بعد رحلة الطائف الأليمة، وقع حادث الإسراء والمعراج، فكان مواساة لرسول الله ﷺ. وقد أرخ الزهري ذلك قبل خروجه إلى المدينة بسنة (١). وحادث الإسراء والمعراج ثابت بنص القرآن قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
وقد صحت الروايات في قيام جبريل ﵇ بشق صدر الرسول ﷺ وغسله من ماء زمزم، وإفراغ الحكمة والإيمان في صدره.
ففي الصحيحين عن أنس قال: "كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ﷺ قال:"فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا " (٣).
_________________
(١) = وأخرج الزهري وموسى بن عقبة قصة عداس مرسلًا (الخصائص الكبرى للسيوطي ١/ ٣٠٠) والمراسيل إنما تتقوى ببعضها إذا تعددت مخارجها، ولا تعدد هنا فابن إسحاق وموسى بن عتبة تلميذان للزهري، فيقوي أن يكونا أخذا عنه. (سيرة ابن هشام ١/ ٤١٩ - ٤٢١ وتاريخ الطبري ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦، وقد ساق الطبراني الحديث (الهم إليك أشكو) من حديث عبد الله بن جعفر، لكن إسناده "فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات" (الهيثمي: مجمع الزوائد ٦/ ٣٥) ولم أقف عليه في معجم الطبراني الكبير المطبوع لأنه ناقص.
(٢) البيهقي: دلائل النبوة ٢/ ٣٥٤ والذهبي: تاريخ الإسلام ١/ ١٤١. وهو قول لعروة أيضًا (ابن كثير: البداية والنهاية ٣/ ١٠٧) وأرخه ابن إسحاق بعد البعثة بنحو من عشر سنين، قبل وفاة أبي طالب وخديجة (سيرة ابن هشام ١/ ٣٩٦ والبداية والنهاية لابن كثير ٣/ ١٠٧). أما إسماعيل السدي فذكر أن الإسراء قبل مهاجره بستة عشر شهرًا. وأما البخاري فقد ذكر الإسراء بعد موت أبي طالب (فتح الباري ٧/ ١٩٦).
(٣) الإسراء ١
(٤) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب (١) كيف فرضت الصلوات في الإسراء (الفتح ١/ ٤٥٨) وكتاب الحج باب (٧٦) ما جاء في زمزم (الفتح ٣/ ٤٩٢) وكتاب الأنبياء باب ٥ ذكر إدريس ﵇ (الفتح ٦/ ٣٧٤) =
[ ١ / ١٨٨ ]
وقد وردت روايات أخرى صحيحة تفيد أن الرسول ﷺ كان في المسجد الحرام، أو في الحطيم أو الحجر بالذات من المسجد الحرام حين شق صدره وغسل قلبه (١)، ويمكن الجمع بأنه كان في بيته ثم جاء به جبريل إلى المسجد الحرام (٢). فالرواية التي سقتها تفيد بأن الغسل تمَّ بماء زمزم، وهو في المسجد الحرام، وقد تبيَّن الشرَّاح أن الحكمة في شق الصدر وملء قلبه إيمانًا وحكمةً استعدادًا للإسراء به تظهر في عدم تأثر جسمه بالشق وإخراج القلب مما يؤمنه من جميع المخاوف العادية الأخرى. ومثل هذه الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لمقدرة الله تعالى التي لا يستحيل عليها شيء (٣).
وقد أنكر ابن حزم الظاهري والقاضى عياض وقوع الشق ليلة الإسراء وادعى أن ذلك تخليط من شريك - في إسناد البخاري - وليس كذلك، فقد ثبت وقوع شق الصدر في الإسراء والمعراج في الصحيحين من غير طريق شريك (٤).
_________________
(١) = وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب (٧٤) الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات ١/ ١٤٨ (ط. محمد فؤاد عبد الباقي) وأما برواية أبي ذر عند البزار (كشف الأستار ٣/ ١١٥ - ١١٦) ففيه "وأنا ببعض بطحاء مكة" فهو شاذ، والسند ضعيف فيه انقطاع حيث لم يسمع عروة من أبي ذر وقد تفرد به عروة كما صرح البزار.
