لا شك أن الاستجابة للأمر الإلهي بإعلان الدعوة اقتضى من المسلمين مواجهة المشركين بحقائق التوحيد وبفساد الشرك، مما جعل المشركين يلحقون الأذى بالرسول ﷺ وأصحابه، ففضلًا عن المعتقدات الباطلة التي عشعشت بعقولهم وتوارثوها خلفا عن سلف، فإنهم مدركين لجدواها في تحقيق مصالحهم الاجتماعية والاقتصادية عندما تؤم القبائل العربية مكة حيث الأصنام الثلاثمائة والستون المحيطة بالكعبة، وينجم عن ذلك حركة بيع وشراء تحقق الأرباح الوفيرة للملأ - سادة مكة - كما تؤمن - عبر الإيلافات واحترام قريش دينيًا - التجارة المكية نحو اليمن والشام.
واتخذ الأذى صورًا شتى من السب العلني والضرر المادي وقد وردت رواية من طرق تعتضد ببعضها لإثبات الحدث تاريخيًا تقول إنه لما نزلت ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ (٢) أقبلت أم جميل بنت حرب، امرأة أبي لهب، وهي تنشد: مذمم أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فسألت أبا بكر إن كان النبي قد هجاها فنفى ذلك (٣)
_________________
(١) = وساق ابن إسحاق شاهدا وفي سنده مبهم مع الإرسال (السير والمغازي ١/ ٢٦٠ - ٢٦١) وساق الطبراني له شاهدًا معضلًا مع تدليس ابن إسحاق وقد عنعن (المعجم الكبير ٣/ ١٥٣ - ١٥٤) وهكذا فإن الطرق بمجموعها لا تصلح للاحتجاج بها حديثيًا.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ١٢/ ١٨٧) معلقا ووصله غيره (تعليق التعليق ٥/ ٢٤٢).
(٣) المسد: ١.
(٤) أخرجه الحميدي: المسند ١/ ١٥٣ - ١٥٤ وأبو يعلي: المسند ١/ ١٥٣ - ١٥٤ والحاكم: المستدرك ٢/ ٣٦١ وفي إسنادهم جميعًا أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر، وقد عنعن عنها وهو مدلس، ولكن تابعه كثير بن عبيد عن أسماء - وهو مقبول إذا توبع - (البيهقي: دلائل ٢/ ١٩٦ فالحديث حسن لغيره، وتعضده شواهد من حديث ابن عباس (مسند أبي يعلي ١/ ٣٣ - ٣٤، وكشف الأستار ٣/ ٨٣ وفي إسنادهما عطاء بن السائب اختلط والراوي عنه عبد السلام بن حرب لم يصرّح بأنه ممن روى عنه قبل الاختلاط. =
[ ١ / ١٤٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يفرح لأن المشركين يسبون مذمما يقول: "ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذممًا ويلعنون مذممًا وأنا محمد" (١).
ويحكي شاهد عيان هو عبد الله بن مسعود ﵁: "بينما رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، وجمع من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيكم يقوم إلى جزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله ﷺ وضعه بين كتفيه. وثبت النبي ﷺ ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلى فاطمة ﵍- وهي جويرية - فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ حتى ألقته عنه. وأقبلت عليهم تسبهم. فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال: اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش.
ثم تسمى: اللهم عليك بعمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله بن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب (٢) - قليب بدر - ثم قال رسول الله ﷺ: وأتبع أصحاب القليب لعنة" (٣).
وقد بينت الروايات الصحيحة الأخرى أن الذي رمى الفرث عليه هو عقبة
_________________
(١) = وله شاهد آخر من حديث زيد بن أرقم (مستدرك الحاكم ٢/ ٥٢٦ - ٥٢٧) وصحح إسناده مع أنه نبه على إرساله بسوقه من طريق يزيد بن زيد مرسلا كذلك فإن إسحاق بن محمد الهاشمي شيخ الحاكم روى عنه الحاكم واتهمه (ميزان الاعتدال ١/ ١٩٩ ولسان الميزان ١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٥٥٤ - ٥٥٥).
(٣) القليب: البئر المفتوحة.
