وكُنْتُ إذا هَمَّ النبيُّ بكافر
سَبَقْتُ إليه باللسانِ وباليَدِ
"عبد الله بن أنيس"
[ ١٥٣ ]
كان على المسلمين في المدينة أن يواجهوا أعداءهم المتربصين في كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية من قريش الموتورين مرورا باليهود الخائنين إلى الأعراب الطامعين في خيرات المدينة، ولكن عين النبي ﷺ لم تكن تغفل عنهم ولو للحظة حيث كان يرصد تحركاتهم، وسكناتهم، ويتحسس أخبارهم عن طريق شبكة منظمة من العيون والجواسيس المبثوثين في مناطق الأعداء١ والتي ساهمت بشكل كبير وفعال في موضع النبي ﷺ في الصورة دائما، فكان باستمرار يسبق الأحداث، ويفاجىء أعداءه بمبادرة عجيبة تقضي على مخططاتهم العدوانية في مهدها.
وكان من هؤلاء رجل من أشد الأعراب وشياطينهم يدعى خالد بن سفيان الهذلي كما سمته بعض المصادر والروايات٢، بينما ورد اسمه سفيان بن خالد في روايات أخرى٣. ومنها ما نسبه إلى جده٤، وسماه موسى بن عقبة: سفيان بن عبد الله بن نبيح٥، وذكر المزِّي: إنه خالد بن نبيح العنبري٦.
_________________
(١) ١ لم يرد ذكر في مصادر السيرة والمغازي عن هذه الشبكة. ولكننا نستطيع أن نلتمس بعض الإشارات الدالة على وجودها مبثوثة في ثنايا الروايات، فمثلا قول النبي ﷺ لعبد الله بن أنيس ﵁: "إنه قد بلغني أن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الجموع"، وما نقله الواقدي في البعث إلى اليسير بن رزام حول خارجة بن حسيل الأشجعي عين النبي ﷺ في خيبر، ومثل ما ذكره أهل المغازي من أن العباس عم النبي ﷺ كان يطلعه على أخبار قريش أولا بأول، ومثل سرايا الاستطلاع التي يبثها من حين لآخر إلى مناطق أعدائه وهكذا. ٢ انظر روايات ابن إسحاق عند كل من أبي داود، سنن (٢/٤١)، أحمد بن حنبل، الفتح الرباني (٧/٢٦، ٢٢/٢٨٠)، والطبراني، الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣)، وابن هشام سيرة (٤/٦١٩) . ٣ انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٣١)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٠)، الطبراني، الهيثمي مجمع (٦/٢٠٤)، والبيهقي عن عروة، دلائل (٤/٤٠)، وانظر المقريزي، إمتاع (١/٢٥٤)، والحلبي، سيرة (٣/١٥٦) . ٤ انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨) رواية عن مالك، وروايات ابن إسحاق عند أبي نعيم، دلائل (٢/٥١٧)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢) . ٥ انظر روايات موسى بن عقبة عند عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩) . ٦ المزِّي، تهذيب الكمال في أسماء الرجال (١٤/٣١٤) .
[ ١٥٤ ]
وصلت المعلومات إلى رسول الله ﷺ عن هذا الأعرابي بأنه يتحرك –وبنشاط كبير وملحوظ- لحشد عدد كبير من الأحابيش والأعراب ليغزو بهم المدينة، مع إظهاره العداوة لرسول الله ﷺ بهجائه وشتمه كما ورد في بعض روايات الطبراني عن الحادثة١ وعلى الفور استدعى النبي ﷺ أحد رجال المهمات الصعبة المعدودين، مغوارٍ من أبطال الصحابة وذي باع وخبرة في هذا المضمار ذلكم هو عبد الله بن أنيس رضي الله عنه٢ والذي وصف نفسه في بعض روايات هذا الخبر بأنه لا يهاب الرجال، ولا فَرِقَ٣ من شيء قط٤ وهذه الصفة هي أهم صفات أفراد فرق المغاوير في جيوش العالم قديما وحديثا، والتي تتطلب مهماتها الجرأة والشجاعة.
