﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾
[النجم/٢٠]
_________________
(١) ١ لم ترد حول هذه السرية روايات صحيحة أو حسنة، لذا كان الاعتماد على أقوال الإخباريين وروايات أهل المغازي المتخصصين بعد نقد متونها.
[ ٢٨٥ ]
قال الله تعالى ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ ١.
مناة بفتح الميم والنون الخفيفة٢ اسم صنم كانت على ساحل البحر الأحمر مما يلي قديدا٣ في منطقة تعرف بالمشلل٤. وكانت للأوس والخزرج وغسان ومن دان بدينهم، يعبدونها ويعظمونها في الجاهلية ويهلون منها للحج، وقد بلغ من تعظيمهم إياهم كانوا لا يطوفون بين الصفا والمروة تحرجًا وتعظيمًا لها حيث كان "ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة لم يطف بين الصفا والمروة"٥.
ولم تزل هذه عادتهم حتى أسلموا " فلما قدموا مع النبي ﷺ للحج ذكروا
_________________
(١) ١ النجم (٢٠) . ٢ ابن حجر، فتح (٨/١٧٥)، وقال عنها: والطاغية صفة لها، إسلامية. وقال الشوكاني: قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة، وقرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة، فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمني أي: صب؛ لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها، وأما القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل: هما لغتان للعرب. فتح القدير (٥/١٠٨) . ٣ سبق التعريف بها. ٤ المشلل: قال عنها البكري: والمشلل من قديد وبالمشلل كانت مناة. وقال مالك: كانت حذو قديد. البكري، معجم ما استعجم (٣/١٠٥٥) . قلت: ورد ذلك في حديث عائشة ﵂ عند البخاري"وكانت مناة حذو قديد". ابن حجر، فتح (٨/١٧٥) . وقال الحموي: والمشلل الطرد، وهو جبل يهبط منه إلى قديد من ناحية البحر. معجم (٥/١٣٦) . ويقول البلادي: المشلل ثنية تأتي أسفل قديد من الشمال إذا كنت في بلد صعبر بين رابغ والقضيمة، كانت المشلل مطلع شمس مع ميل إلى الجنوب، وحرة المشلل هي التي تراها من تلك القرية، سوداء مدلهمة تشرق الشمس عليها وفيها كانت مناة الطاغية، ومحلها معلوم. البلادي، معجم (٢٩٨) . ٥ حديث صحيح موقوف على عائشة ﵂ رواه مسلم وهذا لفظه. النووي على مسلم (٩/٢٤)، وانظر روايات عائشة ﵂ حول ذلك عند البخاري. ابن حجر، فتح (٨/١٧٥، ٣/٤٩٨)، وعند مسلم. النووي على مسلم (٩/٢٢-٢٣-٢٤)، وعند أحمد بسند صحيح. البنا، الفتح (١٨/٧٩) . وانظر رواية ابن إسحاق حول نفس الموضوع. ابن هشام، سيرة (١/٨٥)، وهناك روايات عن قتادة، والضحاك، وابن هشام يذكرون فيها أنها كانت لخزاعة وهذيل. وقال الشوكاني: هي صنم بني هلال. أما ابن زيد فيقول: لبني كعب. انظر الزرقاني، شرح (٢/٣٤٩)، والشوكاني، فتح (٥/١٠٨) .
[ ٢٨٦ ]
ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية"١.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ ٢.
وقد كان أول من نصبها لهم مؤسس الشرك في الجزيرة العربية ومبتدع الأوثان محرف الحنيفية دين إبراهيم ﵇ الخزاعي عمرو بن لحي٣.
ولما كان الفتح الأعظم في السنة الثامنة من الهجرة سنة تحطيم الأوثان وبالتحديد في الرابع والعشرين من شهر رمضان٤ بعث رسول الله ﷺ إليها رجلا من أهلها سابقا الذين كانوا يعظمونها في الجاهلية وهو سعد بن زيد الأشهلي ﵁ على رأس سرية قوتها عشرون فارسًا٥ وكان واجب السرية هو إزالة مناة من الوجود نهائيًّا.
