بعث سالم بن عمير الأنصاري لقتل أبي عفك١
تُكَذِّبُ دينَ الله والمرءَ أحمَدا لَعَمْرُ الذي أَمْناك أنْ بئس ما يُمنيِ
حَبَاكَ حنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنَّ
أمامة المريدية
ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦)
_________________
(١) ١ لم ترد في خبر هذه السرية روايات مسندة صحيحة أو حسنة، فكان الاعتماد على روايات أهل المغازي ونقدها باطنيًّا بمقارنتها مع بعضها مع الأخذ بأوثقها قدر المستطاع.
[ ١٢٩ ]
عندما قام رسول الله ﷺ المدينة المنورة دار هجرته بدعوة من الأوس والخزرج الذين آمنوا به وبرسالته ونصروه حتى عُرفوا فيما بعد بالأنصار، ولكن كانت هنالك قلة قليلة منهم بقيت على شركها، وبنو عمرو بن عوف هي إحدى القبائل الأوسية المنضمة إلى حظيرة الإسلام، وقد كانت كغيرها من القبائل الأنصارية، الغالبية العظمى مسلمين، وقليل منهم الذين بقوا على شركهم.
وكان من هؤلاء شيخ كبير١ قد عسا٢، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين، يدعى أبا عفك، وكان قد امتلأ قلبه بالحقد والحسد للمسلمين، وهو يرى التفاف الأوس والخزرج على نصرة رسول الله ﷺ وازداد كيده بالإسلام وأهله بعد أن رأى رسول الله ﷺ يزداد قوة وتمكينًا في المدينة وما حولها بعد غزوة بدر٣، فلم يطق لذلك صبرًا، فأخذ ينشد الشعر يهجو به رسول الله ﷺ ويحرض على عداوته، ويسفه رأي الأنصار لمتابعتهم رسول الله ﷺ ومناصرته٤.
فلما رأى رسول الله ﷺ أنه متمادٍ في غيه، لدرجة أنه يريد تأليب الناس عليه، وإثارة الفتنة والشقاق بين المسلمين ندب الصحابة لقتله قائلًا: "من لي
_________________
(١) ١ يذكر الواقدي، وابن سعد أنه قد بلغ من العمر عشرين ومائة سنة. انظر: الواقدي، مغازي (١/١٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٨) . ٢ العسوس من الرجال إذا قل خيره. ابن منظور، لسان (عس) . ٣ يذكر ابن إسحاق أنه قد نجم نفاقه بعد قتل الحارث بن سويد بأمر رسول الله ﷺ بعد أحد. انظر ابن هشام، سيرة (٣/٨٩، ٣/٦٣٥) وهو بذلك قد خالف الواقدي، وابن سعد اللذين حددا تاريخ هذه الواقعة بشوال على رأس عشرين شهرا. الواقدي، مغازي (١/١٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٨) . ٤ كان مما قاله: لقد عشتُ دهرا وما إن أرى من الناس دارًا ولا مَجمعا أبرَّ عهودًا وأوفى لمن من أولاد قَبلة في جمعِهم يعاقدُ فيهم إذا ما دعا يَهُدُّ الجبالَ ولم يخضعا فصدَّهم راكبٌ جاءهم حلالٌ حرام لشتى معا فلو أن بالعز صدَّقتم أو الملكِ تابعتم تُبَّعا ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦) .
