سرية الخبط
أو بعث أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
"فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: كيف كنتم تصنعون بها؟، قال: نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء فنأكله".
جابر بن عبد الله ﵁
النووي على مسلم (١٧/٨٤)
[ ١١٥ ]
تعتبر سرية الخبط، استمرارا لسياسة النبي ﷺ العسكرية لإضعاف قريش، ومحاصرتها اقتصاديًّا على المدى الطويل، ولتعويض المهاجرين، ولو جزءًا بسيطًا مما فقدوه من أموال ومتاع استولت عليها قريش عند مغادرتهم وطنهم مكة.
ولم توضح لنا غالبية الروايات، وخاصة الصحيحة منها تاريخ محدد لهذه السرية. وقد أغرب الشامي حين ذكر أن جمهور أئمة المغازي حددوا تاريخها برجب في السنة الثامنة الهجرية١؛ حيث لم يقل بذلك غير الواقدي ومن تابعه٢.
وقد رد كل من ابن القيم، وابن حجر هذا القول باعتبار تلك الفترة فترة هدنة مع قريش، فالظاهر أن ذلك وهم غير محفوظ، بل مقتضى ما في الصحيح أن تكون هذه السرية في سنة ست أو قبلها قبل الهدنة٣.
وذكر العراقي أن السرية كانت بعد نكث قريش للعهد، وقبل الفتح٤، وعلق الزرقاني بعد ذلك: بأنه لا يعتبر قول ابن القيم كون السرية في رجب وهم غير محفوظ٥.
وعلى تسليم ظاهره، يحتمل أن يكون البعث في أواخر رجب بحيث لا يصلون إلى جهينة ويلقون العير، إلا في شعبان٦.
_________________
(١) ١ الشامي، سبل (٦/٢٧٥) . ٢ انظر الواقدي، مغازي (١/٦) وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢)، ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٦)، القسطلاني، إرشاد الساري (٦/٤٢٧) . ٣ بتصرف واختصار من ابن القيم، زاد (٢/١٥٨) وابن حجر، فتح (٨/٧٨) . ٤ انظر أبا زرعة العراقي، طرح التثريب في شرح التقريب (٦/٨-٩) . ٥ انظر الزرقاني، شرح المواهب (٢/٢٨١) . ٦ هذا الاحتمال بعيد لأنه قال في الخبر أنهم مكثوا في الساحل نصف شهر حتى أكلوا الخبط، ثم مكثوا يأكلون من الحوت حوالي الشهر، فتكون المدة التي قضوها في هذه السرية أكثر من شهر، ومعلوم أن فتح مكة كان في رمضان، وكان معظم المشاركين في السرية قد شارك في غزوة الفتح، كما أن خبر السرية يمكن أن يشتهر ويذيع لو أنها حدثت قبل لفتح بهذه المدة الوجيزة وكان يبعد أن لا يذكر أهل المغازي أن رسول الله ﷺ بعث سرية اعتراضية لتلقى عير قريش بعد نقضها العهد مع المسلمين، وقريش ليست من الغباء بمكان حتى ترسل قوافلها في فترة توتر العلاقات مع المسلمين. وإنني أتساءل لماذا لم يوضح جابر بن عبد الله ﵁ أحد أفراد هذه السرية لهم حكم ميتة البحر=
[ ١١٦ ]
وعلى كل حال فقد حشد رسول الله ﷺ مجموعة من رجاله المخلصين في (دورية قتال اعتراضية قوتها) ثلثمائة صحابي١ من المهاجرين والأنصار٢ وأسند قيادتها إلى أمين الأمه أبي عبيدة بن الجراح٣، وحدد لهم الهدف المنشود وهو رصيد عير المشركين٤ ربما قافلة تجارية مساحلة عن طريقها المعتاد، وقد تمر بمنطقة نفوذ قبيلة جهينة على ساحل البحر الأحمر.
