سرية حمزة بن عبد المطلب ﵁ إلى سيف البحر
تنفيذًا لأمر الله ﷿ ودعوته لجهاد المشركين انطلقت طلائع الإيمان تبث الرعب في صفوف المشركين، فقد علم رسول الله ﷺ أن هناك قافلة قرشية محملة بالأموال والبضائع وهي في طريق عودتها إلى مكة من الشام، يقودها أبو جهل بن هشام، ويحرسها حوالي ثلثمائة راكب من فرسان قريش١، فجهز لها رسول الله ﷺ "دورية قتال اعتراضية قوتها" ثلاثون مجاهدًا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد٢ وعلى رأسهم أسد الله
_________________
(١) ١ ذكر معظم أهل المغازي المعتمدين كعروة بن الزبير أخرجه عنه البيهقي، دلائل (٣/١٠)، وابن إسحاق. انظر ابن خياط، تاريخ (٦٢)، ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، والطبري تاريخ (٢/٤٠٤-٤٠٥)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) والواقدي، مغازي (١/٩)، وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، والمدائني، أخرجه عمه العسكري في الأوائل (١/١٨٤)، وابن حزم، جوامع السيرة (١٠١)، وابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازي والسير (١٠٥) . والعامري، بهجة المحافل (١/١٧٦)، والقسطلاني، المواهب اللدنية (١/٧٥) . ولم يخالف إلا الزهري فيما رواه عنه موسى بن عقبة، وأخرجه عنه كل من البيهقي في الدلائل (٣/٩)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢١٧)، حيث ذكر أن عددهم كان ثلاثين ومائة راكب. وأعتقد أن ذلك هو الراجح؛ لأن ثلثمائة فارس لحراسة قافلة أمر مبالغ فيه، والله تعالى أعلم. قلت: ربما تحرف أحد الرقمين في وقت مبكر، والله أعلم. ٢ هذا ما أجمع عليه أهل المغازي غير ما انفرد به الواقدي من أنهم كانوا "شطرين خمسة عشر من المهاجرين، وخمسة عشر من الأنصار فكان من المهاجرين أبو عبيدة بن الجراح وأبوحذيفة بن عتبة بن ربيعة، وسالم مولى أبي حذيفة، وعامر بن ربيعة، وعمرو بن سراقة، وزيد بن حارثة، وكناز بن الحصين، وابنه مرثد بن كناز، وأنس مولى رسول الله ﷺ في رجال، ومن الأنصار: أبي بن كعب، وعمارة بن حزم، وعبادة بن الصامت، وعبيد بن أوس، وأوس بن خولي، وأبو دجانة، والمنذر بن عمرو، ورافع بن مالك، وعبد الله بن عمرو بن حزام، وقطبة بن عامر بن حديدة في رجال لم يسموا لنا"، ثم عاد الواقدي ليعقب برواية تناقض قوله رواها بسنده عن ابن المسيَّب، وعبد الرحمن بن سعبد بن يربوع، قالا: "لم يبعث رسول الله ﷺ أحدًا من الأنصار مبعثًا حتى غزا بنفسه إلى بدر، وذلك أنه ظن أنهم لا ينصرونه إلا في الدار، وهو المثبت. الواقدي، مغازي (١/٩-١٠) . وكذا جزم ابن سعد في "الطبقات" (٢/٧) إلا أن ابن سيد الناس ذكر في كتابه "نور العيون" ونقله عنه الزرقاني: أن ابن سعد قد ذكر في غزوة بواط مشاركة سعد بن معاذ ﵁ كحامل للواء، وأن ذلك يناقض قوله هذا، وقد حاول الزرقاني الذي أورد قول ابن=
[ ٨٤ ]
وأسد رسوله حمزة بن عبد المطلب ﵁.
وفي شهر رمضان من السنة الهجرية المباركة١ ارتفع أول لواء في سبيل الله تبارك وتعالى٢، وكان لونه أبيض، وحامله أبو مرثد كناز بن الحصين الغنوي ﵁ حليف حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه٣.