(٤) رواه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٩٤) ومسلم الصحيح ٣/ ١٤١٨ - ١٤٢٠).
[ ١ / ١٤٨ ]
ابن أبي معيط، وأن الذي حرضه هو أبو جهل (١)، وأنا المشركين تأثروا لدعوة الرسول، وشق عليهم الأمر، لأنهم يرون أن الدعوة بمكة مستجابة (٢).
وقد ثبت أن النبي ﷺ دعا على قريش لما كذبوه واستعصوا عليه فقال: "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف فأخذتهم سنة فحصت كل شئ حتى أكلوا الميتة والجلود، وجعل الرجل يرى بينه وبين السماء دخانا من الجوع.
فأتى أبو سفيان إلى الرسول ﷺ فقال: إنك تأمر بطاعة الله، وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فأدع الله لهم. وقد أثبت القرآن هذا الحادث فقال تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله ﴿عَائِدُونَ﴾ (٣) فلما دعا ربه لهم آملًا توبتهم عادوا إلى كفرهم ونسوا ما حكاه القرآن على لسانهم قالوا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ (٤).
ويرى الحافظ الدمياطي أن ابتداء دعاء النبي على قريش بذلك كان عقب طرحهم على ظهره سلا الجزور (٥). ولكن من المهم أن نلاحظ أن دعوته عليهم كانت بسبب تكذيبهم إياه واستعصائهم على الإيمان، وليس بسبب إيذائهم له،
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٢٨٣، ٧/ ١٦٥) وصحيح مسلم ٣/ ١٤٢٠.
(٢) فتح الباري ١/ ٣٤٩ وقد زاد الأجلح بن عبد الله الكندي زيادة تفرد بها عن أبي إسحاق السبيعي ولم ينقلها الحفاظ الكبار من تلاميذ أبي إسحاق ممن أتقنوا حديثه مثل شعبة وسفيان الثوري وإسرائيل وغيرهم. والأجلح صدوق عند ابن حجر (تقريب ٩٦) وإنما يقبل النقاد زيادات الثقات، أما من الناحية التأريخية فيمكن التساهل في قبول هذه الرواية ما دامت لا تعارض روايات الثقات، ولأن المؤرخين يبنون على ما هو أدنى منها من الأخبار. وخلاصة الرواية، أن النبي ﷺ غادر المسجد بعد هذه الحادثة فلقيه أبو البختري فسأله عن شأنه وألح عليه فأخبره بما فعل أبو جهل، فمضى أبو البختري إلى أبي جهل فسأله عما فعل فاعترف فضربه بالسوط على وجهه، ووقع تلاح بين الرجال في المسجد. (انظر كشف الأستار ٣/ ١٢٦ - ١٢٧ وفتح الباري ١/ ١٥٣ وعزاه لابن إسحاق في المغازي).
(٣) صحيح البخاري ٢/ ١٥، ١٩، ٦/ ٣٢، ١٩، ٣٩، ٤٠، ٤١، وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥٥ - ٢١٥٧.
(٤) صحيح البخاري ٦/ ٣٩، ٤٠، وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥٧.
(٥) ابن حجر: فتح الباري ٢/ ٥١١.
[ ١ / ١٤٩ ]
فطالما احتمل أذاهم ولم يدع عليهم، بل دعا لهم بالهداية مما يصلح مثلا أعلى في الصبر على الدعوة واحتمال المدعوين وإن آذوا أصحاب الدعوة في أموالهم ومصالحهم وأنفسهم.
وكان المشركون إذا سمعوا القرآن يجهر به الرسول وهو يصلي بأصحابه مستخفيًا يسبون القرآن ومن أنزله ومن جاء به، فأمره الله تعالى أن يتوسط بالقراءة بحيث يسمعه اتباعه دون المشركين قال تعالى ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١).
إن حرص الرسول ﷺ على الصلاة في المسجد الحرام أدى إلى الاحتكاك بالمشركين مرارًا، ولعله حرص على إظهار شعائر الإسلام، واحترام الكعبة، ولقاء الناس لأغراض الدعوة.