ونظرا للضائقة الاقتصادية التي كان يمر بها المسلمون في ذلك الوقت، فقد كان تموين هذا الجيش ضعيفا بحيث لم يجد لهم رسول الله ﷺ غير
_________________
(١) =عندما توقفوا بادىء الأمر في الأكل من الحوت، وهو الذي مر بتجربة مماثلة مع رسول الله ﷺ في غزوة بواط وعلم الحكم. انظر النووي على مسلم (١٨/١٤٦-١٤٧) . هل كانت هذه السرية قبل غزوة بواط ربما، والله أعلم بالصواب؟ ا. ١ في رواية النسائي ثلاثمائة وبضعة عشر. انظر النسائي، سنن (٤/٢٠٩) . ٢ وضحت ذلك رواية الواقدي وكاتبه ابن سعد نصا "ثلثمائة رجل من المهاجرين والأنصار، وفيهم عمر بن الخطاب. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢) واللفظ له بينما اتضحت مشاركة الجانبين من خلال سياق روايات الصحيحين. انظر ابن حجر، فتح (٨/٧٧)، والنووي على مسلم (١٣/٨٩) . ٣ وقع في روايات شاذة أن قائد السرية كان قيس بن سعد بن عبادة. انظر ابن حجر، فتح (٨/٧٩-٨١) . والطبري، تاريخ (٣/٣٣)، وابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٦) ثم ينقل ابن سيد الناس قول أحد رواته للخبر. "قال إبراهيم: لم يكن قيس بن سعد أمير هذا الجيش، إنما كان أبو عبيدة، وقيس معه، كذا أخبرني محمد بن صالح، عن محمد بن عمر، عيون الأثر (٢/٢٠٦-٢٠٧)، أما ابن حجر فقال معقبا على ذلك: "والمحفوظ ما اتفقت عليه روايات الصحيحين". ٤ ذكر الواقدي وابن سعد أن هذه السرية كانت موجهة لحيِّ من جهينة. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤)، وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢) وهو مخالف لما في الصحيحين. وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين القولين، فذكر أنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيًّا من جهينة لمحاربتهم. انظر القسطلاني، المواهب اللدنية (١/١٤٧) . قلت: البعث للمقصدين لا يستقيم لأنه يصعب على دورية قوتها ثلثمائة فرد أن تقوم بمهمة مزدوجة في آن واحد، وعلى فرض إمكانية ذلك فإنه لم يقع شيء من طرق الخبر أنهم قاتلوا أحدا، بل فيه أنهم أقاموا نصف شهر أو أكثر في مكان واحد، والله أعلم. ابن حجر فتح (٨/٧٨) . بل إن الواقدي الذي انفرد بهذا القول ساق في روايته تعامل أحد أفراد السرية التجاري مع بعض أفراد قبيلة جهينة. الواقدي، مغازي (٢/٧٧٥) . أما ابن حجر فذكر في صدد الجمع بين القولين أنه يحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة. ابن حجر، فتح (٨/٧٨) وهذا الاحتمال بعيد لأن قبيلة جهينة هي من القبائل الداخلة ضمن الإيلاف الصيفي مع قريش، ولم يرد في أخبار المغازي أن رسول الله ﷺ عقد حلفا معها ضد قريش كما فعل مع القبائل الأخرى كبني مدلج وغيرهم، فليس لجهينة مصلحة في نقض حلفها مع قريش، وعلى فرض أنهم فعلوا ذلك من أجل المسلمين. فلماذا يبعث رسول الله ﷺ سرية تحمي عير قريش منهم. والله تعالى أعلم بالصواب.
[ ١١٧ ]
جراب من تمر زودهم إياه، إضافة إلى أزوادهم الخاصة التي كانت في مجملها قليلة أيضا. (وأثناء المسير الاقترابي) لموقع العمليات، فَنِي زاد السرية العام "فأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش، فجُمع فكان مزودي تمر"١٢ لأجل البركة في اجتماع الأزواد، وحتى يتساوى الكل في القوت فلا يتميز أحد عن أحد.
