سرية عبيدة بن الحرث ﵁ إلى رابغ
"وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله"..
سعد بن أبي وقاص ﵁.
صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) .
[ ٨٩ ]
عندما خرج رسول الله ﷺ إلى الأبواء غازيًا "يريد قريشًا١ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة"٢ وفاتته القافلة القرشية أحيط علمًا ما يبدو بواسطة أحد عيونها بتوقفها في منطقة رابغ الساحلية فجهز لها (دورية قتال اعتراضية) بإمرة "عبيدة بن الحارث"٣ في ستين رجلًا"٤ "من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من الأنصار أحد"٥ "وعقد له لواءً أبيض كان الذي حمله مسطح بن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف"٦.
انطلقت الدورية في (مسيرها الاقترابي) ٧ حتى وصلوا إلى رابغ "فلقوا
_________________
(١) ١ يذكر الواقدي أنها قافلة تجارية لقريش. الواقدي، مغازي (١/١٢) وأعتقد والله أعلم أنها كذلك حيث لم ينقل أهل المغازي أن قريشًا بعثت جيشًا لحرب المسلمين في تلك المنطقة قبل بدر. ٢ رواه ابن إسحاق بلا سند. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥١٩)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠) . ٣ هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم قديمًا وكان رأس بني عبد مناف حينئذ مع أن العباس وإخوته كانوا في التعدد أقرب، وكان مع النبي ﷺ بمكة ثم هاجر وشهد بدرًا وجُرح فيها ثم مات في الطريق إلى المدينة ودفن في الصفراء. وهو أسن من رسول الله ﷺ بعشر سنين. انظر ابن سعد، طبقات (٣/٥٠)، وابن حجر، إصابة (٢/٤٤٩) . ٤ أخرجه أبو الأسود في مغازيه عن عروة، ووصله ابن عائذ من حديث ابن عباس. انظر ابن حجر. فتح (٧/٢٨٠) . ٥ أخرجه البيهقي من حديث عروة، وحديث الزهري من طريق موسى بن عقبة واللفظ له. البيهقي، دلائل (٣/٨-٩-١٠) . ٦ من رواية ابن سعد، طبقات (٢/٧)، ومسطح هو ابن أثاثة بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي، كان اسمه عوفًا، وأما مسطح فهو لقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر، أسلمت وأسلم أبوها قديمًا، وكان أبو بكر يمونه لقرابته منه، فلما خاض مع أهل الإفك في أمر عائشة حلف أبو بكر أن لا ينفقه فنزلت ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الآية [النور: ٢٢]، فعاد أبو بكر إلى الإنفاق. ابن حجر، الإصابة (٣/٤٠٨) . ٧ اختلف أهل المغازي في كيفية خروج هذه السرية، وكذا في تاريخ خروجها، ففي رواية عروة التي وصلها ابن عائذ عن ابن عباس ﵄ يذكر أن النبي ﷺ بعثها من الأبواء التي كانت في صفر على رأس اثني عشر شهرًا بإجماع أهل المغازي. ابن حجر، فتح (٧/٢٨٠) . وأخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن رسول الله ﷺ أرسلها بعد رجوعه من الغزوة مباشرة. البيهقي، دلائل (٣/٩)، وكذا أخرج ابن سيد الناس عن موسى بن عقبة. ابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) ونسب ابن إسحاق هذا القول إلى بعض العلماء، ولكنهم خالفهم فذكر أنه ﷺ بعثها بعد أن أقام بالمدينة بقية شهر صفر أو صدرًا من ربيع الأول. ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١-٥٩٢)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠)، وزاد ابن حزم، وابن عبد البر شهرًا على قول ابن إسحاق. انظر ابن حزم، جوامع (١٠٠)، وابن عبد البر، درر (١٠٤) . أما الواقدي ومتابعوه فقد جعلوها في السنة الأولى على رأس ثمانية أشهر. انظر الواقدي، مغازي (١/١٠)، وابن سعد طبقات (٢/٧)،=
[ ٩٠ ]
بعثًا عظيمًا من المشركين١ على ماء يدعى الأحياء من رابغ"٢.
وهناك حدثت أول مواجهة عسكرية بين المسلمين والمشركين "وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال"٣ ولكن القتال اتخذ طابع المناوشة بالسهام فقط، فكان سعد بن أبي وقاص ﵁ "أول العرب رمى بسهم في سبيل الله"٤ في تلك المعركة التي لم تستمر طويلًا إذ قرر الفريقان الانسحاب من أرضها.
