خبر قتل المرأة التي كانت تسب رسول الله صلى الله عليه وسلم١
_________________
(١) ١ هذا الخبر لا يدخل ضمن نطاق هذا البحث، ولكن بسبب احتمال تعدد القصة أدخلته ضمن السرايا، وخاصة ون كثيرا من أهل المغازي اعتبروها من (سرايا المغاوير) لذلك أدرجته هنا في القسم الخاص بهذه السرايا.
[ ١٣٣ ]
ساق ابن إسحاق، والواقدي بسند واحد منقطع١، وابن سعد، والبلاذري تبعا للواقدي٢، والخطيب البغدادي٣، وابن عساكر٤ بسنديهما٥ عن ابن عباس ﵄ هذا الخبر باعتباره سرية لقتل امرأة من بني خطمة٦ هجت النبي ﷺ، فندب رسول الله ﷺ أصحابه لها فتطوع رجل من قومها٧ لقتلها.
واختلف سياق القصة عند أهل الحديث، فالطبراني يذكر في رواية أخرجها بسنده عن عمير بن أمية ﵁ أنه كانت له أخت تشتم النبي ﷺ
_________________
(١) ١ كلاهما عن عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦)، والواقدي، مغازي (١/١٧٤) . قلت: الحارث بن الفضيل ثقة من السادسة. ابن حجر، تقريب (١٤٧)، أما ابنه عبد الله فلم أعثر له على ترجمة. وإن صح السند إلى الحارث تبقى علة الانقطاع، والله تعالى أعلم. ٢ ابن سعد، طبقات (٢/٢٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧٣) . ٣ ذكر ذلك الخطيب في ترجمة مسلم بن عيسى. انظر الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد (١٣/٩٩) . ٤ ذكره ابن عساكر في ترجمة أحمد بن أحمد البلخي. انظر محمد بن مكرم. ابن منظور، مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر (٣/٥-٦) . ٥ لكن في سنديهما مجالد بن سعيد: ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره. ابن حجر، تقريب (٥٢٠) . ٦ سماها أهل المغازي بالعصماء بنت مروان. ونسبوها إلى بني أمية بن زيد، وأنها كانت تؤذي النبي ﷺ وتعيب الإسلام. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧) والواقدي، مغازي (١/١٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٧) في حين يذكر البلاذري أنها كانت يهودية. انظر البلاذري، أنساب (٣٧٣)، وذكر ذلك أيضا السهيلي نقلا عن مصنف حماد بن سلمة، وذكر أنها كانت تطرح المحائض في مسجد بني خطمة، فأهدر رسول الله ﷺ دمها. السهيلي، الروض الأنف (٧/٥٣٢)، وقد حاول الزرقاني الجمع، فقال: ولا يعارض كونها يهودية نسبة من نسبها إلى بني أمية بن زيد وهو في الأنصار لجواز أنها منهم بالحلف، أو لكون زوجها منهم، أو نحو ذلك. انظر الزرقاني في شرحه المواهب اللدنية للقسطلاني (١/٤٥٣-٤٥٤) . هذا ولم يرد إسمها في روايتي الخطيب وابن عساكر، بل إنهما نسباها إلى بني خطمة فقط. الخطيب، تاريخ (١٣/٩٩)، وابن منظور، مختصر تاريخ دمشق (٣/٥-٦) . ٧ وضحت روايات أهل المغازي اسمه وصفته في حين أبهمته روايتا الخطيب وابن عساكر، وورد في ترجمته عند ابن حجر ما نصه: "عمير بن عدي بن خرشة بن أمية بن عامر بن خطمَة، كان أبوه عدي شاعرًا، وأخوه الحارث قُتل بأحد، وهو الأنصاري، ثم الخطمي، ذكره ابن السكن في الصحابة، وقال: هو البصير الذي كان رسول الله ﷺ يزوره في بني واقف، ولم يشهد بدرا لضرارته. ابن حجر، إصابة (٣/٣٤)، وانظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٦-٦٣٧)، والواقدي، مغازي (١/١٧٤-١٧٥)، وابن سعد، طبقات (٢/٢٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧٣) .
[ ١٣٤ ]
وكانت مشركة فقتلها تطوعا منه دون أن يندبه إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولأجل ذلك اعتبرها ابن حجر قصتين مختلفتين ووهَّم تبعا لذلك ابن عبد البر لخلطه بينهما٢.
أما السهيلي فخلط بين روايات أهل المغازي، وروايتي أبي داود والنسائي٣ التي أخرجاها بسند حسن عن ابن عباس ﵄ وفيها: أن رجلا أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ وكانت له أم ولد تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ، فقتلها٤.
كما أخرج أبو داود أيضا عن الشعبي عن علي بن أبي طالب ﵁ أن يهودية كانت تشتم النبي ﷺ وتقع فيه فخنقها رجل حتى ماتت٥.