ومن هنا حاول المشركون تفويت هذه الأغراض عليه بمضايقته وإيذائه دون التورع عن ذلك حتى وهو يسجد لله في صلاته!!
إن التهديد بالأذى والقتل على لسان زعماء المشركين لم يكن ينقطع في مرحلة الدعوة العلنية، بل كان يتصاعد ويشتد مع الأيام. فمرةً "قال أبو جهل: هل يعفَّر محمد وجهه بين أظهركم؟
فقيل: نعم.
فقال: واللات والعزى، لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن وجهه في التراب.
فأتى رسول الله ﷺ، وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته. فلما فجئهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه فقيل له: مالك؟
فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولًا وأجنحة.
_________________
(١) الآية من سورة الإسراء ١١٠ والحديث أخرجه البخاري (فتح ١٠/ ١٩) وصحيح مسلم ١/ ٣٢٩.
[ ١ / ١٥٠ ]
فقال رسول الله -ﷺ-: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا (١).
لقد خلّد القرآن هذا الحَدَث فقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٢). ولعله في هذه المرة نفسها جاءه أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي -ﷺ- بعد أن نهر أبا جهل وغلظ له القول، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها نادٍ أكثر مني. فأنزل الله ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ (٣).
وقد سأل عروةُ بن الزبير عبدَ الله بن عمرو بن العاص: "أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله -ﷺ-؟
قال: بينا رسول الله -ﷺ- يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعَيط، فأخذ بمنكب رسول الله -ﷺ- ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله -ﷺ- وقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٤). وكان عمرو بن العاص والد عبد الله شاهدَ عيانٍ للحادثة، والغالب أنه سمع الخبر منه (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم ٤/ ٢١٥٤ من حديث أبي هريرة. وله شاهد من حديث ابن عباس مختصرًا أخرجه البخاري (فتح الباري ٨/ ٧٢٤). وأما تكملة الخبر في مستدرك الحاكم ٣/ ٣٢٥ ومسند البزار (كشف الأستار ٣/ ١٣٠) ففي سنده عبد الله بن أبي فروة متروك.
(٢) العلق. وثمة احتمال أن يكون الخبر عن سبب نزول الآية من حديث أبي هريرة متصلًا (صحيح مسلم ٤/ ٢١٥٤ ومسند أحمد ٢/ ٣٧٠) ويقوى بشواهده كما في سنن الترمذي ٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤ وتفسير الطبري ٣/ ٢٥٦.
(٣) سنن الترمذي ٥/ ٤٤٣ - ٤٤٤ وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح والآيتان من سورة العلق ١٨. وانظر الألباني: السلسلة الصحيحة رقم ٢٧٥ حيث قال "إسناده صحيح على شرط مسلم".
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٥٥٤، ٧/ ٢٢، ١٦٥) وابن إسحاق: السير والمغازي ٢٢٩ - ٣٣٠ بإسناد حسن مطولًا. والآية من غافر ٢٨.
(٥) مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٢٩٧ بإسناد حسن، وتفسير النسائي رقم ٤٧٧ وتغليق التعليق ٤/ ٨٧. =
[ ١ / ١٥١ ]
وثمة رواية ضعيفة تفيد أن المشركين ضربوا الرسول -ﷺ- حتى خضبوه بالدماء، وأن جبريل واساهُ ببيان معجزة له حيث دعا الرسول شجرة فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه (١). وكانت السخرية والاستهزاء من الرسول -ﷺ- ودعوته أحد الأساليب التي اتبعها المشركون في الحرب الكلامية لصرف الناس عن الدعوة، فكان أبو جهل يقول ساخرًا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم!! فنزلت الآية ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (٢).
كما وردت رواية في سبب نزول الآية ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣) ومفادها أن الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد بن عبد العُزَّى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، كانوا يستهزئون برسول الله -ﷺ- فشكاهم إلى جبريل، فعاقبهم الله في أبدانهم عقوبات شديدة. لكن الرواية لم تثبت من طريق صحيحة (٤).