(٢) صحيح مسلم ١/ ١٥٠، كتاب الإيمان، باب ٧٤ الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات. والبخاري: كتاب بدء الخلق باب (٦) ذكر الملائكة (الفتح ٦/ ٣٠٢) وكتاب مناقب الأنصار، باب (٤٢) المعراج (فتح الباري ٧/ ٢٠١) وكتاب التوحيد باب (٣٧) ما جاء في قوله ﷿ (وكلّم الله موسى تكليمًا) (فتح ١٣/ ٤٧٨).
(٣) ابن حجر: فتح الباري ٧/ ٢٠٤.
(٤) فتح الباري ٧/ ٢٠٥.
(٥) صحيح البخاري، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء ١/ ٩١ وباب ما جاء في زمزم ٢/ ١٦٧ وباب المعراج ٤/ ٢٨٤ وصحيح مسلم ١/ ١٤٩ - ١٥٠، وراجع حول إنكار ابن حزم والقاضي عياض (شرح الشفا لملا على القاري ١/ ٤١٤ وشرح الزرقاني على المواهب ٦/ ٢٣).
[ ١ / ١٨٩ ]
وبعد أن فرغ الملكان من شق صدره وغسله ولأمه أسرى به إلى بيت المقدس على البراق (١) حيث صلَّى بالأنبياء فيه، ووصفهم هيآتهم (٢). ثم عرج به إلى السماء السابعة مارًا ببقية السموات الست ملتقيًا بالأنبياء آدم ويوسف وإدريس وعيسى ويحيى بن زكريا وهارون وموسى وإبراهيم.
وقد سمع صريف أقلام الملائكة، وفرضت عليه الصلاة خمسين صلاة ثم خففت إلى خمس صلوات (٣).
وقد وصف سدرة المنتتهى بأن نبقها مثل الجرار، وورقها مثل آذان الفيلة (٤).
ووصف البيت المعمور في السماء السابعة وما يدخله من الملائكة (٥).
ووصف نهر الكوثر في الجنة وأن حافتيه قباب اللؤلؤ مجوف وطينه مسك أذفر (٦).
وقد سئل رسول الله ﷺ إن كان قد رأى ربه فقال: نور أنى أراه (٧)!.
ووصف ما رآه من أنهار الجنة وهي أربعة أنهار؛ اثنان باطنان في الجنة، واثنان ظاهران وهما النيل والفرات (٨).
ووصف رؤيته لجبريل لما دنا منه وإن له ستمائة جناح وإليه تشير الآية ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ إلى قوله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٩).
_________________
(١) دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٤٧٧ وصحيح مسلم ١/ ١٥١ - ١٥٧).
(٣) صحيح البخاري (فتح الباري ١/ ٤٥٨، ٣/ ٤٩٢، ٦/ ٣٧٤، ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢) وصحيح مسلم ١/ ١٤٨. وقد لفقت بين الروايات الصحيحة.
(٤) مسند أحمد ٣/ ١٢٨ بإسناد صحيح، فإن أحاديث حميد الطويل عن أنس بن مالك أما سمعها منه أو بواسطة ثابت البناني وهو ثقة (تعريف أهل التقديس ٣٨).
(٥) صحيح مسلم ١/ ١٤٦.
(٦) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٧٣١).
(٧) صحيح مسلم ١/ ١٦١ وأنظر صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٣١٣).
(٨) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢).
(٩) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٦١٠، ٦١١، ٦/ ٣١٣) وصحيح مسلم ١/ ١٥٨، ١٦٠ والآيات من سورة النجم ٩ - ١٨.
[ ١ / ١٩٠ ]
ورأى في المعراج عذاب الذين يغتابون الناس فإذا لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم (١).
وقد أتاه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذ اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة (٢).
وقد وردت قصة الإسراء والمعراج مفصلة طويلة من طريق ضعيفة متونها تشبه أخبار القصاص (٣).
وعندما أخبر رسول الله قومه بما وقع معه من الإسراء والمعراج صدقه المؤمنون وكذبه المشركون، قال رسول الله ﷺ: "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربة ما كربت مثله قط.