_________________
(١) ١ صحيح موقوف أخرجه مسلم عن عروة عن عائشة ﵂. النووي على مسلم (٩/٢٢) . ٢ البقرة (١٥٨) . ٣ قال ابن حجر: وبذلك جزم محمد بن إسحاق فيما رواه الفاكهي من طريق عثمان بن ساج عنه. فتح الباري (٣/٤٩٩) . وانظر الفاكهي، أخبار مكة (٥/١٦٣) كما ذكر ذلك ابن الكلبي في الأصنام، (ص ١٣)، وانظر قصة عمرو بن لحي في الصحيح، وأن رسول الله ﷺ رآه يجر أمعاءه في النار، وذلك جزاء فعله هذا. ابن حجر، فتح (٦/٥٤٧) . ٤ رواه ابن سعد عن جمع من شيوخه بلفظ قالوا. الطبقات (٢/١٤٦)، وتابعه نقلا عنه اليعمري، عيون (٢/٢٣٨)، والشامي بدون أن يشير إلى ذلك، السبل (٦/٣٠٤) . وقال الزرقاني: فكان اللائق تقديمها على العزى، لكنه قدمها عليها تبعا للعيون وغيرها لتقديمها في الذكر العزيز، وللاهتمام بشأن ذكر هدمها لأنها كانت من أصنام قريش. انظر الزرقاني، شرح (٢/٣٤٩) . ويذكر ابن الكلبي أن رسول الله ﷺ بعث عليًّا ﵁ إليها بعد توجهه من المدينة إلى مكة بأربع ليال أو خمس وذلك سنة ثمان للهجرة، الأصنام (ص ١٥)، كما ذكرها ضمن أحداث سنة ثمان من الهجرة الطبري وابن كثير كلاهما نقلا عن الواقدي. الطبري، تاريخ (٣/٦٦)، ابن كثير، تفسير (٤/٣٧٥)، وأشار إليها الواقدي في حوادث سنة ثمان (٢/٨٧٠) . ٥ يذكر ابن كثير والزرقاني عن ابن إسحاق: أن المبعوث هو أبو سفيان بن حرب ﵁ وليس سعدا، انظر ابن كثير، تفسير (٥/٢٥٤)، والزرقاني، شرح (٢/٣٤٩)، في حين أن القائل بذلك هو ابن شام في زوائد السيرة. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٦)، ويوافق الواقدي في رواية الطبري وابن كثير عنه انظر ابن كثير، بداية (٤/٣٧٥)، والطبري، تاريخ (٣/٦٦)، ويذكر ابن الكلبي وابن هشام في رواية أنه كان عليَّ بن أبي طالب ﵁.
[ ٢٨٧ ]
انطلق زيد ومن معه في مسير اقترابي سريع لإنجاز المهمة المحددة حتى وصل إليها فقابله سادنها متسائلًا: ما تريد قال: هدم مناة، قال: أنت وذاك، فأقبل سعد يمشي إليها، وتخرج إليه امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس تدعو بالويل وتضرب صدرها"١.
فصاح بها السادن صيحة الواثق: "مناة دونك بعض عصاتك"٢ ولكن صيحته ذهبت أدراج الرياح، فلم يأبه سعد ﵁ بكل ذلك ويضربها ضربة إيمانية قاتلة قضت عليها، ثم يقبل على الصنم مع أصحابه "فهدموه ولم يجدوا في خزانتها شيئا، وانصرف راجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم٣ ٤.
وتزول مناة من الوجود كما زالت من قبل من القلوب، ويطوف الأنصار بين الصفا والمروة من غير جناح ولا حرج.