_________________
(١) ١ الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٤) . ٢ اختُلف في عبد الله بن أنيس ﵁ كثيرا، قال علي بن المديني: "هذا عبد الله بن أنيس الأنصاري، وليس بالجهني الذى روى عنه جابر بن عبد الله". الهيثمي، مجمع (٦/١٩٨) . وقال ابن حجر: وأما عبد الله بن أنيس فهو الجهني حليف الأنصار، وقد فرق المنذري بين عبد الله بن أنيس الجهني، وعبد الله بن أنيس الأنصاري، وجزم بأن الأنصاري هو الذي كان في قتل ابن أبي الحقيق، وتبع في ذلك ابن المديني، وجزم غير واحد بأنهما واحد وهو جهني حليف الأنصار. فتح الباري (٧/٣٤٣) . أما الشامي فقال: تردد الإمام محب الدين الطبري ﵀ في عبد الله بن أنيس قاتل سفيان بن خالد لا معنى له؛ لأنه هو الجهني بلا تردد، وهو أشهر ذكرا من الخمسة الذين وافقوه في الاسم واسم الأب من الصحابة ﵃. سبل الهدى (٦/٦٠) . وترجم له ابن حجر في "الإصابة": "عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني حليف بني سلمة من الأنصار". وقال ابن الكلبي، والواقدي: هو من ولد البرك بن وبرة من قضاعة. قال ابن الكلبي: واسم جده أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنم بن كعب بن تيم، وقد دخل ولد البرك في جهينة فقيل له الجهني، والقضاعي، والأنصاري، والسَّلَمي بفتحتين كذلك. روى عن النبي ﷺ، روى عنه أولاده: عطية، وعمر، وضمرة، وعبد الله، وجابر بن عبد الله الأنصاري وآخرون. وكان أحد من يكسر أصنام بني سلمة من الأنصار. وذكر المزي في "التهذيب" عن ابن يونس أنه أرخ وفاته سنة ثمانين، وتعقب بأن الذي في تاريخ ابن يونس أنه مات في هذه السنة أو غيره وهو مذكور بعد عبد الله بن أنيس بترجمتين. والمعروف أنه مات بالشام سنة أربع وخمسين، فرق علي بن المديني وخياط وغير واحد بينه وبين الأنصاري، وجزم البغوي وابن السكن وغيرهما بأنهما واحد، وهو الراجح بأنه جهني حالف بني سلمة من الأنصار. انظر خليفة، طبقات (ص ١١٨)، والمزي، تهذيب الكمال (١٤/٣١٤)، وابن حجر، إصابة (٢/٢٧٩) . ٣ أي: خاف وفزع. القاموس، واللسان (فرق) . ٤ انظر الواقدي، مغازي (٢/٥٣٢)، وابن سعد، طبقات (٢/٥١)، وروايات موسى بن عقبة عند ابن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩) .
[ ١٥٥ ]
إن تخير رسول الله ﷺ هذا الصحابي المغوار لهذه المهمة البابغة الصعوبة يعطي دلالة واضحة على معرفته ﵊ الشديدة برجاله حيث كان يكل لكل منهم المهمة التي تناسب وضعه وإمكانيته، يعني الرجل المناسب في المكان المناسب، وهو عمل قائم على التخطيط السليم والدقة في الاختيار وكون رسول الله ﷺ يختار لهذه السرايا بعض رجاله لا يعني بالضرورة أن بقية الصحابة لا يصلحون لهذه المهمات، فهم جميعا كانوا لا يهابون الموت بل ويتحرقون دائما للشهادة في سبيل الله، ولكن المواقف الحساسة التي تمر بها مثل هذه السرايا تتطلب رجالا فيهم صفات مميزة كعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن رواحة، وعبد الله بن عتيك، ومحمد بن سلمة، وعمرو بن أمية وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين.
ولنستمع إلى الحوار التالي الذي دار بين رسول الله ﷺ وبين عبد الله بن أنيس ﵁ والذي يعتبر من دلائل نبوته ﵊ كما يوضح صفة ذلك الأعرابي المخيفة والتي كانت تؤثر حتى في أشد الرجال صرامة وقوة أمثال عبد الله بن أنيس، والذي تبين من خلال هذا الحوار مدى ما كان يتمتع به من رباطة جأش وقوة شكيمة، حيث تحددت أبعاد المهمة الخطيرة التي أنيطت به.