ورغم هذا الإجراء المنضبط من القائد الذكي إلا أن جرابا من تمر وهو مقدار ما تجمع من الزاد الخاص للجيش لم يكن يكفي جيشا مكونًا من ثلثمائة رجل.
فكان أبو عبيدة يقوتهم من هذا الجراب كل يوم "قبضة قبضة"٣ ثم تمرة تمرة. عندما قارب من الانتهاء، وقد أدرك الجند صعوبة الموقف فتقبلوا هذا الإجراء بصدور رحبة دون تذمر أو ضجر، بل إنهم ساهموا في خطة قائدهم التقشفية فصاروا يحاولون الإبقاء على التمرة أكبر وقت ممكن.
يقول جابر ﵁ أحد أفراد هذه السرية: "كنَّا نمصها كما يمص الصبي ثم نشرب عليها الماء فتكفينا يومنا إلى الليل"٤ وكم هو رائع هذا الموقف المدهش حقّا والذي أدهش قبلنا وهب بن كيسان ﵀ الذي سأل جابرا ﵁ دهشًا: "ما تغني عنكم تمرة؟، فقال: لقد وجدنا فقدها حين فنيت"٥.
ومع ذلك لم يؤثر ذلك على معنويات الجيش، ويستسلموا للأمر الواقع بل فكروا في حيلة يُبقون على أنفسهم حيث اضطروا إلى أكل ورق الشجر.
قال جابر ﵁: وكنا نضرب بعصينا الخبط٦، ثم نبله بالماء
_________________
(١) ١ المزود بكسر الميم وسكون الزاي ما يجعل فيه الزاد. ابن حجر، فتح (٨/٧٩)، وإرشاد الساري (٦/٤٢٧) . ٢ من رواية وهب بن كيسان عن جابر. ابن حجر فتح (٨/٧٧) . ٣ من رواية عمرو بن دينار عن جابر عند مسلم. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٨) . ٤ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤) . ٥ من رواية وهب عن جابر عند البخاري، ابن حجر. (٨/٧٧) . ٦ الخبط: ضرب الشجر بالعصا ليتناثر ورقها، واسم الورق الساقط خَبَط بالتحريك، فعل بمعنى مفعول وهو من علف الإبل، والخبط ورق ينفض بالمخابط ويجفف ويطحن ويخلط بدقيق أو غيره ويخفف بالماء. راجع ابن الأثير، النهاية في غريب الحديث، والقاموس المحيط، مادة (خبط) .
[ ١١٨ ]
فنأكله"١.
"فسمى ذلك الجيش جيش الخبط"٢، وقد أثر هذا الموقف في قيس بن سعد بن عبادة ﵄ أحد جنود هذه السرية الشجاعة وهو رجل من كرماء الصحابة المشهورين٣فنحر للجيش "ثلاث جزائر٤، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم إن أبا عبيدة نهاه"٥.