وإذا نظرنا إلى هذه القصة نجد أن هناك اضطرابا كبيرا في الروايات التي
_________________
(١) ١ الطبراني، المعجم (١٧/٦٤) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني عن تابعين أحدهما ثقة، وبقية رجاله ثقات، مجمع الزوائد (٦/٢٢٠) . قلت: في سنده يعقوب بن حميد، صدوق ربما وهم، ابن حجر، تقريب (٦٠٧)، ولم أجد ترجمة شيخ الطبراني ولا ترجمة التابعين اللذين ذكرهما الهيثمي. ٢ انظر ابن حجر، إصابة، ترجمة عمير بن أمية (٣/٢)، وانظر ابن عبد البر، استيعاب، هامش الإصابة (٢/٤٩٠-٤٩١) . ٣ قال السهيلي في الروض: "وذكر ابن هشام مقتل العصماء بنت مروان، وفي خبرها قال رسول الله ﷺ: "لا ينتطح فيها عنزان"، وكانت تسب رسول الله ﷺ فقتلها بعلها على ذلك، فقال رسول الله ﷺ: "اشهدوا أن دمها هدر". السهيلي، الروض (٧/٥٣٢)، وقد حاول الحلبي الجمع فقال: وقد يقال لا مخالفة لأن عميرا جاز أن يكون بعلا لها قبل مرثد بن زيد. الحلبي، سيرة (٣/١٤٦) . قلت: وقع تصحيف عند الحلبي في اسم زوج عصماء حيث لم يرد الاسم بهذا الشكل إلا عنده، وعند الجميع (يزيد)، كما أنه لم يرد ترجمة لمرثد في لإصابة، ولا الاستيعاب مما يقوي الظن بوقوع التصحيف. والله أعلم.. ٤ انظر محمد بن إسماعيل الكحلاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام (٣/٢٦٦)، والنسائي، سنن (٤/١٠٧-١٠٨)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٨٥٣-٨٥٤) وقال عنه: صحيح الإسناد، وأبو داود، سنن (٢/٥٢٨-٥٢٩) . قلت: في السند عثمان بن الشحام لا بأس به. ابن حجر، تقريب (٣٨٧) وبقية رجاله ثقات، ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٥٤) وقال عنه: هذا حديث صحيح إن شاء الله على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. كما أخرج الحديث الدارقطني، سنن (٤/٢١٦-٢١٧) . ٥ أبو داود سنن (٤/٥٣٠) وقال عنه ابن تيمية: "وهذا الحديث جيد، فإن الشعبي رأى عليًّا وروى عنه حديث شراحة الهمداني، وكان على عهد عليّ قد ناهز العشرين سنة، وهو كوفي، فقد ثبت لقاؤه فيكون=
[ ١٣٥ ]
نقلتها مما يدعونا إلى الاعتقاد باحتمال تعددها، وبسبب ذلك، واستنادا إلى منهجي في هذا البحث فسوف أعتمد إن شاء الله تعالى على رواية التي أعتقد أنها الأصح بين تلك الروايات، وهي رواية ابن عباس ﵄ في السنن التي ذكرت: "أن أعمى كان على عهد رسول الله ﷺ، وكانت له أم ولد١ شقية انزلقت في مهاوي الضلال، فأعماها الحقد والحسد للإسلام وأهله، مما جعلها "تكثر الوقيعة برسول الله ﷺ، وتسبه، فيزجرها فلا تنزجر وينهاها فلا تنتهي"٢ فضاق بها ذرعًا لتماديها في أمر لا يُصبر على مثله، فقرر القضاء عليها على الرغم من حاجته الماسة إليها لضرارته، فضلا عن كونها أمًّا لولده، ولكن الإيمان وحب الله ورسوله ﷺ وموالاتهما لا يدانيه حب مهما بلغ "فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي ﷺ وتشتمه، فأخذ المغول٣ فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل٤ فلطخت ما هناك بالدم"٥.
وفي صباح اليوم التالي يصل الخبر إلى رسول الله ﷺ، فأمر بجمع الناس، ثم قام فيهم خطيبا كعادته حينما يحدث أمر ما فقال: "أنشد الله رجلا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام" ٦.