قال عبد الله: "دعاني رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: "إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن نبيح يجمع لي الناس ليغزوني وهو بعرنة١، فأْته فاقتله، قلت: يا رسول الله انعته لي٢ حتى
_________________
(١) ١ وادي عرنة: هو الوادي الفحل الذي يخترق أرض المغمس، فيمر بطرف عرفة من الغرب عند مسجد نمرة ثم يجتمع مع وادي نعمان غير بعيد من عرفة ثم يأخذ الواديان اسم عرنة، فيمر جنوب مكة على حدود الحرم، ثم يُغرب حتى يفيض في البحر جنوب جدة على قرابة ٣٠ كيلا وهو من الأودية الفحول ذات السيول الجارفة وزراعته قليلة، فيه زرائع على الضخ الآلي، وبطن عرنة هو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة. قال ابن المواز: حائط مسجد عرفة القبلي على حد عرنة، ولو سقط ما سقط إلا فيها. البكري، معجم (٤/١١٩١)، والبلادي، معجم (٢٠٥) . ٢ أي: صفه لي.
[ ١٥٦ ]
أعرفه قال: "إذا رأيته وجدت له قشعريرة" ١٢.
بهذه الكلمات الموجزة تزود عبد الله بن أنيس ﵁ معلومات كافية ومهمة عن الهدف المقصود مكانه وصفته، وكانت الخطة المتفق عليها كما يذكر موسى بن عقبة هي أن يتوصل بالناس، ويخبر من لقي أنما يريد خالد بن سفيان ليكون معه٣ فضمن بهذا التكتيك الذكي ثقة ابن نبيح، وعدم ارتيابه به إذا لقيه.
وقد اختلف في تاريخ خروج عبد الله في هذا البعث بين الواقدي وكاتِبه ابن سعد وهما من حددا تاريخه بدقة من بين أهل المغازي، وكان الاختلاف بينهما محصورا في السنة التي كان فيها، بينما تطابقت أقوالهما في اليوم، والشهر، فقد ذكرا أن عبد الله خرج من المدينة٤ يوم الإثنين لخمس خَلَون من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرا عند الواقدي٥، وعلى رأس خمسة وثلاثين شهرا عند ابن سعد٦، وإذا علمنا مدى التشابه في المعلومات حول هذا البعث بين الاثنين، وأن ابن سعد تلميذ الواقدي فيكون هو مصدر معلوماته هنا، خاصة وأنه لم يُحل على شيوخه كعادته بلفظ (قالوا)، مما يدعونا إلى الاعتقاد بوجود تحريف في أحد الرقمين، وأعتقد أن ذلك في الرقم الذي ساقه الواقدي؛ لأنه يذكر في روايته حول حادثة الرجيع أنها كانت انتقاما لمقتل الهذلي، وموقعة الرجيع حدثت في السنة الثالثة٧ فكيف يكون هذا البعث
_________________
(١) ١ أي رعدة. (القاموس: اقشعر) وعند ابن هشام: إنك إذا رأيته أذكرك الشيطان. سيرة (٤/٦١٩) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح (٧/٢٦-٢٧، ٢٢/٢٨٠) . قال عنها الهيثمي: فيه راوٍ لم يسم هو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . ٣ البيهقي، دلائل (٤/٤١) . ٤ قال موسى بن عقبة في روايته: ولا ندري من أين بعث ﷺ ابن أنيس إلى ابن نبيح أمِن المدينة أم من غيرها. البيهقي، دلائل (٤/٤١) . ٥ الواقدي، مغازي (٢/٥٣١) . ٦ ابن سعد، طبقات (٢/٥٠) . ٧ انظر: (سرية الرجيع من هذا البحث) .
[ ١٥٧ ]
بعدها، هذا وقد اختلف المتأخرون من أهل المغازي تبعا لاختلافهما، فمن تابع الواقدي ذكرها في حوادث السنة الخامسة١ ومن تابع ابن سعد ذكرها في حوادث السنة الثالثة٢، وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة خمس٣.
وينطلق عبد الله في مسيره الاقترابي نحو الهدف، عدته اليقين والتوكل على الله، وسلاحه سلاح الراكب، يقول ﵁: "فخرجت متوشحا بسيفي حتى وقعت عليه، وهو بعرنة مع ظعن٤، يرتاد لهن منزلا، وحين كان وقت العصر، فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة، فأقبلت نحوه"٥ فقلت: إني أخاف أن يكون بيني وبينه ما أن أؤخر الصلاة، فانطلقت أمشي، وأنا أصلي أومىء إيماء نحوه، فلما دنوت منه، قال لي: من أنت؟ قلت رجل من العرب بلغني أنك تجمع لهذا الرجل، فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد٦"٧.
"ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه، فلما قدمت إلى رسول الله ﷺ فرآني، قال: "أفلح الوجه"، قلت: قتلتُه يا رسول الله، قال: صدقت، قال: ثم قام معي رسول الله ﷺ فدخل بيته فأعطاني عصا، فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس، قال: فخرجت بها على الناس، فقالوا:
_________________
(١) ١ انظر البيهقي، دلائل (٤/٤٠)، والمقريزي، إمتاع (١/٢٥٤) وابن كثير، بداية (٤/١٤٢) . ٢ انظر: ابن سيد الناس، عيون (٢/٥٥)، وابن القيم، زاد (٣/٢٤٣) وذلك يشير إلى وقوع التحريف مبكرا نوعا ما. والله أعلم. ٣ خليفة، تاريخ (٧٧) . ٤ الظعن: جمع ظعينة وهو الهودج فيه امرأة، والمرأة ما دامت في الهودج. (القاموس: ظعن) . ٥ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح الرباني (٧/٢٦، ٢٢/٢٨٠) . ٦ أي: مات. ٧ من رواية ابن إسحاق عند أبي داود. سنن (٢/٤١-٤٢)، وسكت عنه هو والمنذري، وحسن الحافظ في الفتح إسناده. ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧) .
[ ١٥٨ ]
ما هذه العصا، قال: قلت: أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرني أن أمسكها، قالوا: أولا ترجع إلى رسول الله ﷺ تسأله عن ذلك، قال: فرجعت إلى رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: آية بيني وبينك يوم القيامة، إن أقل الناس المختصرون١ يومئذ يوم القيامة، فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات بها فضمت في كفنه، ثم دُفنا جميعا" ٢٣.
وهكذا لم تكن المكافأة على هذا العمل العظيم الجريء مادية دنوية كما يتمناه الكثير ممن يقوم بالمهمات الصعبة في جيوش العالم قديما وحديثا، بل
_________________
(١) ١ المخصرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا أو عكازه، أو مقرعة أو قضيب، وقد يتكىء عليه. ابن الأثير، النهاية (٢/٣٦) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند أحمد. البنا، الفتح الرباني (٢٢/٢٨١) . قال الهيثمي: فيه راو لم يسم هو عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . قال المنذري: وابن أنيس هذا هو عبد الله بن أنيس، جاء ذلك مبينا من رواية محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق. انظر سنن أبي داود (٢/٤٢)، حاشية (٢) . قلت: رواية محمد بن سلمة عند البيهقي، دلائل (٤/٤٢) ومسند الإمام أحمد إلى ابن إسحاق قوي، والرواية لها شواهد عند أبي نعيم، دلائل (٢/٤٥)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢)، وابن هشام، سيرة (٤/٦١٩-٦٢٠) . ٣ الحديث أخرجه أبو داود مختصرا في كتاب الصلاة، باب صلاة الطالب سنن (٢/٤١-٤٢)، عون المعبود (٤/١٢٩)، وسكت عنه هو والمنذري، وحسن الحافظ إسناده في الفتح. ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧)، والشامي في السبل (٦/٥٧) . وأخرج الحديث مطولا ابن هشام عن ابن إسحاق الذي رواه منقطعا. ابن هشام، سيرة (٤/٦١٩-٦٢٠)، ووصله أحمد من حديث ابن إسحاق نفسه. البنا، الفتح الرباني (٧/٢٦-٢٧، ٢٢/٢٨٠-٢٨١)، وأبو يعلى، المسند (٢/٢٠١-٢٠٢)، وأبو نعيم، دلائل (٢/٥١٧-٥١٨)، والبيهقي، دلائل (٤/٤٢-٤٣)، وقال عنه الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، وفيه راو لم يسم وهو ابن عبد الله بن أنيس، وبقية رجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣) . وأخرج الحديث البيهقي من طريق ابن لهيعة عن عروة مختصرا. البيهقي، دلائل (٤/٤٠)، ورواه موسى بن عقبة عن الزهري. انظر عمر بن شبة، تاريخ (٢/٤٦٨-٤٦٩)، والبيهقي، دلائل (٤/٤١)، وباقشيش، مرويات (١/٣٢٩)، كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٥٣١-٥٣٣)، وابن سعد، طبقات (٢/٥٠-٥١)، وورد الحديث بسياقات أخرى مختلفة قليلا عند الطبراني. انظر الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٣-٢٠٤)، وقال عنه: رجاله ثقات، وعند عمر بن شبة عن مالك بن أنس تاريخ (٢/٤٦٨) وبسياق مختلف تماما عن السياقات السابقة عند الطبراني عن عبد الله بن أنيس، قال عنه الهيثمي فيه الوازع بن نافع، وهو متروك. الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٤) وعن عبادة بن الصامت، وقال الهيثمي: وإسحاق بن يحيى لم يدرك عبادة. مجمع (٦/٢٠٤) .