ولم يكن الله ﷿ ليتخلى عن جند له خرجوا في سبيله ابتغاء مرضاته، وطمعا فيما عنده من الأجر، فبينما هم كذلك من الجهد والجوع الشديدين إذ زفر البحر زفرة أخرج الله فيها حوتًا ضخمًا، فألقاه على الشاطىء، ويصف لنا جابر بن عبد الله ﵄ مقدار ضخامة هذا الحوت العجيب فيقول: "وانطلقنا على ساحل البحر، فرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم٦، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر٧، قال: قال
_________________
(١) ١ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم، مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤) . ٢ من رواية عمرو بن دينار عن جابر عند البخاري، ابن حجر، فتح (٨/٧٨) . ٣ هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري الخزرجي، وقال ابن عيينة عن عمرو بن دينار: كان قيس ضخما حسنا طويلا إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض، وذكر الزبير أنه كان سِناطا ليس في وجهه شعرة، وفي صحيح البخاري عن أنس: كان قيس بن سعد من النبي ﷺ بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير، وشهد المشاهد مع رسول الله ﷺ ويوم الفتح أخذ الراية من أبيه فدفعها إليه، وقال أبو عمر: كان أحد الفضلاء الجلة من دهاة العرب، من أهل الرأي والمكيدة في الحرب مع النجدة والسخاء والشجاعة، وكان شريف قومه غير مدافع. قال خليفة وغيره: مات في آخر خلافة معاوية بالمدينة. ابن حجر، إصابة (٣/٢٤٩) . ٤ جمع جزور، والجزور: البعير، أو خاص بالناقة. (القاموس، مادة جزر) . ٥ من رواية عمروبن دينار عن جابر عند البخاري، ابن حجر فتح (٨/٧٨) وذكر الواقدي في روايته أن قيس بن سعد ﵁ استدان هذه الجزر من رجل جهني، وأن أبا عبيدة ﵁ نهاه قائلا: تريد أن تخفر ذمتك ولا مال لك. الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤-٧٧٥)، هذا وقد رجح ابن حجر هذا السبب عند ذكر الاختلاف في سبب نهي أبي عبيدة لقيس، فقال: قيل لخشية أن تفنى حمولتهم، وفيه نظر؛ لأن القصة أنه اشترى من غير العسكر، وقيل: لأنه كان يستدين على ذمته، وليس له مال، فأريد الرفق به، وهذا أظهر والله أعلم، فتح (٨/٨١) . ٦ الكثيب: التل من الرمل. (القاموس: الكثب) . ٧ العنبر سمكة كبيرة يتخذ من جلدها التراس، قال الأزهري: العنبر سمكة بالبحر الأعظم يبلغ طولها خمسين دراعا يقال لها بالة، وليست بعربية، ويقال إن العنبر المشموم رجيعها، وقال ابن سينا: بل=
[ ١١٩ ]
أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله ﷺ وفي سبيل الله، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا، ونحن ثلثمائة حتى سمِنَّا، قال: لقد رأيتنا نغترف من وقب١ عينيه بالقلال٢ الدهن. وتقتطع منه الفدر٣ كالثور، أو قدر الثور، فلقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينيه، وأخذ ضلعا من أضلاعه فأقامها، ثم رجل أعظم بعير معنا
_________________
(١) =المشموم يخرج من الشجر، وإنما يوجد في أجواف السمك الذي يبتلعه، ونقل الماوردي عن الشافعي قال: سمعت من يقول: رأيت العنبر نابتًا في البحر ملتويًا مثل عنق الشاة، وفي البحر دابة تأكله وهو سم لها فيقتلها، فيقذفها البحر فيخرج العنبر من بطنها، قال الحلبي: وفي زمن الحاكم بأمر الله وجدت سمكة بدمياط طولها مائتا ذراع، وعرضها مائة وستون ذراعا وكان يقف في حلقها خمس رجال بالمجاريف يجرفون الشحم، وأقام أهل دمياط يأكلون من لحمها خمسة أشهر. وحوت العنبر SPERMWHALE