قال: "فرفعه الله لي أنظر إليه ما يسألوني عن شيء إلا نبأتهم به" (٤)، لقد افتتن المشركون فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا، ولكنهم
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٢٢٤ وسنن أبي داؤد ٥/ ١٩٤ بإسناد صحيح كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ٢/ ٦٠.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢) وتدل رواية البخاري ومسلم أن اختياره الإناء تم في بيت المقدس قبل المعراج (صحيح البخاري كما في فتح الباري ٨/ ٣٩١ وصحيح مسلم ١/ ١٤٥، ٥/ ١٥٠ - ١٥١).
(٣) تفسير الطبري ١٥/ ١١ - ١٤ ومستدرك الحاكم ٢/ ٥٧١ بإسناد فيه أبو هارون العبدي وهو متروك (تقريب ٤٠٨) وقال الذهبي: هذا حديث عجيب غريب" (السيرة النبوية للذهبي ١٧٨ - ١٨١). وثمة رواية أخرى في تفسير الطبري ١٥/ ٦ - ١١ وفي إسناده أبو جعفر الرازي وهو عيسى بن أبي عيسى صدوق سيء الحفظ. (تقريب ٦٢٩) وقد ضعف البيهقي هذا الحديث (دلائل النبوة ٢/ ٣٩٦ - ٤٠٣) وقال الذهبي "تفرد به أبو جعفر الرازي، وليس هو بالقوي، والحديث يشبه كلام القصاص، إنما أوردته للمعرفة لا للحجة" (السيرة النبوية للذهبي ١٨٢). وقال ابن كثير: في ألفاظه غرابة ونكارة شديدة" (تفسير ابن كثير ٣/ ٢١).
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٨/ ٣٩١). صحيح مسلم ١/ ١٥٦، ١٥٧ واللفظ له.
[ ١ / ١٩١ ]
اضطروا للاعتراف بصحة وصفه لمسجد بيت المقدس (١).
وقد صح أن بعض المسلمين ارتدوا، وأن أبا بكر ﵁ قال للمشركين عندما أخبروه بخبر الإسراء والمعراج: لئن قال ذلك لقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ فقال: نعم. إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك، أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق (٢).
ويمكن القول بأن حادثة الإسراء كانت تطمينًا ومواساةً لرسول الله، وفتنة للكافرين الذين زاد عنادهم وكفرهم، ولبعض ضعفاء الإيمان ممن زلزل الحادث إيمانهم، فكفروا ولم يعودوا إلى حظيرة الإيمان حتى قتلوا (٣).
وقد تأول البعض حادث الإسراء والمعراج فزعم أنه رؤيا منامية، ومنهم من زعم أنه بالروح وليس بالجسد، والصواب كما ثبت عن ابن عباس أنه رؤيا عين بالروح والجسد. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٤).
وهذا هو رأي جمهور العلماء أن الإسراء كان يقظة بروحه وجسده، مرة واحدة (٥). وأن الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدة (٦).
_________________
(١) مسند أحمد ١/ ٣٠٩ بإسناد صحيح وقد صححه السيوطي والهيثمي (الدر المنثور ٤/ ١٥٥ ومجمع الزوائد ١/ ٦٤ - ٦٥).
(٢) مستدرك الحاكم ٣/ ٦٢ - ٦٣، ٧٦ - ٧٧ وصححه ووافقه الذهبي وفي إسناده محمد بن كثير الصنعاني صدوق كثير الغلط (التقريب ٥٠٤) وقد توبع (انظر الألباني: السلسلة الصحيحة ١/ ٥٥٢).
(٣) مسند أحمد ١/ ٣٤٩ بإسناد صححه ابن كثير (تفسير ابن كثير ٣/ ١٥) وفي إسناده هلال بن خباب صدوق عند الحافظ ابن حجر (تقريب ٥٧٥).
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣) والآية من سورة الإسراء ٦٠. وأنظر تفسير الطبري ١٥/ ١١٠ حول نفي سفيان بن عيينة أن تكون رؤيا بالمنام.
(٥) تفسير الطبري ١٥/ ١٣، ١٤ وزاد المعاد لابن القيم ١/ ٩٩، ٣/ ٣٤، ٤٠.
(٦) فتح الباري ٧/ ١٩٧.
[ ١ / ١٩٢ ]