[ ١٥٩ ]
كانت أسمى من ذلك وأعظم فهي وسام شرف أخروي قليل من يناله.
تضمن هذا الخبر بعض الأحكام والفوائد منها (صلاة الطالب) / قال الخطابي: واختلفوا في صلاة الطالب، فقال عوام أهل العلم: إذا كان مطلوبا كان له أن يصلي إيماءً، وإذا كان طالبا نزل إن كان راكبا وصلى بالأرض راكعا أو ساجدا١ وكذلك قال ابن المنذر٢، أما الشافعي فشرط شرطا لم يشترطه غيره، قال: إذا قل الطالبون عن المطلوبين وانقطع الطالبون عن أصحابهم فيخافون عودة المطلوبين عليهم فإذا كان هكذا كان لهم أن يصلوا يُومئون إيماء.
قال الخطابي: وبعض هذه المعاني موجودة في قصة عبد الله بن أنيس٣.
وما نقله ابن المنذر متعقب بكلام الأوزاعي فإنه قيده بخوف الفوت، ولم يستثن طالبا من مطلوب، وبه قال ابن حبيب من المالكية٤.
وقال في عمدة القاري: ومذاهب الفقهاء في هذا الباب فعند أبي حنيفة إذا كان الرجل مطلوبا فلا بأس بصلاته سائرا، وإن كان طالبا فلا.
وقال مالك وجماعة من أصحابه: هما سواء كل واحد منهما يصلي على دابته.
وقال الأوزاعي والشافعي في آخرين كقول أبي حنيفة، وهو قول عطاء والحسن والثوري وأحمد وأبي ثور.
وعن الشافعي إن خاف الطالب فوت المطلوب أومأ وإلا فلا٥.
_________________
(١) ١ أبو داود، سنن (٢/٤٤)، حاشية (١) . ٢ نقل ذلك عنه ابن حجر، فتح (٢/٤٣٦-٤٣٧) . ٣ أبو داود، سنن (٢/٤٢)، حاشية (١) . ٤ ابن حجر، فتح (٢/٤٣٧) . ٥ انظر بدر الدين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٦/٢٦٣) .
[ ١٦٠ ]
ومنها: جواز الاجتهاد في زمن النبي ﷺ، فعبد الله بن أنيس ﵁ أداه اجتهاده أن يصلي هذه الصلاة، ولم ينكر عليه ﷺ مما يدل على جواز الصلاة عند شدة الخوف يالإيماء.
وهذا الاستدلال صحيح لا شك فيه، لأن عبد الله بن أنيس فعل ذلك في حياة النبي ﷺ وذلك زمن الوحي، ومحال أن النبي ﷺ لم يطلع عليه"١.
وفعل الصحابي أيضا حجة ما لم يعارضه حديث مرفوع كذا في الغاية٢.
ومنها أيضا حديث المخصرة، وقد استحسن البعض المخصرة والتخصر لأجل هذا الحديث.
قال الجاحظ: ومما يدلك على استحسانهم شأن المخصرة حديث عبد الله بن أنيس ذي المخصرة وهو صاحب ليلة الجهني، وكان النبي ﷺ أعطاه مخصرة، وقال: تلقاني في الجنة٣.
كما ظهر في هذا الخبر دليل من دلائل نبوته ﵊ فهو قد وصف ابن نبيح لعبد الله بن أنيس وصفًا دقيقًا دون أن يراه حتى إن ابن أنيس عندما رد على رسول الله ﷺ متعجبا كما وقع في رواية الواقدي: "يا رسول الله ما فرقت من شيء قط، قال له رسول الله ﷺ: بلى آية ما بيني وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته"٤.
وفعلًا وجده على الصفة التي ذكر رسول الله ﷺ، يقول عبد الله: "فلما رأيته هبته وفرقت منه، فقلت: صدق الله ورسوله"٥.
_________________
(١) ١ العظيم آبادي، عون المعبود (٤/١٢٩) . ٢ المصدر السابق. ٣ انظر عمرو بن بحر الجاحظ، البيان والتبيين (٣/١١-١٢) . ٤ الواقدي، مغازي (٢/٥٣٢) . ٥ من رواية موسى بن عقبة. البيهقي، دلائل (٤/٤١) .
[ ١٦١ ]