مقدمة
بعد أن استقر المقام بالمسلمين في المدينة النبوية، عاصمة الإسلام الأولى، ومأزره، بدأ العمل الدءوب الشاق لتثبيت دعائم الدولة الإسلامية، التي كانت فتية وفي طور الإنشاء والتكوين.
وكان رسول الله - ﷺ - قد أخذ على عاتقه النهوض بهذه الدولة، فقام بعدة مبادرات سريعة لحل بعض المشكلات العارضة، وإن كانت في حد ذاتها تمهيدًا (لاستراتيجيات) بعيدة المدى.
فعلى النطاق الاجتماعي سن نظام المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ذلك النظام الذي استطاع به أن يحل مشكلة المجتمع المسلم في المدينة والذي تكون من فئات مختلفة ومستويات متفاوتة حتى أصبح بفضل من الله ﵎ مجتمعًا واحدًا مترابطًا انصهر تدريجيًّا في بوتقة الإيمان فذاب فيها.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ ١.
هذه المبادرة – وإن كانت حلًاّ وقتيًّا أملته الظروف الحادثة – لكنها في نفس الوقت تمهيد (لاستراتيجية) أخوة الإسلام، تلك الأخوة التي لا تربط بالدم والعرق والأرض كما تعوَّد العرب في الجاهلية، بل بالدين والعقيدة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ ٢ وذلك هو شأن الإسلام الذي يعتمد أساسًا على عملية التدرج في تشريع الأحكام والمعاملات بين أفراده.
_________________
(١) ١ آل عمران: (١٠٣) . ٢ الحجرات: (١٠) .
[ ٧٣ ]
"إن هذا التآخي جعل المسلمين كرجل واحد يؤمن بعقيدة واحدة، ويعمل لهدف واحد بإمرة قائد واحد"١.
أما على النطاق السياسي فقد وضع دستور المدينة (الوثيقة) بموجب معاهدات وأحلاف عقدها بينه وبين مشركي المدينة، ويهودها، وذلك بتنظيم العلاقات بين سكانها على اختلاف عقائدهم، حتى يعرف كل طرف الالتزامات المنوطة به، ولتتحدد معالم الحقوق والواجبات بين الأطراف المختلفة.
"لقد نصت المعاهدة على قيادة محمد ﷺ لسكان المدينة المنورة كافة مسلمين، ومشركين، ويهود، فإليه يرجع الأمر كله، وله أن يحكم في كل اختلاف يقع بين السكان. وبذلك أصبح النبي ﷺ (قائدًا) في المدينة المنورة.
كما نصت المعاهدة على تعاون أهل المدينة في رد كل اعتداء يقع عليها من الخارج، وبذلك توحدت صفوف أهل المدينة وأصبح لهم هدف، هو الدفاع عن المدينة ضد كل اعتداء خارجي. كما أعلنت المعاهدة بصراحة أنه لا يجوز لمشرك من أهل المدينة أن يجير مالًا لقريش، أو نفسًا، وأن اليهود يعاونون المؤمنين في النفقة عليهم ما داموا محاربين، وبذلك أوشك الكفاح بين المسلمين وقريش أن يبدأ"٢.
لقد كانت نظرته ﷺ بعيدة حيث استطاع بهذا المعاهدة أن يضمن حياد اليهود ومشركي المدينة في الصراع المتوقع حدوثه بينه وبين قريش وحلفائها، وبالتالي يتفرغ للسياسة الخارجية للدولة التي جعل محورها هدفين سريعين:
١- محاولة كسب حلفاء الإيلاف التجاري القديم إلى جانبه تمهيدًا للهدف الثاني وهو:
_________________
(١) ١ محمود شيت خطاب، الرسول القائد، (ص ٧١) . ٢ المصدر السابق (ص ٧٣، ٧٤) .
[ ٧٤ ]
٢- التعرض لتجارة قريش، وبالتالي إضعافها اقتصاديًّا وصولًا إلى تحطيم معنوياتها العالية وهز صورتها القوية في مجتمع الجزيرة العربية.
من أجل ذلك بدأ العمل للحشد العسكري منذ وطئت قدماه ﷺ دار هجرته المدينة المنورة ونزول قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ١.
"لقد استطاع الرسول ﷺ أن يلجأ إلى المدينة ويحشد قواته فيها، ويوحد صفوف سكانها على اختلاف ميولهم وأهوائهم ودياناتهم، ويجعلهم كتلة متحدة للدفاع ضد الغارات الخارجية"٢ على شكل سرايا اعتراضية كان من أهدافها ما يلي:
١- إعلان الحرب على قريش تنفيذًا لأمر الله ﷿ ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ ٣.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ٤.
٢- إشعار أعداء الدولة الإسلامية الفتية "بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم،
ذلك الضعف الذي مكَّن قريشًا في مكة من مصادرة عقائدهم، وحرياتهم، واغتصاب دُورهم وأموالهم"٥.
٣- استهدفت إرباك قريش وحلفائها، وإضعافهم، وتحطيم معنوياتهم بضرب نشاطهم التجاري
الذي يمثل عصب حياتهم، وشريان وجودهم٦.
وذلك يبث الرعب والفزع في نفوسهم بإثارتهم الدائمة فهم يتوقعون هجوم
_________________
(١) ١ الحج: (٣٩) . ٢ خطاب، الرسول القائد (ص ٧٤) . ٣ البقرة: (١٩٠) . ٤ الأنفال: (٣٩) . ٥ الغزالي محمد، فقه السيرة (ص ٢٢٨) . ٦ خليل عماد الدين، دراسة في السيرة (ص ١٧١) .
[ ٧٥ ]
المسلمين في كل لحظة، مما يشل تفكيرهم، فيسلبهم بذلك مبدأ المبادرة الأساسي في تحقيق أي نصر.
١- تدريب قوات المسلمين على القتال لتتحقق لهم اللياقة الكاملة اللازمة لخوض غمار المعارك
الكبرى، فهم في حالة استنفار قصوى منذ بدأت السرايا الأولى، "ومن جهة أخرى جاءت هذه الهجمات أشبه بمناورات حيَّة كان المقاتل المسلم يجس عن طريقها نبض أعدائه ويختبر إمكاناتهم الحربية، ماديًّا، ومعنويًّا، ويمارس مزيدًا من التدريب وتنمية قدراته وطاقته على الصمود"١.
٢- عقد المعاهدات مع حلفاء قريش التجارين الذين تخلوا عن حلفهم القديم المسمى بالإيلاف،
وبالتالي ضمن رسول الله ﷺ حيادة هذه القبائل وعدم نصرتها لقريش حتى يتمكن المسلمون من التعرض لقوافلهم وهي مفتقرة لحماية الحلفاء.
٣- المعاملة بالمثل فكما أن قريشًا قد استولت على أموال المهاجرين في مكة، كان في الاستيلاء
على قوافلهم نوع من العوض عما فقده المهاجرون من أموال ومتاع، وبالتالي "الحصول على مورد للتموين والتسليح في أعقاب الأزمة المالية التي كان المسلمون يعانون منها في مطلع عهدهم بالهجرة"٢ بسبب ما تركوه من مال ومتاع في مكة فرارًا بدينهم وحفاظًا على عقيدتهم وهجرة إلى الله ورسوله "فلا عجب إذا رأينا المسلمين يفكرون جديًّا في استخلاص أموالهم من قريش"٣.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ المصدر السابق. ٣ خطاب، الرسول القائد (ص ٩٩) .
[ ٧٦ ]