سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة
(دعوية)
(فلم يُحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا)
[ ٢٤٧ ]
عقب فتح مكة بعث رسول الله ﷺ سراياه وبعوثه حولها لإخضاع قبائل الأعراب الحليفة لقريش، والتي كانت تكوِّن كتلة الأحابيش التي شاركت ضمن الجيوش القرشية التي خاضت بدرا وأحدا والخندق ضد المسلمين، وذلك إكمالا لإحكام سيطرة المسلمين على المنطقة ونشر الدعوة فيها، وفتح الطريق أمامهم إلى الطائف ثاني أكبر معاقل الوثنية في الجزيرة العربية آنذاك، والتي كانت تمثل حاجزا أمام نشر الدعوة الإسلامية فيها.
وكان من تلك البعوث (دورية قتال) دعوية، هدفها بني جذيمة١، يذكر أهل المغازي أن قوتها كانت حوالي ثلثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار٢، ورجال من بعض القبائل العربية المسلمة كسليم، وبني مدلج بن مرة٣، وكان بعض كبار الصحابة ﵃ مثل عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وأبي قتادة، وسالم مولى أبي حذيفة٤، جنودا ضمن أفراد هذه الدورية التي أُسندت القيادة فيها إلى سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁.
وفي شهر شوال من السنة الثامنة الهجرية، قبيل الخروج إلى حنين، كما يذكر أهل المغازي٥، تحركت الدورية في مسيرها الاقترابي نحو هدفها.
_________________
(١) ١ أجمعت مصادر أهل المغازي على أن هذه السرية كانت دعوية. انظر، ابن هشام سيرة (٥/٤٢٨)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) . وأشار رواية أهل الحديث إلى ذلك ضمن السياق. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧)، والبنا، الفتح الرباني (٢١/١٦٧) . ٢ ذكر ذلك الواقدي، مغازي (٣/٨٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) . ٣ ذكر ذلك ابن إسحاق في روايته. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٩) في حين لم يذكر الواقدي وكاتبه غير بني سليم معهم. ٤ ترددت هذه الأسماء عند كل من: ابن إسحاق، ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠-٤٣١) والواقدي، مغازي (٣/٨٧٧-٨٨٠-٨٨١) . ٥ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٨)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥) وكان الذي حددها بشهر شوال ابن سعد، طبقات (٢/١٤٧) .
[ ٢٤٨ ]
ويذكر ابن إسحاق في روايته المنقطعة: أن بني جذيمة لما سمعوا بخبر السرية استعدوا للقتال ولبسوا السلاح١، وعلى الغميصاء٢ تقابل الجيشان، فدعاهم خالد إلى الإسلام "فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا"٣.
ونظرًا لما هذه الكلمة من ماضٍ سيء في تاريخ الإسلام، حيث كانت تطلق في مقام الذم للمسلمين الأوائل بمكة، والاستهزاء بهم من قِبَلِ المشركين، ونظرا لدقة الموقف وحراجته والذي يتطلب سرعة الخاطر في إعطاء القرار الحاسم من أي قائد يحرص على نجاح مهمته، فقد تأوَّل خالد بن الوليد ﵁ "الذي كان يعرف الكلمة وظروف استعمالها"٤، كلمتهم تلك على أنها استهزاء وسخرية بالمسلمين "فجعل يقتل منهم ويأسر"٥ثم إنه أمر بعد فترة بقتل الأسرى باعتبار أنهم كانوا مستهزئين بالإسلام، فرأى أنه لا بدَّ وأن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من الأعراب.
ولكن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر، وبعض الصحابة ﵃ كما تذكر روايات أهل المغازي٦، لم ينقادوا لأمر خالد ﵁ وخالفوه في اجتهاده، ورأوا أن بني جذيمة قد "عبروا عن إسلامهم بما يعرفون"٧، وكان أكثرهم معارضة له عبد الرحمن بن عوف،
_________________
(١) ١ رواية ابن إسحاق حول هذه السرية هي من مراسيل أبي جعفر محمد بن علي الباقر فهي منقطعة. انظر أكرم العمري، المجتمع المدني (١٩٤) . ٢ الغميصاء –بضم أوله وفتح ثانيه وبالصاد المهملة- على لفظ التصغير: مكان أسفل مكة على ليلة ناحية بلملم.انظر ابن سعد، طبقات (٢/١٤٧)، والبكري، معجم (٣/١٠٠٠)، وذكر البلادي أنه لا يعرف موضعا قريبا من مكة يعرف بهذا الاسم، وأنه ربما تغيَّر اسم المكان مع الزمن. البلادي، معالم مكة (٢٠٥) . ٣ من رواية الزهري عند البخاري. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨٢) . ٤ أكرم العمري، المجتمع المدني (١٩٤) . ٥ من رواية الزهري عند البخاري: انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨٢) . ٦ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠-٤٣١)، والواقدي، مغازي (٣/٨٨٠-٨٨١) . ٧ أكرم العمري،المجتمع المدني (١٩٤) .