تحركت الدورية في (مسير اقترابي) سريع نحو الهدف المحدد لها وهو ساحل البحر الأحمر، حيث التقت بالقافلة القرشية ناحية العيص في منطقة نفوذ قبيلة جهينة "فالتفوا حتى اصطفوا للقتال"٤، وقبل أن يشتبك الطرفان في مواجهة دامية، تدخل رجل من كبار رجالات جهينة في وساطة سلام بينهم، فقام بجولات من المفاوضات المباشرة مع كل طرف على حدة حتى
_________________
(١) =سيد الناس أن يؤول ذلك التناقض. انظر الزرقاني، شرح (١/٣٩٠) . قلت: وبالرجوع إلى غزوة بواط في طبقات ابن سعد (٢/٨) نجده يذكر أن حامل اللواء فيها هو سعد بن أبي وقاص ﵁ وليس سعد بن معاذ ﵁ والذي ذكر أن رسول الله ﷺ قد استخلفه على المدينة، فلربما التبس الأمر على ابن سيد الناس ﵀ أو لعله اطلع على نسخة من الطبقات فيها غلط (نسخي) والله أعلم. ١ هذا ما جزم به أهل المغازي، فقد نقل الأموي في مغازيه ذلك عن موسى بن عقبة، وأبي معشر، والواقدي، وآخرين. انظر ابن حجر، فتح الباري (٧/٢٨٠)، كما أخرج البيهقي وابن كثير وابن سيد الناس عن موسى بن عقبة "نص الزهري على أن بعث حمزة قبل غزوة الأبواء". انظر البيهقي، دلائل (٣/٩)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) واللفظ له، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) . وروى العسكري ذلك عن المدائني. انظر أبا هلال العسكري، الأوائل (١/١٨٤) . أما ابن إسحاق فجعلها في السنة الثانية في شهر ربيع الأول منها. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، وابن جرير، تاريخ (٢/٤٠٤) ووافقه المدائني في رواية ثانية أخرجها عنه ابن خياط، تاريخ (ص ٦٢)، وإن كان قد خالفه بجعلها أول سرية، وأخرها ابن حزم وابن عبد البر إلى شهر ربيع الآخر من نفس السنة. انظر ابن حزم، جوامع (١٠١)، وابن عبد البر، درر (١٠٥) وهناك قول نقله الزرقاني عن ابن عبد البر في أنها كانت بعد شهر ربيع الآخر راجع الزرقاني، شرح (١/٣٩٠) . ٢ سبق الحديث عن الخلاف في أول لواء ارتفع في سبيل الله تعالى. ٣ هو كنَّاز بتشديد النون وآخره زاي، ابن الحصين بن يربوع الغنوي، أبو مرثد، بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة. صحابي بدري، مشهور بكنيته، مات سنة اثنتي عشرة من الهجرة. ابن حجر، تقريب (٤٦٢) . ٤ من رواية ابن سعد، طبقات (٢/٦) .
[ ٨٥ ]
تمكن أخيرًا من النجاح في مساعيه السليمة "فحجز بينهم مخشى١ بن عمرو الجهني وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعًا، فلم يعصوه فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم، فلم يكن بينهم قتال"٢ ٣.
وقد كانت نتائج هذه السرية على المعسكر الوثني سيئة للغاية حيث هزت كيان قريش وبثت الرعب في نفوس رجالها، وفتحت أعينهم على الخطر المحدق بهم والذي أصبح يهدد طريق تجارتهم، وبالتالي اقتصادهم.