مميز الشكل والهيئة، ومظهره ملتوٍ، ويتميز عن غيره من الحيتان بالرأس الضخم والبوز المَربع الذي يخزن فيه كمية كبيرة من الدهن، وهو من أكبر أنواع المسننات من الحيتان حيث يتراوح طول الذكر منه خمسة عشر إلى عشرين مترا، ويزن حوالي من خمسة وثلاثين إلى ستين طنًّ، والأنثى أصغر من الذكر، وتعتبر الحبارة هي غذاءه الرئيسي إذ يصيد منها كميات كبيرة وضخمة، وقد وجد في معدته من هذه الحبارات ما يبلغ طوله عشرة أمطار. والعنبر من الكائنات البحرية الغواصة فهو يستطيع الغوص إلى عمق ألف متر أو أكثر، كما يستطيع البقاء في الأعماق حوالي ساعة من الزمان. وحوت العنبر متواجد باستمرار في منطقة البحر العربي، وهنالك شواهد تدل على مشاهدته في البحر الأحمر حيث ذكر شهود عيان أنهم رأوه في منطقة جيزان عدة مرات، ولا تعرف الأسباب العلمية التي تؤدي بمثل هذه الحيتان الضخمة إلى الظهور في البحار القليلة العمق نسبيا كالبحر الأحمر، ربما بسبب تعطل أجهزة الاتصال لديها، أو لكبر سنها، وربما سبب بحث الذكر عن أنثاه. وبغض النظر عن هذه الشواهد والأسباب فإن ورود الخبر في الصحيحين يُغنينا عن الاستشهاد بغيرهما، فالخبر صحيح، وظهور مثل هذا الحوت الضخم للصحابة في تلك المنطقة غير المألوفة بالنسبة لأمثاله يُعد كرامة أكرمهم بها الله ورزقا أخرجه لهم كما أخبرهم بذلك الصادق المصدوق ﷺ والكرامة والمعجزة تُصنَّف في عِدد خوارق العادات، ولكن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وهو على كل شيء قدير. انظر الفيروز آبادي، القاموس، وابن منظور، لسان مادة: عنبر، وانظر ابن حجر، فتح (٨/٨٠)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٣)، ومنير البعلبكي: المورد قاموس انكليزي – عربي (ص: ٨٨٦) والثدييات البحرية، مذكرة من جمع الدكتور محمد موسى العمودي (ص: ١٤) وكلقاء شخصي معه. AND M. GRANTGROSS، OCCANOGRAPHY A VIEW OF THE EATH: ٣٦١ AND JAMES W NYBAKKEN BIOLOGYAN ECOLOGICAL APROCH: ٩٩. ١ الوقب هو النقرة التي تكون فيها العين. ابن منظور، لسان، مادة (وقب) . ٢ جمع قلة وهي الجرة العظيمة، وذلك مما يقور الظن بأنه حوت العنبر حيث إنه يتميز عن غيره من الحيتان بالرأس الضخم الذي يتركز فيه كمية كبيرة من الدهن. انظر الثدييات البحرية، مذكرة من جمع الدكتور/ موسى العمودي (ص: ١٤)، وروى تشابمان آندروز، كل شيء عن الحيتان (ص: ١٠٣)، القاموس، واللسان (قلة) . ٣ جمع فدرة وهي القطعة من اللحم. القاموس، واللسان (فدر) .
[ ١٢٠ ]
فمر من تحتها١ وتزودنا من لحمه وشائق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم٢. فقال: "ما حبسكم"؟، فقلنا: كنا نتبع عيرات قريش، وذكرنا له من أمر الدابة"٣. فقال: "هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا، قال: فأرسلنا إلى رسول الله ﷺ منه فأكله"٤٥.
وقد أورد بعض شارحي حديث هذه السرية، وبعض أهل المغازي المتأخرين بعض الأمور الفقهية المستفادة من خلال أحداث هذه السرية، قال النووي: في هذا الحديث جواز صدِّ أهل الحرب واغتيالهم والخروج لأخذ مالهم واغتنامه.
وأن الجيوش لا بد لها من أمير يضبطها، وينقادون لأمره ونهيه،وأنه ينبغي أن يكون الأمير أفضلهم، قالوا: يستحب للرفقة من الناس وإن قلوا أن يؤمروا بعضهم عليهم، وينقادوا له، قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: يستحب للرفقة من المسافرين خلط أزوادهم ليكون أبرك، وأحسن في العشرة، وأن لا يختص بعضهم بأكل دون بعض والله أعلم٦.