[ ٢٤٩ ]
وعبد الله بن عمر ﵃، حيث قال عبد الله ﵁: والله لا أقتل أسيري ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره"١.
ويذكر الواقدي أن بني سليم قتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا أسراهم، فكان عدد قتلى بني جذيمة قريبا من ثلاثين رجلا٢، منهم رجل غير جذيمي ساقته منيته وأودى به عشقه لامرأة جذيمية إلى مصيره المحتوم٣.
وعند رجوع السرية من مهمتها رفع المعارضون لخالد تقريرا مفصلا بما حدث للقائد الأعلى رسول الله ﷺ والذي عبَّر عن إنكاره لفعل خالد بقوله: "اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد"٤. قالها مرتين.
ووقع في رواية ابن إسحاق المنقطعة أن رسول الله ﷺ بعث عليَّ بن أبي طالب ﵁ بمال فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال وزادهم فوق ذلك إحسانا إليهم وتطييبا لنفوسهم٥٦.
_________________
(١) ١ من رواية الزهري.انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٧، ١٣/١٨١) . ٢ الواقدي، مغازي (٣/٨٨٤) . ٣ وردت عدة روايات حول قصة هذا الرجل، منها رواية ابن عباس ﵄ أخرجها الطبراني، معجم (١١/٣٧٠)، والبيهقي، دلائل (٥/١١٧-١١٨) . كلاهما من طريق النسائي الذي لم أجد روايته في كتاب السنن المتداول، وإن كان ابن حجر قد صحَّح إسناده. انظر ابن حجر، فتح (٨/٥٨) . وجاء في الرواية ما يلي: "فقال: إني لست منهم، إني عشقت امرأة منهم، فدعوني أنظر إليها نظرة –قال فيه-: فضربوا عنقه، فجاءت المرأة فوقعت عليه فشهقت شهقة أو شهقتين ثم ماتت. فذكروا ذلك للنبي ﷺ قال: "أما كان فيكم رجل رحيم". ووردت الرواية بسياقات مختلفة نوعًا ما عند كل من الحميدي، المسند (٢/٣٥٩-٣٦٠-٣٦١)، والبزار. انظر الهيثمي، كشف الأستار (٢/٢٩٠)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٩)، والطبراني. انظر الهيثمي، مجمع (٥/٣٢٤-٣٢٥) كل منهم بسنده عن عاصم المزني ﵁ وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني والبزار وإسنادهما حسن. ورواه ابن إسحاق، انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٣)، الطبري، تاريخ (٣/٦٨) بسنده عن ابن أبي حدرد. ٤ ابن حجر، فتح (٨/٥٧)، القسطلاني، إرشاد الساري (٦/٤١٧) . ٥ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٣٠) . ٦ خبر السرية في مجمله صحيح. أخرجه البخاري في الصحيح. انظر ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤، ٨/٥٧، ١٣/١٨١)، والقسطلاني، إرشاد (٦/٤١٦-٤١٧) . وأخرجه الإمام أحمد. انظر البنا، الفتح الرباني (٢١/١٦٧) .=
[ ٢٥٠ ]
وقد ذهب أهل المغازي بعيدا في تفسيراتهم للواقعة، فأخذوا يسوقون الروايات الضعيفة المُشْعِرِةِ بإدانة خالد ﵁، وأنه فعل ذلك إدراكا لثأر قديم مع بني جذيمة١، ولو أننا تأملنا في هذه الحادثة بعمق –وذلك ما يجب علينا كباحثين مسلمين، حيث لا بدَّ لنا من الإحاطة الكاملة بكل جوانب القضية –لظهرت لنا عدة تساؤلات منها على سبيل المثال:
.. ما مدى صحة الروايات التي ساقها أهل المغازي تفسيرًا للخبر؟ ربما كان بعض هذه الروايات أو تفسيراتها دسًّا من بعض الرواة غير العدول على خالد ﵁.
..لماذا أثيرت كل هذه الضجة حول هذه الحادثة؟ ولماذا خالد بالذات الذي أثيرت حوله.
ما هو التفسير الصحيح للخبر؟ وهنا مربط الفرس، حيث لا بدَّ لمن يتعرَّض لتفسير الخبر أن يتجرد عن العواطف والاتجاهات المسبقة، ولا بدَّ له من دراسة النوازع الشخصية لكل أفراد الحادثة، بدءا من خالد ﵁، إلى أفراد القبيلة، ومعرفة الظروف والملابسات التي أحاطت بالحادثة.
