_________________
(١) ١ هذه السرية لا تدخل ضمن النطاق الجغرافي لهذا البحث ولكن بما أن ابن إسحاق قد ذكر أنها سرية استطلاعية توجهت إلى الغاية القريبة من المدينة، ثم تطورت الأحداث بعد ذلك حتى أصبحت من السرايا ذات المهمات الصعبة، وبسبب احتمال تعدد القصة أدرجتها هنا مجتهدًا توضيح أمرها، والله تعالى أعلم.
[ ١٨٦ ]
وقع الخلاف بين أهل المغازي في هذه السرية، فذكر الواقدي أنها كانت سرية (تعرُّضية) بقيادة أبي قتادة بن ربعي١ ﵁، وذكر فيها مشاركة عبد الله بن أبي حدرد رضي الله عنهما٢ الذي جاء يستعين رسول الله ﷺ على نكاحه، فأرسله مع هذه السرية إلى غطفان نحو نجد٣ لعله يصيب مهر زوجته، وفعلًا غنموا في تلك السرية نَعَمًا كثيرة وغنما بحيث كانت سُهمَانهم اثني عشر بعيرا٤، وقد أخرج الهيثمي رواية عن الإمام أحمد مشابهة تماما لرواية الواقدي٥.
وكذلك أخرج الإمام مسملم في صحيحه٦ رواية مشابهة غير أنه لم يذكر فيها اسم الصحابي المستعين برسول الله صلى الله عليه وسلم٧، ولكن هناك بعض القرائن الدالة على وحدة القصة مثل التاريخ الذي ذكره الواقدي للسرية لا يتعارض مع
_________________
(١) ١ أبو قتادة ربعي الأنصاري، مشهور أن اسمه الحارث، وجزم الواقدي وابن القداح وابن الكلبي بأن اسمه النعمان، وقيل اسمه عمرو، اختلف في شهوده بدرا، واتفقوا على أنه شهد أحدا وما بعدها، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ. كانت وفاته بالكوفة في خلافة علي بعد أن شهد معه مشاهده، وقال خليفة: "ولاه على مكة". ابن حجر، إصابة (٤/١٥٨-١٥٩) . ٢ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، أبو محمد، له ولأبيه صحبة، وقال ابن منده: لا خلاف في صحته، وقال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية ثم خيبر، وقال ابن عساكر: روى عن النبي ﷺ، وروى عن عمر، روى عنه يزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبو بكر محمد بن عمرو بن حزم، زابنه القعقاع، شهد الجابية مع عمر. قال المدائني والواقدي ويحيى بن سعيد وابن سعد: مات سنة إحدى وسبعين وله إحدى وثمانون سنة. ابن حجر، إصابة (٢/٢٩٤-٢٩٦) . ٣ عنون لها الواقدي بقوله (سرية خضرة أميرها أبو قتادة) . ٤ انظر الواقدي، مغازي (٢/٧٧٧-٧٨٠) . ٥ انظر الهيثمي، مجمع (٦/٢٠٦-٦٠٧)، ولم أجد له هذه الرواية بنفس السياق في المسند، بل وجدت رواية مختصرة، فربما كانت هذه الرواية من الجزء الساقط من المسند، والله أعلم.. ٦ النووي على مسلم (٩/٢١٠-٢١١) . ٧ اختلفت الروايات في تسمية الصحابي المستعين برسول الله ﷺ فرواية ابن خياط والطبري عن ابن إسحاق، والواقدي، وابن حجر ورد اسمه عندهم (عبد الله بن أبي حدرد) ونسبته رواية ابن هشام إلى أبيه، بينما وقع اسمه في رواية أحمد، ورواية البيهقي عن ابن إسحاق (أبو حدرد الأسلمي) ولعل الخلاف وقع لكون كل منهما له صحبة، فلعله اشتبه على بعض الرواة فجعلهما واحدا، أو أن كلمة ابن سقطت من بعض النساخ فتلقفها من بعده أبو حدرد، وباعتبار أن كليهما له صحبة لم يشك في الأمر وأمضاه. والله تعالى أعلم.
[ ١٨٨ ]
إمكانية رواية أبي هريرة ﵁ للخبر في الصحيح١.
كما أن منطقة عمليات السرية وهدفها الذي توجهت إليه يكاد يكون واحدا في كلا الروايتين، ففي رواية الصحيح أنه ﷺ بعثهم إلى بني عبس، وفي رواية الواقدي أنه بعثهم إلى غطفان نحو نجد، ومعلوم أن بني عبس من غطفان ومسكنهم في نجد٢ فرواية الصحيح أخص وأدق من رواية الواقدي.
وكذلك كون المرأة من الأنصار في الروايتين، وتقارب قيمة المهر المدفوع فيهما هو مائتا درهم في رواية الواقدي، وأربع أواق في رواية الصحيح، وقد صرح ابن حجر في "الإصابة" في رواية مختصرة ولكنها مماثلة لرواية الصحيح –خاصة فيما يتعلق بقيمة المهر- أنه ابن أبي حدرد نفسه٣.
