يدل حديث بدء الوحي على أن خديجة ﵂ كانت أول من عرف خبر النبوة ونزول الوحي، وأنها صدقت الرسول وآزرته وثبتته وخففت عنه. فلا
[ ١ / ١٣٣ ]
غرابة أن تكون أول من آمن كما يقول الزهري وابن إسحاق (١).
وقد أسلم علي بن أبي طالب بعد خديجة في هذا الوقت المبكر فقد كان في حجر النبي ﷺ قبل (٢) الإسلام. - معونة من رسول الله لأبي طالب وردًا لجميله، فقد كان قليل المال كثير العيال - فكان أول الذكور إسلاما (٣). وقوي الحافظ ابن حجر أن يكون عمر علي ﵁ حين المبعث عشر سنين (٤).
وقد كثرت الروايات الواهية والموضوعة، حول تحديد يوم إسلامه وصلاته بيوم الثلاثاء بعد الرسول ﷺ وخديجة بيوم واحد، وأنه صلى قبل المسلمين الآخرين سبع سنين (٥)!! وفضائل علي ﵁ الثابتة كثيرة فلا يحتاج إلى مثل هذا الكذب والمغالاة.
وأما أبو بكر ﵁ فقد استنبط ابن كثير من حديث صحيح فيه "إن
_________________
(١) سيرة ابن هشام ١/ ٢٤٤ بدون إسناد ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٧٤ من مرسل الزهري ومستدرك الحاكم ٣/ ١٨٤ بسند ضعيف من حديث حذيفة بن اليمان.
(٢) مسند أحمد ١/ ٣٣٠ - ٣٣١، ٣٧٣ بسند حسن من حديث ابن عباس وطبقات ابن سعد ٣/ ٢١ ومستدرك الحاكم ٣/ ١٣٢ وسيرة ابن هشام ١/ ٢٢٨ - ٢٢٩ بدون إسناد، وعن كفالة النبي عليًا بإسناد إلى مجاهد بن جبر فهو مرسل بالإضافة إلى عنعنة عبد الله بن أبي نجيح - رواية عن مجاهد - وهو مدلس (تعريف أهل التقديس ٣٩).
(٣) الترمذي: الجامع ٥/ ٦٤٢ بإسناد صحيح، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي (المستدرك ٣/ ١٣٦) وفي إسناده أبو حمزة رجل من الأنصار، وهو طلحة بن يزيد الأيلي. (تقريب التهذيب ٢٨٣).
(٤) فتح الباري ٧/ ١٧٤.
(٥) مسند أحمد ١/ ٩٩ وكشف الأستار ٣/ ١٨٢ وفي إسناده يحيى بن سلمة بن كهيل شيعي متروك. (تقريب التهذيب ٥٩١). وسنن الترمذي ٥/ ٦٤٠ وفي إسناده مسلم بن كيسان مجمع على ضعفه ومسند أبي يعلى ١/ ٣٤٨ وفيه مسلم بن كيسان أيضًا وحبَّه بن جوين وسليمان بن قرم وهم ضعفاء أيضًا. وقد أورد الإمام أحمد رؤية الصحابي عفيف الكندي لصلاة النبي وخديجة وعلي في مكان واحد، وأنهما أول المسلمين، (مسند أحمد ١/ ٢٠٩ - ٢١٠ ومستدرك الحاكم ٣/ ١٨٣ وصححه وأقره الذهبي) لكن في إسناده إسماعيل بن إياس وهاه ووهي أباه البخاري (التاريخ الكبير ١/ ٣٤٥، ٤٤١).
[ ١ / ١٣٤ ]
الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله" إنه أول الناس إسلامًا (١).
وقد أسلم أهل بيت أبي بكر بإسلامه، قالت عائشة ﵂: "لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين" (٢).
وذهب الزهري إلى أن أول الناس إسلامًا هو زيد بن حارثة (٣) - مولى رسول الله - ونظرًا لأقوال الزهري في أن أول من أسلم خديجة، فلعله عني أن زيدًا أول من أسلم من الرجال ويبدو أن الواقدي أول من حاول التوفيق بين قولي الزهري (٤).
وقد تتالت محاولات التوفيق والجمع بعده بين الروايات التي تحدد أسماء أول الناس إسلامًا.
وتدل رواية صحيحة على إسلام سعد بن أبي وقاص، وأنه بقي أسبوعًا ثالث مسلم ثم أسلم آخرون (٥).
وقد نزل القرآن في خبر إسلامه كما أخبر عن نفسه قال: "حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدًا حتى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب قالت: زعمت أن الله
_________________
(١) أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨) وانظر السيرة النبوية لابن كثير ١/ ٤٣٤.
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٧٥).