وقد كان انسحاب المسلمين قويًّا ومنظمًا حيث انسحبوا في قتال (تراجعي تعطيلي) ٥ بواسطة حامية منهم تغطي انسحابهم حتى هبطوا ثنية المرة، وكان بطل هذا الانسحاب الناجح سعد بن أبي وقاص ﵁ الذي كان له الدور الأكبر في تشتيت وإحباط استعدادات العدو لشن أي هجوم مضاد وذلك بوابل من السهام المزعجة التي قذفها نحوه، والتي كونت (ساترًا دفاعيًا) مهد لانسحاب سليم منظم بالنسبة للمسلمين، وانسحاب متوتر مرعوب بالنسبة للمشركين، هذا وقد فر عتبة بن غزوان، والمقداد بن الأسود يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك، فتوصلا بالمشركين حتى خرجا إلى
_________________
(١) =والبلاذري، أنساب (٣٧١) . ١ اختلف أصحاب المغازي في قائد المشركين حيث ذكر ابن إسحاق أنه عكرمة بن أبي جهل في رواية البكائي. انظر ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١)، وهو أبو سفيان بن حرب في رواية ابن بكير عنه البيهقي، دلائل (٣/١٠) وجزم بذلك الواقدي ومتابعوه. الواقدي، مغازي (١/١٠)، وانظر جزم الواقدي بذلك عند الطبري. تاريخ (٢/٤٠٢)، وابن كثير، بداية (٢/٢٢٣) وابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، وينقل ابن هشام في زياداته على ابن إسحاق من طريق أبي عمرو المدني: "أنه كان عليهم مكرز بن حفص بن الأخيف". ابن هشام، سيرة (٣/٥٩٢) . ٢ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/٩) . ٣ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/٩) . ٤ أخرجه البخاري واللفظ له. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣، ١١/٢٨٢) وذكر ابن حجر عن الزبير بن بكار أن ذلك كان في هذه السرية، كما أخرجه الترمذي. انظر الألباني، صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) . ٥ القتال التراجعي: هو ذلك الوضع الكريه أثناء الانسحاب، عندما يكون القسم الأكبر من قواتنا قد فشل في تحقيق تراجع سليم، وتتورط قواتنا في قتال مع العدو أثناء التحرك للخلف: باهر عبد الهادي، مصطلحات عسكرية (ص: ٤٧) .
[ ٩١ ]
عبيدة وأصحابه"١ ٢ وقد تحققت في هذه السرية بعض الأوليات المهمة في تاريخ الصراع الإسلامي الوثني على المستويين العام والخاص. فعلى المستوى العام اعتبرت أول مواجهة عسكرية بين الطرفين، بعد انقضاء سنة كاملة على أول مواجهة انتهت سلميًّا دون قتال. أما على المستوى الخاص فقد حقق سعد بن أبي وقاص ﵁ من خلال هذه السرية سبقًا عسكريًا إسلاميًا يسجل في سجله الحافل بالإنجازات على امتداد حياته التي أفناها في سبيل إعلاء كلمة الله منذ أن نطق بالشهادتين فكان ثلث الإسلام٣، ثم أهريق على يديه أول دم في سبيل الله٤ ومرورًا بمشاركته الجهادية الفعالة مع رسول الله ﷺ وانتهاءً بالقادسية والمدائن وفتح فارس، وبناء الكوفة أول مدينة إسلامية خارج الجزيرة العربية.
كما أكدت هذه السرية استمرار سياسة رسول الله ﷺ التعبوية الخاصة بحشد المهاجرين فقط في الغزوات والسرايا الأولى حتى بدر تنفيذًا لاتفاقية العقبة الثانية.
_________________
(١) ١ من رواية عروة والزهري عند البيهقي، دلائل (٣/١٠) . ٢ الخبر عزاه ابن حجر في الفتح إلى أبي الأسود، وأنه ذكر ذلك في مغازيه عن عروة. ابن حجر، فتح (٧/٨٠)، ولا أدري هل اطلع ابن حجر على مغازي أبي الأسود فروى ذلك منها مباشرة أم لا؟، لأن البيهقي، وابن سيد الناس أخرجاه بسنديهما عن أبي الأسود بطريق واحدة هي طريق ابن لهيعة (راجع البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١)، وكان ابن حجر قد ذكر أن ابن عائذ وصله من حديث ابن عباس. قلت: ولكن في سنده عثمان بن عطاء الخراساني (ضعيف)، وأبوه (صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس) . انظر ابن حجر، تقريب (٣٨٥، ٣٩٢)، ولكن البيهقي وابن كثير أخرجاه بطريق أخرى هي طريق موسى بن عقبة عن الزهري. البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن كثير، بداية (٢٤٤)، والبيهقي وابن سيد الناس من طريق موسى بن عقبة. البيهقي، دلائل (٣/٨)، وابن سيد الناس، عيون (١/٢٧١) كما رواه ابن إسحاق بلا سند انظر ابن خياط، تاريخ (٦١)، ابن هشام، سيرة (٢/٥٩١)، والطبري، تاريخ (٢/٤٠٤)، والبيهقي، دلائل (٣/١٠-١١) ورواه أيضا الواقدي مغازي (١/١١)، وأخرجه عنه الطبري، تاريخ (٢/٤٠٢)، ورواه ابن سعد، طبقات (٢/٧)، والبلاذري، أنساب (٣٧١)، وابن حزم، جوامع (١٠٠)، وابن عبد البر، درر (١٠٤)، وبالنظر إلى الطرق التي ورد بها الخبر نجد أنها لا ترتقي به إلى مرتبة الصحيح أو الحسن ولكن الخبر تاريخي، ويلاحظ إجماع أهل المغازي عليه مما يقوي الظن بقبوله. كما أن طرفًا من الخبر ورد في الصحيح. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣، ١١/٢٨٢) وكأنه منتزع من القصة مما يعطي الخبر نوعًا من التأييد، والله تعالى أعلم بالصواب. ٣ أخرجه البخاري في مناقب سعد. انظر ابن حجر، فتح (٧/٨٣) . ٤ أخرجه الترمذي. انظر الألباني، صحيح سنن الترمذي (٢/٢٧٧) .
[ ٩٢ ]