فكل هذه القرائن٤ تعطينا بعض الدلائل التي يمكن بواسطتها الحكم بوحدة القصة، وبالتالي ترجيح رواية الواقدي الموافقة للصحيح على رواية ابن إسحاق الضعيفة من الناحية الحديثية٥ والتي يذكر فيها أن هذه السرية سرية استطلاعية بعثها رسول الله ﷺ إلى الغابة٦ بقيادة عبد الله بن أبي حدرد نفسه، وذلك
_________________
(١) ١ لأن أبا هريرة ﵁ لم يهاجر إلا بعد خيبر، والتاريخ الذي ذكره الواقدي للسرية هو شعبان سنة ثمان، كما أن ابن حجر قد ذكر أن أول مشاهد عبد الله الحديبية ثم خيبر. ٢ انظر الكلبي، جمهرة النسب (٤١٤) . ٣ ابن حجر، إصابة (٢/٢٩٥) . ٤ استدل بعض أهل المغازي بقرينة واحدة هي عدد سهمان الجيش على جعل هذه السرية هي السرية التي خرج فيها ابن عمر ﵄ وجاء ذكرها في الصحيحين. انظر ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٩)، والشامي، سبل (٦/٢٩٠)، وابن حجر، فتح (٨/٥٦)، والزرقاني، شرح (٢/٢٨٤) . ٥ وردت رواية ابن إسحاق بثلاث صيغ إحداها مبهمة أخرجها ابن هشام، والثانية منقطعة أخرجها البيهقي، والثالثة متصلة أخرجها عنه الطبري بسند ضعيف، فكل الروايات الثلاث لا تخلو من مقال. والله أعلم. ٦ الغابة: هي أرض من مقصر جبل أحد إذا أكنع في قناة إلى الشمال، تشمل مدفع وادي النقمي في الخليل، ويمكن اعتبار الخليل كله من الغابة. البلادي، معجم (٣٢٢) . وينقل عبد القدوس الأنصاري مشاهداته عن الغابة فيذكر: أنها أرض ذات شجر متكاثف وبها شقوق هائلة غائرة في بطن الأرض، وأنه لاحظ بأطراف هذه الشقوق تقوم شجيرات الأثل والطرفاء القصيرة. عبد القدوس الأنصاري، آثار المدينة المنورة (ص ١٢٦-١٢٧) . قلت: قد تغير حال الغابة الآن فلم تعد غابة كما كانت من قبل حيث دخل بعض أرضها في مزارع الخليل، والبعض الآخر أصبح أرضا جرداء فيها بقايا من الشجر الأثل القصير يحكي قصة الغابة المندثرة.
[ ١٨٩ ]
لاستطلاع خبر رجل من جشم بن معاوية يقال له رفاعة بن قيس –أو قيس بن رفاعة- كان قد أقبل "في بطن عظيم من جشم حتى نزل بقومه ومن معه بالغابة، يريد أن يجمع قيسًا على حرب رسول الله ﷺ، وكان عبد لله بن أبي حدرد قد استعان برسول الله ﷺ في صداق امرأة تزوجها وأصدقها مائتي درهم، فلم يجد رسول الله ﷺ ما يعينه به، فلما أقبل هذا الرجل بقومه، استدعاه رسول الله ﷺ، وبعثه ورجلين معه في هذه السرية، وفي الغابة تطورت المهمة وباجتهاد من أصحاب السرية من الاستطلاع إلى هجوم ليلي مكثف على حاضر القوم بعد قتل صاحبهم رفاعة بن قيس فنجحوا في ذلك وفر الأعراب بنسائهم وأطفالهم وما خف من أموالهم تاركين نَعَمًا كثيرة خلفهم١.
وساق الطبري الروايتين تحت عنوان (سرية وجهها رسول الله ﷺ في شعبان أميرها أبو قتادة) ٢.
أما بقية أهل المغازي فمنهم من تابع ابن إسحاق٣، ومنهم من تابع الواقدي٤. وفرق بنهما ابن سيد الناس، فساق روايتي ابن إسحاق والواقدي في مكانين مختلفين من كتابه باعتبار أنهما سريتان منفصلتان٥.
بينما جمع الشامي كعادته بين روايات أهل المغازي وأهل الحديث، واعتبرها حادثة واحدة٦.
أما الحلبي فبعد أن ساق الروايتين ذكر أن البعض اعتبرها قصة واحدة، ثم علق على ذلك بقوله: "ولا يخفى أن السياق في كل يبعد كونهما واحدة"٧.
_________________
(١) ١ انظر ابن هشام، سيرة (٤/٦٢٩) . ٢ انظر الطبري، تاريخ (٣/٣٤-٣٥) . ٣ انظر خليفة بن خياط، تاريخ (١٨٥)، والسهيلي، الروض (٧/٤٩١-٤٩٢)، والبيهقي، دلائل (٤/٣٠٣)، وابن القيم، زاد (٢/١٥٠)، وابن كثير، بداية (٤/٢٢٣-٢٢٤) . ٤ انظر ابن سعد، طبقات (٢/١٣٢-١٣٣)، لكنه لم يشر إلى مشاركة ابن أبي حدرد في السرية. ٥ انظر ابن سيد الناس، عيون (٢/٢٠٩-٢١١) . ٦ انظر الشامي، سبل (٦/٢٨٧) . ٧ انظر الحلبي، سيرة (٣/٢٠٦) .
[ ١٩٠ ]