(٣) عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٢٥ من مرسل الزهري. وتشير رواية من مرسل أبي فزارة راشد بن كيسان العبسي، وهو ثقة إلى شراء الرسول لزيد بأموال خديجة، وإلى عتقه له بعد أن وهبته له وهو مخالف لرواية ابن إسحاق من كون حكيم بن حزام اشتراه ثم أعطاه لخديجة التي وهبته للنبي (مصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٢١). وتشير رواية ضعيفة إلى محاولة أخيه جبلة بن حارثة استرداده لكن زيدًا أبى (سنن الترمذي ٥/ ٦٧٦ وفيه محمد بن عمر الرومي لين وقد تابعه عبد الغفار بن عبد الله بن الزبير الموصلي في مستدرك الحاكم (٣/ ٢١٤) وقد تفرد ابن حبان بتوثيق عبد الغفار (الثقات ٨/ ٤٢١) فيقوي الطريقان إلى الحسن لغيره.
(٤) الطبري: تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٣١٦.
(٥) صحيح البخاري (الفتح ٧/ ٨٣، ١٧٠) وانظر فضائل الصحابة لأحمد ٢/ ٧٤٩.
[ ١ / ١٣٥ ]
وصَّاك بوالديك، وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثة أيام حتى غشي عليها من الجهد. فقام ابن لها يقال له عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله ﷿ في القرآن هذه الآية: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ وفيها ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ قال: فكانوا إذا أرادوا أن يطعموها شجروا فاها بعصا ثم أوجروها" (١).
والحادثة تدل على صلابة موقف المؤمنين الأوائل أمام الفتن المتنوعة التي تعرضوا لها، كما تدل على أنماط المواجهة التي تجمع بين التأثير العاطفي والضغط النفسي حينًا وبين استخدام القهر والقوة أحيانًا أخرى.
ولقد أسلم عثمان بن عفان ﵁ في وقت مبكر ولكن لم يصح قوله عن نفسه أنه الرابع في الإسلام (٢).وأسلم طلحة بن عبيد الله، لكن تفاصيل خبر إسلامه لا تصح (٣).
وأسلم الزبير بن العوام، وتوحي روايات ابنه الصغير عروة - الذي لم يدرك الرواية عن أبيه مما جعل مروياته عنه مرسلة - بأن إسلامه تَمَّ وهو صغير ابن ثماني سنين (٤)، لكن حفيده هشام بن عروة يقول أنه كان ابن ست عشرة سنة (٥).
وتشير رواية أبي الأسود إلى تعذيب عم الزبير له بالنار بسبب إسلامه (٦).
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٥/ ١٨٥ - ١٨٧. وقد ساق الرواية بمعناها الواحدي في أسباب النزول ٣٩٥ بإسناد ضعيف فيه أحمد بن أيوب بن راشد مقبول، تفرد بتوثيقه ابن حبان (تهذيب ١/ ١٧ وتقريب ٧٧). وساقها الواقدي بمعناها كما في طبقات ابن سعد (٤/ ١٢٣ - ١٢٤).
(٢) مصنف بن أبي شيبة ١٢/ ٥٣ من طريق ابن لهيعة وقد اختلط بعد احتراق كتبه وليس من رواية العبادلة عنه وهي أعدل الروايات.
(٣) طبقات ابن سعد ٣/ ٢١٤ - ٢١٥ من طريق الواقدي وهو متروك.
(٤) الطبراني: المعجم الكبير ١/ ٨١ - ٨٢ ومجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ١٥٢ وهو مرسل رجاله رجال الصحيح.
(٥) طبقات ابن سعد ٣/ ١٠٢ وهو مرسل رجاله رجال الصحيح.
(٦) مجمع الزوائد للهيثمي ٩/ ١٥١.
[ ١ / ١٣٦ ]
ولعل مصدر هذا الخبر عائلي لأن أبا الأسود أحد رواة مغازي عروة عنه وقد حددت رواية الواقدي سنه -حين أسلم- بسبع عشر سنة (١).
وممن بكر في الدخول في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص، لكن تفاصيل قصة إسلامه لم تثبت حيث تفرد بها الواقدي (٢).
وعبد الله بن مسعود حيث حكى خبر إسلامه قال: "كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى علىّ رسول الله ﷺ وأبو بكر وقد فرا من المشركين، فقال: يا غلام هل عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما. قالا: فهل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب ثم شرب هو وأبو بكر ثم سقياني. ثم قال للضرع: اقلص، فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ، قلت: علمني من هذا القول الطيب - يعني القرآن -، فقال رسول الله ﷺ: "إنك غلام مُعَلَّم. فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد (٣) ".
وقد ذكرت رواية الواقدي أن عبد الله بن مسعود أسلم قبل دخول رسول
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٣/ ١٣٩، والواقدي متروك لكن مثل هذا الخبر مما يتساهل فيه.
(٢) طبقات ابن سعد ٤/ ٩٤ - ٩٥ وانظر مستدرك الحاكم ٣/ ٢٤٩ وفي إسناده انقطاع فإن سعيد ابن عمرو بن سعيد لم يسمع من عمه خالد بن سعيد.