_________________
(١) =وأخرجه عبد الرزاق، المصنف (٥/٢٢١) . كما أخرجه أهل المغازي كابن إسحاق. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٤٢٨-٤٣٣)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٥-٨٨٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٤٧-١٤٩)، والبيهقي، دلائل (٥/١١٣-١١٨)، ولكني لم أعتمد رواياتهم في سياق الأحداث، لضعفها حديثيًّا، ولكونها تذكر أمورا عن خالد بن الوليد ﵁ لا يمكنْ التسليم بها، ولا يعني ذلك أني أطرحت رواياتهم، بل استفدت منها في رواية بعض الحقائق التاريخية التي أغفلتها رواية الصحيح، مثل تاريخ السرية، وقوتها، وعدد قتلى بني جذيمة وغير ذلك. ١ انظر إلى الروايات التي ساقها ابن إسحاق، والواقدي حول هذا الموضوع. ابن هشام، سيرة (٤/٤٣١)، والواقدي، مغازي (٣/٨٧٦-٨٨٢) وكلها روايات ضعيفة لا يحتج بها، فالواقدي متروك، وابن إسحاق ساقها بلا سند. والغريب أن الواقدي بعد ما يسوق عدة روايات تدين لخالد ﵁، يختمها برواية حول الحادثة كلها تذكر أن خالدا ﵁ ما قتل بني جذيمة إلاّ بعد أن امتنعوا أشدّ الامتناع وقاتلوا وتلبسوا السلاح، وأنه انتظر بهم صلاة العصر والمغرب والعشاء، ولا يسمع أذانا ثم حمل عليهم فادَّعوا بعدُ الإسلام. انظر الواقدي، مغازي (٣/٨٨٣) .
[ ٢٥١ ]
فهناك شخصية خالد قائد الجيش وما يتطلبه منه الموقف من حزم وسرعة بديهة وتصرُّف عاجل، وهناك على ما أعتقد قلة خبرته الفقهية الضرورية لإصدار الأحكام الاجتهادية قياسا مع الصحابة الذين أنكروا عليه، كعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمر ﵃، لسابقتهم في الإسلام، وحداثة عهده به١.
وهناك شخصية أفراد القبيلة وماضيهم المليء بالغدر والفتك٢، والذي بعرفه خالد جيدا.
وهناك الأهم، وهو تصرفهم أثناء الحادثة، قوم مدجَّجون بالسلاح، مستعدون للقتال، وفجأة عند ما ظهر عليهم المسلمون قالوا: صبأنا صبأنا. وكانت هذه اللفظة متداولة في مكة، وتطلق على كل من أسلم حديثا على سبيل الذم والاحتقار، فكان واجب القيادة يحتم على خالد سرعة الحسم، فربَّما أنه رأى في تقديره الشخصي وما أدَّى إليه اجتهاده أنهم لو كانوا قد أسلموا لما لبسوا السلاح، واستعدوا للقتال وهم يعرفون أن المسلمين قريبون منهم ويسمعون أخبارهم.
وما خبر فتح مكة بالخبر الذي يخفى، وربما أنه اعتقد أنهم لو أسلموا لكانوا عرفوا النطق بالشهادتين، وهي الوثيقة الوحيدة التي تفرق بين المسلم والكافر٣ أو ربما أنه ظن أنهم قالوا كلمتهم تلك احترازا وخوفا من
_________________
(١) ١ لم يسلم خالد ﵁ كما تذكر روايات أهل المغازي إلاّ قبيل فتح مكة. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٢٧٧)، والواقدي، مغازي (٢/٧٤٦-٧٤٩) . والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتفاوتون في الفقه، ويدل على ذلك حديث: "ربَّ مبلغ أفقه من سامع". ٢ ورد في بعض روايات أهل المغازي أنهم كانوا من أشرِّ حيِّ في الجاهلية وكانوا يسمّون "لعقة الدم". انظر الحلبي، إنسان (٣/٢١٠) . ٣ قال الخطابي: وهذا نظير حديثه الآخر أنه ﷺ بعث خالدا إلى أناس من خثعم فاستعصموا بالسجود فقتلهم، فوداهم النبي ﷺ بنصف الدية، وإنما عذر خالدا في هذا لأن السجود لا تمحص دلالته على قبول الدين؛ لأن كثيرا من الأمم يعظمون رؤساءهم ويظهرون لهم الخضوع والانقياد، بأن يخروا على وجوهمم. الخطابي أحمد بن محمد، أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (٣/١٧٦٦) .
[ ٢٥٢ ]
السيف١.
