان قد وجد على خالد في أمر بني جذيمة، ولا يتجه إرساله بعد ذلك في بعث٣.
قال الشامي: إن صح ما ذكره ابن إسحاق من كون سرية خالد لهدم العزى بعد سرية بني جذيمة فوجهه: أن رسول الله ﷺ رضي عنه وعذره في اجتهاده٤.
انطلق خالد بن الوليد ﵁ وأصحابه لإزالة ذلك الطاغوت من الوجود نهائيًّا، وعندما وصلت السرية إلى العزى قام إليها خالد "فقطع السمرات وهدم البيت الذي كان عليها"٥ وهو يردد: "كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك"٦.
ثم رجع خالد وأصحابه إلى رسول الله ﷺ وقدم تقريره بإنجاز المهمة، ولكن النبي ﷺ استدرك على قائد السرية كما يذكر الواقدي وكاتبه في روايتهما: "هل رأيت شيئًا؟، قال: لا"٧ فقال: ارجع فإنك لم تصنع شيئًا"٨.
_________________
(١) ١ انظر ابن خياط، تاريخ (٨٨)، وابن هشام، سيرة (٤/٤٣٦)، الطبري، تاريخ (٣/٦٥)، والعامري، بهجة (١/٤٤٥) . ٢ انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٧٣)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٥) . ٣ مغلطاي قلج، الزهر الباسم (٢٣/٢٠) . ٤ الشامي،سبل (٦/٣٠١)، وانظر ما علقناه على هذا الموضوع في سرية خالد إلى بني جذيمة. ٥ أخرج ذلك النسائي، وأبو نعيم، والبيهقي عن أبي الطفيل ﵁. انظر ابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤)، وأبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧) . ٦ من رواية أبي الهذيل عند ابن خياط بسند حسن لكنه مرسل. ابن خياط، تاريخ (٨٨) . ٧ انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٦) . ٨ من رواية أبي الطفيل. انظر أبا نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، وابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤) .
[ ٢٨٢ ]
فرجع خالد وهو متغيظ حنق على عدم إنهاء مهمته على الوجه المطلوب، فلما وصل إليها ونظرت السدنة إليه عرفوا أنه جاء هذه المرة ليكمل ما فاته في المرة السابقة فهربوا إلى الجبل وهو يصيحون "يا عزى خبليه، يا عزى عوريه. فأتاه خالد فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحثو التراب على رأسها"١.
فقدم إليها خالد ﵁ بشجاعته الإيمانية المعروفة، وضربها بالسيف حتى قتلها" ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره بذلك فقال: "تلك هي العزى"٢ ٣.
وقد يبدو هذا الخبر غريبا بعض الشيء وقد حاول الزرقاني تفسيرة، فقال:
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أبو نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧)، ابن كثير، تفسير (٤/٤٥٤) . ٣ خبر السرية أخرجه كل من أبي يعلى، المسند (٢/٥٣٥)، والنسائي، السنن الكبرى – كتاب التفسير (٤/١٧)، وأبو نعيم، دلائل (٢/٥٣٥)، والبيهقي، دلائل (٥/٧٧) عن أبي الطفيل ﵁ من طريق الوليد بن جميع الذي اختلف فيه، فوثقه ابن سعد، وابن معين، والعجلي، وقال عنه أحمد، وأبو داود، وأبو زعة: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وذكره ابن حبان في الثقات، ثم ذكره في الضعفاء، وقال عنه: فحش تفرده فبطل الاحتجاج به. وقال البزار: احتملوا حديثه وكان فيه تشيع. وقال العقيلي: في حديثه اضطراب، وقال الحاكم: لو لم يخرج له مسلم لكان أولى، وذكر الفلاس أن يحي بن سعيد كان لا يحدثهم عنه، فلما كان قبل موته بقليل حدثهم عنه. وأخيرا قال عنه ابن حجر: صدوق يهم. انظر ابن سعد، طبقات (٦/٣٥٤)، وابن أبي حاتم، الجرح والتعديل (٩/٨)، وابن حبان، الثقات (٥/٤٩٢)، والذهبي، ميزان الاعتدال (٤/٣٣٧)، وابن حجر، تهذيب التهذيب (١١/١٣٨-١٣٩)، وتقريب التهذيب (٥٨٢) . كما روى الخبر ابن خياط باختصار وسنده جيد لكنه مرسل. انظر خليفة بن خياط، تاريخ (٨٨)، وأخرجه ابن الكلبي بسنده عن ابن عباس. انظر ابن الكلبي، الأصنام (٢٥١)، ورواه من أهل المغازي ابن إسحاق بلا سند. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧) والواقدي، مغازي (٣/٨٧٣-٨٧٤)، وابن سعد عن جمع من شيوخه، طبقات (٢/١٤٥-١٤٦)، وهكذا.. فإن رواية أبي الطفيل المتصلة وإن كان فيها بعض مقال من ناحية الوليد بن جميع الذي عليه مدار الروايات، لكنها لم تتحد مع رواية خليفة المرسلة مما يقوي القاسم المشترك بين الروايتين، كما تتعاضد بقية طرق الخبر مع بعضها فتكون شاهدا يكسبه بعض القوة، وإن كان محقق مسند أبي يعلى قد حكم على سنده بالصحة. انظر أبا يعلى، المسند (٢/١٩٧)، حاشية (٢) .. والله تعالى أعلم.
[ ٢٨٣ ]
أمرتهم بتجديدها أو تخبرهم أنها لو قطعت شجراتها أو كسرت حجارتها لم تزل عظمتها، وفي خروجها لخالد ثانية آية أخرى؛ لأنها لم تكن مشاهدة١.
_________________
(١) ١ الزرقاني، شرح المواهب (٢/٣٤٨) .
[ ٢٨٤ ]