ومن الأمور العجيبة المضحكة ما ذكره الذهبي عن بعض المخرفين من مشركي الهند أنهم كانوا يعتقدون في صنمهم المسمى (سومنات) أنه هو مناة "وأنه تحوَّل بنفسه في أيام النبوة من ساحل جدة، وحصل بهذا المكان ليُقصد ويُحج معارضة للكعبة"٥ "وكانوا يقولون: أنه يرزق ويُحيى ويُميت
_________________
(١) ١ رواه ابن سعد عن جمع من شيوخه بلفظ قالوا. ابن سعد، طبقات (٢/١٤٦) . ٢ المصدر السابق. ٣ المصدر السابق. ٤ خبر السرية انفرد به ابن سعد بين أهل المغازي فرواه عن جمع شيوخه بلفظ قالوا، وشيوخ ابن سعد الذين صدرهم كتابه الطبقات فيهم الثقات وفيهم الضعفاء. انظر ابن سعد، طبقات (٢/٥، ١٤٦)، كما نقل الطبري رواية عن شيخ ابن سعد الواقدي حول الخبر لكنها مقتضبة. انظر الطبري، تاريخ (٣/٦٣)، وكذلك رواه ابن هشام في زوائد السيرة. انظر ابن هشام، سيرة (١/٨٦) . إذًا فالخبر ضعيف من الناحية الحديثية ويمكن الاستئناس به تاريخيًّا حيث ذكر أهل المغازي أن رسول الله ﷺ أرسل بعض السرايا لتحطيم الأصنام في الجزيرة العربية ولا يمكن استثناء مناة من ذلك لكونها أحد أكبر طواغيت في الجزيرة. والله أعلم.
[ ٢٨٨ ]
ويسمع ويعي، يحجون إليه ويتحفونه بالنفائس ويتغالون فيه كثيرا، فتجمع عند هذا الصنم مالّ يتجاوز الوصف، وكانوا يغسلونه كل يوم بماء وعسل ولبن وينقلون إليه الماء من نهر حيل مسيرة شهر، وثلاثمائة يحلقون رؤوس حجاجه ولحاهم، وثلاثمائة ويغنون"١.
وسومنات هذا كان في معبد شهير في الهند في مدينة كُجرات على شاطىء بحر العرب، وكان المعبد مبنيًّا على ست وخمسين سارية من الساج المصفح بالرصاص والذهب المرصعة بالأحجار الكريمة. أما سومنات الصنم نفسه فكان من حجر طوله خمسة أذرع، ثلاثة مدورة ظاهرة واثنتان في البناء وكان في حجرة مظلمة تضيئها قناديل الجوهر الفائق، كما كان عنده سلسلة ذهبية وزنها مائتا منِّ، وعنده خزانه فيها عدة الأصنام الذهبية والفضية المرصعة بالجواهر، وعلى رأس الصنم تاج لا يُقوَّم يندهش منه الناظر، وله من الوقف ما يزيد على عشرة آلاف قرية. وقد أصبحت كل تلك النفائس العظيمة غنيمة للمسلمين من جند البطل المسلم فاتح الهند السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي الذي سار بجيش ضخم قوامه ثلاثون ألف فارس غير المتطوعين والرجالة، فقطعوا القفار والمفاوز وقاسوا المشاق حتى وصلوا إلى هذا الصنم وحطموه بعد أن هزموا المدافعين عنه شر هزيمة وأحرقوا الصنم حتى صار كلسًا وألقيت النيران في المعبد٢، وكانت الهنادك يعتقدون أن سومنات مانعهم من المسلمين وأنه لا يلبث أن ينزل بهم غضبه الشديد، ولكنهم ما لبثوا أن تحسروا وسُقط في أيديهم وهم يرونه صريعًا مَهينًا، وكان كهنته قد توسلوا إلى السلطان ألا يمس معبودهم ويعطونه ما شاء من مال، ولكنه أبى فإنه لم يخرج لطلب المال وإنما خرج لإعلاء كلمة الله وهدم هذه الأصنام التي تعبد من دون الله"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ أعادت الحكومة الهندية بعد استقلالها بناء هذا المعبد من جديد وافتتحه رئيس الجمهورية في احتفال كبير. ٣ انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء (١٧/٤٩٠-٤٩١)، وعبد المنعم النمر، تاريخ
[ ٢٨٩ ]