[ ١٣٠ ]
بهذا الخبيث"١. وهنا يتجلى الإيمان في أروع مظاهره، فلا يتطوع لقتل أبي عفك ذلك الخبيث المرجف إلا رجلٌ من قومه٢ شاب مغواري إيماني، من بني عمرو بن عوف، وأحد البكائين في غزوة تبوك، ذلكم هو سالم بن عمير رضي الله عنه٣ حيث نذر على نفسه ليقتلنه أو يموت دونه، فقام بإعداد خطة محكمة للقضاء عليه دون أن يشعر به أحد من أشياعه "فأمهل يطلب له غرة٤ حتى كانت ليلة صائفة، فنام أبو عفك بالفناء، وعلم به سالم بن عمير، فأقبل فوضع السيف على كبده، ثم اعتمد عليه حتى خش في الفراش، وصاح عدو الله"٥ فتركه سالم ﵁ مضرجًا بدمائه يخور كالثور، حيث ثاب إليه ناس من أصحابه "ممن هم على قوله، فأدخلوه منزله، وقبروه"٦. متسائلين بدهشة كما يذكر الواقدي "من قتله؟ والله لو نعلم من قتله لقتلناه به"٧.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦) . ٢ يذكر ابن سعد أن أبا عفك كان يهوديا مع أنه نسبه إلى بني عمرو بن عوف. الطبقات (٢/٢٨) فلا أدري أيقصد بذلك أنه من متهودتهم أم أن ذلك وهم منه، أو نسبه إلى اليهود مجازًا، لأن غالبية المنافقين كانوا يوالونهم، ويجتمعون بهم كثيرا، ويأتمرون فيما بينهم بالمسلمين، كما ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] . قال بعض المفسرين: المراد بشياطينهم من يهود الذين يأمرونهم بالتكذيب وخلاف ما جاء به رسول الله ﷺ. انظر ابن كثير، تفسيره (١/٥١) والله أعلم. ٣ سالم بن عمير، ويقال بن عمرو، ويقال ابن عبد الله بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرىء القيس بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، ذكره موسى بن عقبة في البدريين، وقال ابن سعد ويونس بن بكير عن ابن إسحاق: هو أحد البكائين. وقال فيه: سالم بن عمرو بن عوف. وكذا قال ابن مردويه من طريق مجمع بن جارية وزاد في نسبه (العمري) يعنب من بني عمرو بن عوف، وقال أبو عمر: شهد العقبة وبدرا، وما بعدها، مات في خلافة معاوية. انظر ابن حجر، إصابة (٢/٥) ويذكر البلاذري أن الذي تطوع لقتل أبي عفك هو علي بن أبي طالب ﵁ ذكر ذلك عن قوم. انظر البلاذري، أنساب الأشراف (٣٧٣) . ٤ غرة: غفلة. اللسان، والقاموس (غرو) . ٥ من رواية ابن سعد بلا سند، طبقات (٢/٢٨) . ٦ المصدر السابق. ٧ الواقدي، مغازي (٢/١٧٥) .
[ ١٣١ ]
فقالت أمامة المريدية١ في ذلك:
تُكَذِّبُ دينَ الله والمَرْءَ أحمدا لَعَمْرُ الذي أَمْنَاكَ أَنْ بِئْسَ ما يُمْني
حبَاكَ حَنيفٌ آخرَ الليلِ طعنةً أبا عفكٍ خُذها على كِبَرِ السِّنِّ٢ ٣
_________________
(١) ١ بضم الميم وكسر الراء، كذا في التبصير تبعا للذهبي، وقال في الأنساب بفتحها وعليه جرى ابن الأثير، وبسكون التحتية، وبالدال المهملة بعدها تحتية مشددة، بطن من بلى. وهي المزيرية عند ابن إسحاق، والنهدية عند الواقدي، والربذية عند ابن حجر، وربما تصحف اسمها مبكرٍا. انظر ابن هشام، سيرة مع شرح أبي ذر الخشني (٤/٣٧٧)، والواقدي، مغازي (٢/١٧٥)، وابن الأثير، أسد الغابة في معرفة الصحابة (٥/٤٠٠-٤٠١) وابن حجر، إصابة (٤/٢٣٨)، والشامي، سبل (٦/٣٩) . ٢ رواه ابن سيد الناس عن ابن سعد. عيون الأثر (١/٣٥١) . ٣ الخبر رواه ابن إسحاق بلا سند. ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٥-٦٣٦)، فالخبر بذلك ضعيف من الناحية الحديثية لكنه تاريخي، ويمكن أن يستأنس به تاريخيًّا لرواية أهل المغازي المتخصصين له. والله أعلم.
[ ١٣٢ ]