_________________
(١) ١ في رواية عمرو بن دينار: "فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ثم نظر إلى أطول رجل في الجيش، وأطول جمل فحمله عليه، فمر تحته". انظر ابن حجر فتح (٨/٧٨)، ومسلم بشرح النووي (١٣/٨٨) واللفظ له. قال ابن حجر: وهذا الرجل لم أقف على اسمه، وأظنه قيس بن سعد بن عبادة فإن له ذكرا في هذا الغزوة، وكان مشهورا بالطول. ابن حجر، فتح (٨/٨٠) . قلت: مر بنا في ترجمة قيس ﵁ أنه كان إذا ركب الحمار خطت رجلاه الأرض. ٢ من رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٥-٨٧) . ٣ من رواية النسائي، سنن (٧/٢٠٩)، والألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٩١٠) وقال عنه "صحيح". وانظر الطيالسي، سليمان بن داود، المسند (٧/٢٤١) . ٤ من رواية أبي الزبير عن جابر. مسلم بشرح النووي (١٣/٨٧) . ٥ الخبر صحيح، أخرجه البخاري في صحيحه في أماكن متفرقة وبطرق مختلفة. انظر ابن حجر، فتح (٦/١٣٠، ٨/٧٧-٧٨)، والقسطلاني، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (٦/٤٢٧-٤٢٨)، كما أخرجه مسلم بطرق مختلفة أيضا. انظر مسلم بشرح النووي (١٣/٨٤-٨٥-٨٧-٨٨-٨٩-٩٠)، وأخرجه النسائي في "السنن" (٧/٢٠٧-٢٠٨-٢٠٩)، وانظر الألباني، صحيح سنن النسائي (٣/٩٠٨-٩٠٩-٩١٠)، وأحمد في "المسند" انظر البنا، الفتح (٢١/١٤١)، وأخرجه من أهل المغازي ابن إسحاق بسند صحيح. انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٣٢-٦٣٣) والواقدي، وكاتبه ابن سعد ولكن باختلاف جوهري في بعض الوقائع مما ورد في الصحيحين، وابن إسحاق. انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٤-٧٧٥-٧٧٦-٧٧٧) وابن سعد، طبقات (٢/١٣٢)، والطبري، تاريخ (٣/٣٢-٣٣) . ٦ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) .
[ ١٢١ ]
قال ابن حجر: وفي الحديث من الفوائد مشروعية المواساة بين الجيش عند وقوع المجاعة، وأن الاجتماع على الطعام يستدعي البركة فيه١.
ومن الفوائد أيضا جواز أكل ورق الشجر عند المخمصة، وكذلك عشب الأرض، قاله ابن القيم٢.
وفيه أيضا بيان ما كان عليه الصحابة ﵃ من الزهد في الدنيا، والنتقلل منها، والصبر على الجوع وخشونة العيش، وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال٣.
وتدل القصة على جواز أكل ميتة البحر، وأنها لم تدخل في قوله ﷿ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ ٤ وقد قال الله تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾ ٥، وقد صح عن أبي بكر الصديق وعبد الله بن عباس وجماعة من الصحابة "أن صيد البحر ما صيد منه، وطعامه ما مات فيه"، وفي السنن عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا " أحلت لنا ميتتان، ودمان، فأما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال" حديث حسن، وهذا الموقوف في حكم المرفوع؛ لأن قول الصحابي: "أُحل لنا كذا، وحُرِّم
_________________
(١) ١ ابن حجر، فتح (٨/٨١) . ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩)، قلت: ما أقدم عليه أصحاب السرية من أكل الخبط دليل على قوة شكيمتهم، وتمتعهم بفكر سليم هداهم إلى أكل ورق الشجر كي يبقوا على أنفسهم ولا يستسلموا للجوع فيُقضى عليهم، مع عظيم توكلهم على الله ﷿ الذي لم يخب ظنهم فأطعمهم رزقا من عنده من حيث لا يحتسبون. وصدق الله القائل في محكم كتابه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الطلاق (٢-٣) . وقد سمعنا في وقتنا الحاضر بأن الجيوش الحديثة لديها فرق خاصة تسمى (قوات الصاعقة) يتم تدريبها تدريبا عنيفا يتضمن تعويدهم على أكل ورق الشجر وغيره استعدادا لما قد يلاقونه من جوع في مهماتهم، وقد رأينا الصحابة ﵃، في هذه السرية يأكلون ورق الشجر، كل تلك الفترة بدون تدريب مسبق على ذلك، وليس ذلك بمستغرب من جنود سامية أهدافهم يملأ الإيمان جوانحهم. ٣ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) . ٤ المائدة (٣) . ٥ المائدة (٩٦) .