وقال الخطابي: "وقد يحتمل أن يكون خالد إنما لم يكفَّ عن قتالهم بهذا القول من قِبَلِ أنه ظنَّ أنهم عدلوا عن اسم الإسلام إليه أنفة من الاستسلام والانقياد فلم ير ذلك القول منهم إقرارا منهم بالدين"٢.
كما أنني أعتقد –والله أعلم- أنه قد جرى اجتهاده بالنسبة للأسرى قياسا على أسرى بدر، وما جرى حولهم من عتاب الله ﷿ لنبيه ﷺ، فربما أنه ظنَّ أنهم أسرى كفّار، لا بدَّ من أن يثخن فيهم حتى يكونوا عبرة لغيرهم من المشركين.
فكل هذه الاحتمالات وما يصاحبها من أمور دقيقة وملابسات شائكة، تجعل أي قائد في مثل موقف خالد ﵁ في موضع شكٍّ في مثل من هم في موقف بني جذيمة، فجرى اجتهاده الذي لامه عليه رسول الله ﷺ؛ لأن المسألة تتعلق بأرواح أناس بَدَرَ منهم شبهة تدرأ القتل عنهم "وإنما نقم رسول الله ﷺ من خالد موضع العجلة، وترك التثبت في أمرهم أن يتبين المراد من قولهم: صبأنا"٣.
وأخيرا لو كان الأمير سيئًا للدرجة التي وردت في بعض الروايات التي لا تصلح للاحتجاج بها لضعفها الشديد ونكارتها، والتي استغلها بعض الحاقدين على الإسلام ورجالاته الأفذاذ، مثل خالد بن الوليد ﵁، سيف الله المسلول، الذي دوّخ الكفرة والمشركين بانتصاراته الباهرة –لحدث بعد هذه الحاديثة أمران مهمان جدا لا بدّ من حدوثهما في مثل هذه المسائل الخطيرة وهما: أولا: نزول آيات قرآنية تشجب تصرف خالد وتعاتبه عليه كما حدث
_________________
(١) ١ وقد حدث مثل ذلك لأسامة بن زيد في سرية الحُرقات من جهينة، حينما قتل رجلا منهم قال: لا إله إلا الله بعد أن رفع عليه السيف. انظر ابن حجر، فتح (٧/٥١٧) . ٢ الخطابي، أعلام (٣/١٧٦٥) . ٣ المصدر السابق.
[ ٢٥٣ ]
في سرية أضم وقصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط١.
ثانيًا: محاسبة خالد ومعاقبته على فعلته أو على أقل تقدير عزله من قيادة الجيش والسرايا بعد تلك الحادثة، وذلك أمر لم يحدث مطلقا.
وحتى يكتمل حديثنا عن هذه المسألة نعرج على رأي الفقهاء فيها، قال ابن بطال: لا خلاف أن الحاكم إذا قضى بجور أو بخلاف قول أهل العلم أنه مردود، لكن ينظر، فإن كان على وجه الاجتهاد فإن الإثم ساقط، وأما لضمان فيلزم عند الأكثر مع الاختلاف هل يلزم ذلك عاقله الحاكم أو بيت المال؟
وقال الثوري وأهل الرأي وأحمد وإسحاق: ما كان في قتل أو جراح ففي بيت المال.
وقال الأوزاعي والشافعي وصاحبا أبا حنيفة: على العاقلة.
وقال ابن الماجشون: لا يلزم ضمان٢.
قال ابن حجر: والذي يظهر أن التبرؤ من الفعل لا يستلزم إثم فاعله، ولا إلزامه الغرامة، فإن إثم المخطىء مرفوع وإن كان فعله ليس بمحمود٣.
وقال الخطابي: الحكمة في تبرئه ﷺ من فعل خالد مع كونه لم يعاقبه على ذلك لكونه مجتهدا أن يعرف أنه لم يأذن له في ذلك خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذنه، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله٤.
وفي نهاية المطاف نقول: إن خالد بن الوليد ﵁ قد ائتمنه
_________________
(١) ١ انظر ابن حجر، فتح (٨/٢٥٨-٢٥٩) . ٢ انظر ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤، ١٣/١٨٢) . ٣ ابن حجر، فتح (٦/٢٧٤/١٨٢) . ٤ المصدر السابق.
[ ٢٥٤ ]
رسول الله ﷺ على دماء المسلمين وأعراضهم، ومن بعده صاحبُه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁، فلا يمكن أن يقتل أحدًا من الناس دون حقٍّ إلاَّ متأولًا. قالها أبو بكر الصديق ﵁ حينما بلغه قتل خالد لمالك بن نويرة١.
_________________
(١) ١ رواه خليفة بإسناد حسن. انظر خليفة بن خياط، تاريخ (١٠٥) .
[ ٢٥٥ ]