_________________
(١) =الحديث متصلا، ثم إن كان فيه إرسال لأن الشعبي يبعد سماعه من علي فهو حجة وفاقا؛ لأن الشعبي عندهم صحيح المراسيل، لا يعرف له مرسلا إلا صحيحا، ثم هو من أعلم الناس بحديث علي وأعلمهم بثقات أصحابه". هذا وقد ذكر ابن تيمية أنه يمكن أن تكون هذه القصة والتي قبلها واحدة، ويمكن أن تكون غيرها، كما أنه ساق قصة العصماء بنت مروان على اعتبار أنها قصة منفصلة. انظر شيخ الإسلام ابن تيمية، الصارم المسلول على شاتم الرسول (٦١-٦٨-٦٩-٩٥) . ١ من رواية النسائي عن ابن عباس ﵄ انظر. النسائي، سنن (٤/١٠٧)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٤/٨٥٣) . ٢ المصدر السابق. ٣ المغول: حديدة رقيقة لها حد ماض وقفا. ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث (غول) . ٤ ربما كانت حاملا عندما قتلها فأسقطت ما في بطنها، أو أنه أحد ولديهما الصغيرين وقع بين رجليها، والله أعلم. ٥ من رواية أبي داود عن ابن عباس ﵄. انظر أبي داود سنن (٤/٥٢٨-٥٢٩) . ٦ المصدر السابق.
[ ١٣٦ ]
فما كان من الرجل وهو يسمع مناشدة رسول الله ﷺ له بد من إجابته، فقام يتخطى الناس مضطربا حتى قعد بين يدي رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أنا صاحبها، كانت أم ولدي، وكانت بي لطيفة رفيقة، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، ولكنها كانت تكثر الوقيعة فيك وتشتمك، فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر١ ثم شرح له بالتفصيل كيف قتلها، عند ذلك قال لهم رسول الله ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر"٢.
يتضح لنا من سياق هذه القصة مدى الحب الطاغي المسيطر على قلوب أصحاب النبي ﷺ له، فهذا رجل ضرير لديه مثل هذه المرأة الرفيقة به، اللطيفة معه على ما به من الضرارة، علاوة على أنها أم لولديه الصغيرين، ومع ذلك كله قتلها غضبا لله ﷿ ولرسوله ﷺ لم تمنعه حاجته الشديدة لها، ولم يغره لطفها ورفقها به، ولم يشفع لها عنده أمومتها لولديه الصغيرين، لأنه ممن كتب الله في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، وهكذا المؤمن الكامل الإيمان يقدم حبّ الله ﷿ ورسوله ﷺ وموالاتهما على كل شيء آخر حتى لو كان نفسه، قال الله تعالى ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ومما نستنبطه من هذا الخبر والذي قبله: أن سابَّ النبي ﷺ مهدر الدم، فقد ذكر كل من المنذري والخطابي، أنه لا خلاف في أن سابه من المسلمين
_________________
(١) ١ من رواية النسائي عن ابن عباس ﵄ انظر النسائي، سنن (٤/١٠٧) والألباني، صحيح سنن النسائي (٤/٨٥٣) . ٢ من رواية أبي داود، والنسائي عن ابن عباس ﵄ انظر أبي داود سنن (٤/٥٢٩)، والنسائي، سنن (٤/١٠٨) . ٣ المجادلة (٢٢) .
[ ١٣٧ ]
يجب قتله، وأما الخلاف إذا كان ذميّا، فقال الشافعي: يقتل وتبرأ منه الذمة، وقال أبو حنيفة: لا يقتل، ما هم عليه من الشرك أعظم. وقال مالك: من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قتل إلا أن يسلم، وكذلك قال أحمد بن حنبل١.
وقال ابن بطال: "اختلف العلماء فيمن سب النبي ﷺ فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك: يقتل من سبه ﷺ إلا أن يسلم، وأما المسلم فيقتل بغير استتابة، ونقل ابن المنذر عن الليث والشافعي، وأحمد، وإسحاق مثله في حق اليهودي ونحوه، وروي عن الأوزاعي ومالك – في المسلم – أنها ردة يستتاب منها، وعن الكوفيين: إن كان ذميًّا عُزِّر، وإن كان مسلما فهي ردة، وحكى عياض خلافا: هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو مصلحة التأليف؟ ونقل عن المالكية: إنه إنما لم يقتل اليهود اللذين كانوا يقولون له السام عليك، لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به، فلم يقض فيهم بعلمه، وقيل: إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم، وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السب، بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه، ولذلك قال في الرد عليهم: وعليكم، أي: الموت نازل علينا وعليكم، فلا معنى للدعاء به، كذا في النيل٢.
وقد حكى ابن تيمية إجماع أهل العلم على قتل من سب النبي ﷺ مسلما كان أو كافرا٣.
ومما نستنبطه أيضا: اعتبار قول الرسول ﷺ: "ألا اشهدوا أن دمها هدر" سنة في الأصل في إشهاد الحاكم على نفسه بإنفاذ القضاء، قاله الدارقطني"٤.
_________________
(١) ١ أبو داود، سنن (٤/٥٢٨-٥٢٩) حاشية (٣)، وأبو الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي، عون المعبود شرح سنن أبي داود (١٢/١٦-١٧) . ٢ أبو الطيب محمد العظيم آبادي، عون المعبود (١٢/١٧) . ٣ ابن تيمية، الصارم المسلول (٣) . ٤ الدارقطني، سنن (٤/٢١٧) .
[ ١٣٨ ]