أما المسلمون فقد كانت نتائجها عليهم إيجابية حيث تصاعدت الروح الحماسية بينهم، وأعطتهم بعدًا عميقًا من الثقة بالنفس والجرأة على عدوهم، ذلك الذي استطاعوا ولأول مرة الوقوف في وجهه بقوة أبهرت قريش وأدهشتهم "قال أبو جهل حين قدم مكة منصرفه عن حمزة: يا معشر قريش إن محمدًا قد نزل يثرب وأرسل طلائعه، وإنما يريد أن يصيب منكم شيئًا، فاحذروا أن تمروا طريقه، وأن تقاربوه فإنه كالأسد الضاري، إنه حنق٤ عليكم نفيتموه نفي
_________________
(١) ١ وقع اسمه في روايات أهل المغازي الآخرين غير رواية عروة، والزهري أنه (مجدي بن عمرو) وليس (مخشي بن عمرو) ولكن ذلك مخالف لرواية الصحيح، فقد ذكر مسلم في صحيحه خروج رسول الله ﷺ في غزوة بواط وهو يطلب (المجدي بن عمرو الجهني) . صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/١٣٨) فربما تصحف الاسم على بعض الرواة قديمًا، ولأنه لو كان هو مجدي بن عمرو وكان حليفًا للمسلمين لما خرج رسول الله ﷺ في طلبه في غزوة بواط المتأخرة عن هذه السرية، أو أنه هو ولكنه نقض حلفه بعد ذلك مع المسلمين، والله تعالى أعلم بالصواب. ٢ من رواية عروة وموسى بن عقبة عن الزهري، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٣/٩) واللفظ له. ٣ أخرجه البيهقي، دلائل (٣/٩-١٠)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٣)، والزرقاني، شرح (١/٣٩٠) من مراسيل عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ورواه ابن إسحاق بلا سند، وأخرجه عنه كل من: ابن خياط، تاريخ (٦٢)، وابن هشام، سيرة (٢/٥٩٥)، والطبري: (٢/٤٠٤-٤٠٥)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧)، وابن كثير، بداية (٣/٢٤٤) . ورواه الواقدي، مغازي: (١/٩) وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (١/٣٧١)، والمدائني، وأخرجه عنه خليفة بن خياط، تاريخ (٦٢)، والعسكري، أوائل (١/١٨٤)، كما أخرجه الأموي في مغازيه والزرقاني في شرحه على المواهب كلاهما عن أبي معشر السندي. انظر ابن حجر، فتح (٧/٢٨٠)، والزرقاني ، شرح (١/٣٩٠) ورواه أيضًا ابن حزم، جوامع (١٠١)، وابن عبد البر، درر (١٠٥)، والخبر وإن كان في بعض طرقه ضعف لكنه قد بلغ حد التواتر بين أصحاب المغازي مما يجعلنا نستأنس لقبوله لكثرة شواهده وإجماعهم عليه، والله تعالى أعلم بالصواب. ٤ الحنق – محركة -: الغيظ أو شدته (القاموس: الحنق) .
[ ٨٦ ]
القردان١ على المناسم٢، والله إن له سحرة، ما رأيته قط ولا أحدًا من أصحابه إلا رأيت معهم الشياطين وإنكم عرفتم عداوة ابني قيلة٣ فهو عدو استعان بعدو"٤.
ولما بلغ النبي ﷺ ما دار بينهم من حوار نتيجة ردة فعلهم نحو شرارة الإنذار الأولى التي أطلقها تجاههم قال: "والذي نفسي بيده لأقتلنهم ولأصلبنهم ولأهدينهم، وهم كارهون، إني رحمة بعثني الله – ﷿ – ولا يتوفاني حتى يظهر الله دينه، لي خمسة أسماء، أنا محمد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على يدي، وأنا العاقب" ٥.
_________________
(١) ١ القردان: جمع قراد وهي دويبة تعض الإبل (اللسان: قرد) . ٢ المنسم: بكسر السين: طرف خف البعير والنعامة والفيل والحافر، وقبل: هو للناقة كالظفر للإنسان (اللسان: نسم) . ٣ كنابة عن الأوس والخزرج، فقيلة أمهم وكانوا ينسبون إليها. ٤ انظر ابن هشام، سيرة (١/٢١٨-٢١٩) . ٥ رواه الطبراني وجادة من طريق أحمد بن صالح المصري. الطبراني سليمان بن أحمد، المعجم الكبير (١٢٣-١٢٤) وقال عنه الهيثمي: ورجاله ثقات. الهيثمي، مجمع (٦/٦٨) . قلت: الحديث ضعيف الإسناد، وذلك لوجود إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز الزهري، قال ابن عدي: عامة حديثه مناكير، وقال البخاري: سكتوا عنه. انظر البخاري محمد بن إسماعيل، التاريخ الكبير (١/١/٣٢٢)، وابن عدي عبد الرحمن، الكامل في الضعفاء (١/٢٥١) ولا معول لتوثيق الهيثمي لرجاله لأنه معروف بتساهله في هذا المجال، ولكن الخبر هنا تاريخي ويمكن الاستئناس به تارخيًّا لمناسبته لسياق الأحداث قبله، أما الجزء الأخير منه فله شواهد كثيرة تقويه، البعض منها ورد في الصحيحين. انظر، ابن حجر، فتح الباري (٦/٥٥٤)، وصحيح مسلم بشرح النووي (١٥/١٠٤-١٠٥)، وأحمد. انظر البنا، الفتح (٢/١٨٧-١٨٨) وهي في الطبراني، المعجم (٢/١٢٠، ١٢١، ١٢٢) .
[ ٨٧ ]