[ ١٢٢ ]
علينا" ينصرف إلى إحلال النبي ﷺ وتحريمه، فإن قيل: فالصحابة في هذه الواقعة كانوا مضطرين، ولهذا لما هموا بأكلها قالوا: إنها ميتة، وقالوا: نحن رسل رسول الله ﷺ ونحن مضطرون فأكلوا، وهذا دليل على أنهم لو كانوا مستغنين عنها لما أكلوا منها١.
قيل: لا ريب أنهم كانوا مضطرين ولكن هيأ الله لهم من الرزق أطيبه وأحله، وقد قال النبي ﷺ لهم بعد أن قدموا: "هل بقي معكم من لحمه شيء؟ " قالوا: نعم، فأكل منه ﷺ وقال: إنما هو رزق ساقه الله لكم"، ولو كان هذا رزق مضطر لم يأكل منه للضرورة فكيف ساغ لهم أن يدهنوا بوكدها، وينجسوا به ثيابهم وأبدانهم، وأيضا كثير من الفقهاء لا يُجَوِّز الشبع من الميتة، إنما يجوزون منها سد الرمق. والسرية أكلت منها حتى ثابت إليهم أجسامهم وسمنوا وتزودوا منها٢.
وفيها دليل على جواز الاجتهاد في الوقائع في حياة النبي ﷺ وإقراره على ذلك، لكن هذا كان في حال الحاجة إلى الإجتهاد وعدم تمكنهم من مراجعة النص. وقد اجتهد أبو بكر وعمر ﵄ بين يدي رسول الله ﷺ في عدة من الوقائع وأقرهما على ذلك، لكن في قضايا جزئية معينة لا في أحكام عامة وشرائع كلية؛ فإن هذا لم يقع بين يدي رسول الله ﷺ من أحد من
_________________
(١) ١ ربما أنهم توقفوا بادىء الأمر لعدم معرفتهم بالحكم الذي لم يرد فيه نص قاطع من رسول الله ﷺ إلا في وقت متأخر في الحديث الذي يرويه أبو هريرة الذي أسلم بعد فتح خيبر – في البحر، وفيه: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح. انظر موطأ مالك (١/٢٢، ٢/٤٩٥) ن والمباركفوري، تحفة (١/٢٢٥-٢٣٠) والألباني صحيح سنن الترمذي (١/٢١)، وصحيح سنن أبي داود (١/١٩)، وصحيح سنن النسائي (١/١٤)، وصحيح سنن ابن ماجه (١/٦٧)، وابن حبان، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (٧/٣٣٧)، وكان يمكن لابن القيم الاعتماد على هذا الحديث في بيان حكم ميتة البحر، وإن كان ما ذكره من آثار تدخل ضمن هذا الإطار، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩) .
[ ١٢٣ ]
الصحابة في حضوره ﷺ ألبتة١.
ومن الفوائد أيضا جواز نهي الإمام، وأمير الجيش للغزاة عن نحر ظهورهم وإن احتاجوا إليه خشية أن يحتاجوا إلى ظهورهم عند لقاء العدو، ويجب عليهم الطاعة إذا نهاهم٢.
كما يستحب للمفتي أن يتعاطى بعض المباحات التي يشك فيها المستفتي إذا لم يكن فيه مشقة على المفتي، وكان فيه طمأنينة للمستفتي، قاله النووي٣.
_________________
(١) ١ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) . ٢ ابن القيم، زاد (٢/١٥٩)، وفيه نظر إذ لم يثبت في القصة أن قيس بن سعد ﵄ نحر لهم من الجزر التي كانوا يركبونها، ولا يعقل أن تصل رواحله وحده إلى هذا العدد الكبير، وفي القصة كما قال ابن حجر أنه اشترى من غير العسكر. ٣ مسلم بشرح النووي (١٣/٨٦) .
[ ١٢٤ ]