_________________
(١) وقارن برواية أنس بن مالك في مسند أبي يعلى ٦/ ٣٦٢ بإسناد فيه عنعنة الأعمش وهو مدلس. وبرواية أسماء بنت أبي بكر في مسند أبي يعلى ١/ ٥٢ بإسناد فيه أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس وهو مدلس وقد عنعنه، وقد حسن الحافظ ابن حجر إسناده (فتح الباري ٧/ ١٦٩).
(٢) سنن ابن ماجة ٢/ ١٣٣٦ ومسند أحمد ٣/ ١١٣ ومصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٤٧٨ - ٤٧٩ وسنن الدارمي ١/ ١٢ - ١٣ بإسناد فيه عنعنة الأعمش وهو مدلس.
(٣) صحيح البخاري ٥/ ١٩٩ كتاب التفسير باب قوله ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ ﴾ وباب قوله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥. والآيات من سورة الأنفال ٣٣.
(٤) الحجر ٩٥.
(٥) نعم صحح الذهبي الحديث (السيرة النبوية ١٤٣) ولكنه لم يسق إلا أعلى السند وهو صحيح كما قال. ونحن لا نعلم من أسانيدها الكاملة إلا ما ساقه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣١٦ - ٣١٨ وفي سنده أحمد بن يوسف السلمي لم أقف على ترجمته ولولاه لكان السند لا بأس به. وقد ساق الطبراني الرواية في الأوسط (مجمع البحرين ٢/ ١٨ ب) وفي سنده محمد بن عبد الحكيم النيسابوري قال الهيثمي: لم أعرفه (مجمع الزوائد ٧/ ٤٧) ولم أقف على ترجمته.
[ ١ / ١٥٢ ]
وثمة روايات ضعيفة أخرى تشير إلى تغليظ رسول الله الكلام على المشركين مثل تقبيح وجوههم وهو جمعٌ في المسجد الحرام (١)، أو محاولتهم أذاه وامتناعه عليهم ووقوع العمى فيهم ثم زواله عنهم بدعائه -ﷺ- (٢)، أو منع الله لهم من أذاه بحجب رؤيتهم (٣) له.
وقد ختم المشركون أذاهم لرسول الله -ﷺ- بمحاولة قتله في أواخر المرحلة المكية مما كان سببًا مباشرًا للهجرة.
قال ابن عباس: "إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاهدوا باللَّات والعُزَّى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأينا محمدًا قمنا إليه قيامَ واحدٍ، فلم نفارقه حتى نقتله.
فأقبلت فاطمة تبكي حتى دخلت على أبيها. فقالت: هؤلاء الملأ من قومك في الحجر قد تعاهدوا أن لو قد رأوك قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك.
قال: يا بنية أدني وَضوءًا. فتوضأ، ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا هذا هو، فخفضوا أبصارهم، وعَقِروا في مجالسهم فلم يرفعوا إليه أبصارهم، ولم يقم منهم رجل.
فأقبل رسول الله -ﷺ- حتى قام على رءوسهم، فأخذ قبضة من تراب فحصبهم بها وقال: شاهت الوجوه.
_________________
(١) كشف الأستار ٣/ ١٣٠ - ١٣١ بإسناد فيه علي بن شبيب مجهول ومحمد بن الضحاك بن عثمان انفرد ابن حبان بتوثيقه (ثقات ابن حبان ٩/ ٥٩).
(٢) أبو نعيم: دلائل النبوة ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧ وفي إسناده النضر بن عبد الرحمن الخزاز متروك.
(٣) الطبراني: المعجم الكبير ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠ في إسناده مجاهيل الحكم بن أبي الحكم الأموي قال ابن عبد البر مجهول (الاستيعاب مع الإصابة ١/ ٣١٦) وبنت الحكم قال الهيثمي: لا أعرفها (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٧).
[ ١ / ١٥٣ ]
قال: فما أصابت رجلًا منهم حصاة إلا قد قتل يوم بدر كافرًا (١). وهذه الحادثة قد تكررت ليلة الهجرة وكان رسول الله يذكر ما لاقاه من أذى قريش -قبل أن ينال الأذى أحدًا من أتباعه- يقول: "لقد أُخفتُ في الله ﷿ وما يُخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ومالي ولا لبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال (٢).