بعث عمرو بن العاص ﵁ إلى سواع١
﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا﴾
[نوح/٢٣]
_________________
(١) ١ لم ترد حول موضوع هذا البعث روايات مسندة يمكن الحكم على إسنادها ومن ثم الاعتماد عليها، فكان من الضروري الاعتماد على روايات أهل المغازي ومناقشتها. وسواع: بالسين المضمومة، والعين المهملة بينهما ألف، وسمي باسم سواع بن نوح ﵇. انظر الشامي، سبل (٦/٣٠٣)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٩) .
[ ٢٩١ ]
قال الله تعالى مخبرًا عن قوم نوح ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ١.
وسواع المذكور ضمن هذه الأصنام: هو اسم صنم كان لقوم نوح ﵇ ثم صار بعد ذلك لقبيلة هذيل المضرية٢.
روى البخاري تعليقا عن ابن عباس ﵄، قال: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد، أما وَدٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع"٣.
ويوضح لنا ابن الكلبي كيف صار سواع صنمُ قوم نوح صنمًا لهذيل بعد كل تلك السنين الطويلة، فيذكر أن مبتدع الأوثان للعرب عمرو بن لحي الخزاعي كان له قرين من الجن، فأتاه يوما وأخبره أن أصنام قوم نوح المشهورة قد دفعها الطوفان إلى ساحل جدة٤ وطمرتها الرمال، وأمره أن يستخرجها ويخرج بها إلى تهامة في موسم الحج ويدعو العرب إلى عبادتها٥ ففعل وكان ممن أجاب دعوته قبيلة مضر، فدفع إلى رجل من هذيل سواعًا حيث نصبه لهم في منطقة يقال لها رهاط، وكانت سدنته منهم بني لحيان٦ وكان سواع هذا
_________________
(١) ١ نوح: (٢٣) . ٢ ذكر ذلك ابن إسحاق بلا سند، سيرة ابن هشام (١/٧٨)، وابن الكلبي، الأصنام (٥٦)، والجوهري، (صحاح، باب العين، فصل السين)، وانظر رواية ابن عباس عند البخاري التي سنذكرها الآن. ٣ أخرجه البخاري موصولا إلى ابن جريج، ومعلقا عن ابن عباس، وانظر تعليق ابن حجر عليه. فتح الباري (٨/٦٦٧-٦٦٨) . ٤ هي: مدينة جدة المعروفة اليوم. ٥ ابن الكلبي، الأصنام (ص ٥٦) . قلت: قد يستبعد البعض هذه القصة لضعف سندها ولاستحالة بقاء تلك الأصنام على حالتها كل هذه المدة، ولكن بغض النظر عن صحة سند الرواية فإن علم الآثار والحديث قد يؤيد هذه الرواية، فكثير من الحفريات والآثار البالغة القِدم حتى قبل عهد نوح بسنين وجدت مدفونة تحت الرمال وبحالة جيدة والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ يذكر ابن حجر عن ابن إسحاق أن رهاط بضم الراء وتخفيف الهاء من أرض الحجاز من جهة الساحل. فتح الباري (٨/٦٦٨) .=
[ ٢٩٢ ]
حجرًا على صورة امرأة كما ذكر الواقدي١.
وظل هذا الوثن منصوبا تعبده هذيل وتعظمه حتى إنهم كانوا يحجون إليه٢ حتى فُتحت مكة ودخلت هذيل فيمن دخل في دين الله أفواجا.
بعث رسول الله ﷺ سرية بقيادة عمرو بن العاص ﵁ لتحطيم سواع.
ويحدثنا قائد السرية عن مهمته، فيقول: "فانتهيت إليه وعنده السادن، فقال: ما تريد؟، قلت: أمرني رسول الله ﷺ أن أهدمه، قال: لا تقدر على ذلك، قلت: لِمَ؟، قال: تُمنع، قلت: حتى الآن أنت في الباطل، ويحك وهل يسمع أو يبصر، قال: فدنوت منه فكسرته وأمرت أصحابي فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا شيئًا، ثم قلت للسادن: كيف رأيت؟. قال: أسلمت لله"٣.
وهكذا تم القضاء على سواع الذي لم يجد من يدافع عنه بقوله: "ولا تذرن سواعًا".
_________________
(١) =ويقول ابن الكلبي: سواع كان بأرض يقال لها رهاط من بطن نخلة بعيدة من مضر، ابن الكلبي، الأصنام (ص ٥٧٠) . ويذكر الشامي نقلا عن الجوهري: إنها قرية جامعة على ثلاثة أميال من مكة ساحل البحر. سبل (٦/١٠٣) . قلت: لم يرد هذا الكلام في نسخة الصحاح المتداولة، ولعل الشامي اطلع على نسخة مغايرة. ويذكر ابن الكلبي في مكان آخر من كتابه "الأصنام" أنه كان برهاط من أرض ينبع. ابن الكلبي، الأصنام (ص ٩)، وربما كان ذلك ذهولا منه فإن رهاط تقع بعيدا عن ينبع، ولا أدري كيف وقع ذلك التناقض منه ﵀ حيث لم يذكر أحد وجود مكان في منطقة ينبع يسمى برهاط، كما أن ديار هذيل وهم أهل هذا الصنم وسدنته سابقا بعيدة عن منطقة ينبع. يقول البلادي: رهاط واد هو صدر وادي غران، ووادي غران يمر شمال عسفان على نحو (٨٥) كيلا من مكة شمالا، وكان من ديار هذيل، أما اليوم فهو مشترك بين الروقة من عتيبة، ومعبد بن حرب، البلادي، معجم (١٤٣) . ١ ذكر ذلك عن الواقدي الطبري. تاريخ (٣/٦٦) . وذكر ابن حجر أن هذا شاذ. فتح الباري (٨/٦٦٩) . ٢ ذكره عن الواقدي وابن سعد، الشامي، سبل (٦/٣٠٣) . ٣ الخبر رواه ابن سعد عن جمع شيوخه وهذا لفظه. طبقات (٢/١٤٦) . كما رواه الواقدي، مغازي (٢/٨٧٠)، ونقله عنه بإيجاز الطبري، تاريخ (٣/٦٦)، والشامي عنه وعن ابن سعد، سبل (٦/٣٠٣)، والحلبي، سيرة (٣/٢٠٩) دون أن يشير إلى ذلك. وبهذا يكون الخبر ضعيفًا حديثيًّا، ولكنه يدخل ضمن نطاق الأخبار التي ذكرت بعث النبي ﷺ بعض السرايا والبعوث لتحطيم الأصنام بعد فتح مكة، وسواع أحد هذه الأصنام، وبذلك يمكن الاستئناس بهذا الخبر تاريخيًّا. والله أعلم.
[ ٢٩٣ ]