(٣) أحمد: المسند ١/ ٣٧٩ وابن أبي شيبة: (المصنف ١١/ ٥١٠ وابن سعد الطبقات ٣/ ١٥٠ - ١٥١ والفسوي: المعرفة والتاريخ ٢/ ٥٣٧ وإسناد الحديث حسن، وقد صحح الذهبي إسناده في سير أعلام النبلاء ١/ ٤٦٥ وكذلك فعل الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ١٧ ولكن في الإسناد عاصم ابن أبي النجود. قال عنه ابن حجر "صدوق له أوهام وحديثه في الصحيحين مقرون" (تقريب ٢٨٥) وقال عنه الذهبي "هو حسن الحديث" (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٧).
[ ١ / ١٣٧ ]
الله ﷺ دار الأرقم (١). وذكرت رواية ضعيفة أخرى أنه كان سادس مسلم (٢).
ولا شك في تقدم إسلام خباب بن الأرت ولكن لم يثبت، أنه سادس ستة في الإسلام (٣)، كذلك تقدم إسلام بلال الحبشي (٤) وكان رقيقًا ثم اشتراه أبو بكر وأعتقه (٥).
وقد ثبت أن عمار بن ياسر أسلم مبكرًا، فقد قال عن نفسه: "رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وأمرأتان وأبو بكر" (٦). وقال ابن مسعود: "أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ﷺ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سميه، وصهيب، وبلال، والمقداد" (٧) وكان عمرو بن عبسة السلمي يرى أنه رابع أربعة هم أول المسلمين. قال: فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام (٨).
وأما عن بواعث إسلامه فقد قال: "كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شئ وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة
_________________
(١) طبقات ابن سعد ١/ ١٥١.
(٢) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١١٤ - ١١٥ وكشف الأستار للهيثمي ٣/ ٢٤٨ والمعجم الكبير للطبراني ٩/ ٥٨ ومستدرك الحاكم ٣/ ٣١٣ وصحح إسناده وأقره الذهبي وفيه علل تتمثل في تدليس الأعمش وقد عنعن، وفي كون رواية عبد الرحمن بن عبد الله لم يسمع من أبيه إلا شيئًا يسيرا وهو مدلس ولم يصرح بالتحديث.
(٣) مصنف ابن أبي شيبة ١٢/ ١٤٩ بإسناد صحيح إلى مجاهد مرسلا ١٣/ ٤٩ وهو مرسل وراويه كردوس مقبول حين يتابع (تقريب التهذيب ٤٦١) وقد انفرد بتوثيقه ابن حبان (الثقات ٥/ ٣٤٢) وهذه الرواية المرسلة انفردت بالقول بأنه سادس ستة.
(٤) فضائل الصحابة للإمام أحمد ١/ ١٨٢، ٢٣١ بأسانيد صحيحة وطبقات ابن سعد ٣/ ٢٣٣ ومستدرك الحاكم ٣/ ٢٨٤ وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٩٩).
(٦) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨، ١٧٠) وقال ابن حجر: أما الأعبد فهم بلال وزيد بن حارثة وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة ويحتمل أن الخامس هو شقران، وأما المرأتان فخديجة وأم أيمن -أو سمية-.
(٧) مسند أحمد ١/ ٤٠٤ بإسناد حسن.
(٨) مسند أحمد ٤/ ١١٢ وطبقات ابن سعد ٤/ ٢١٥. وتاريخ الطبري ٢/ ٣١٥ بإسناد حسن ومستدرك الحاكم ٣/ ٦٥، ٦٦ وصحح إسناده ٢٨٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيًا جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي. فقلت وما نبي؟ قال: أرسلني الله. فقلت: وبأي شئ أرسلك؟ قال: أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأنه يوحد الله لا يشرك به شئ. قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال ممن آمن به. فقلت: إني متبعك. قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس!! ولكن ارجع إلى أهلك فإذا سمعت بي قد ظهرت فأتني، قال فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار وأسأل الناس حين قدم المدينة حتى قدم على نفر من أهل يثرب، من أهل المدينة، فقلت: ما فعل الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه " (١).
ويبدو أن رسول الله ﷺ لم يخبره بأسماء سائر من أسلم وإنما سمي أبا بكر وبلالًا فقط حرصا على سلامة من أسلم من الأذى، وربما لأنه إنما أسلم بعد إجابة سؤاله عمن أسلم يومئذ وتعبير عمرو بن عبسة "فلقد رأيتني إذ ذاك ربع الإسلام" إنما هو بحسب ما بدا له. وإلا فقد كان عدد المسلمين أكثر من ذلك في المرحلة التي أظهرت فيها قريش جرأتها على الإسلام وأذاها للمسلمين كما يدل قول الرسول: ألا ترى حالي وحال الناس!!
_________________
(١) صحيح مسلم ١/ ٥٩٦ وقارن برواية الآجري: الشريعة ٤٤٥ - ٤٤٦ بإسناد حسن فيه إسماعيل بن عياش صدوق في روايته عن الشاميين كما هو الحال في هذا السند، وفيه عمرو بن عبد الله السيباني مقبول فقد توبع هنا من قبل أبي سلام الدمشقي. وهي تدل على أن رجلا من أهل الكتاب -في الجاهلية- أرشده إلى إتباع النبي الذي سيظهر بمكة.
[ ١ / ١٣٩ ]
ومما يدل على أن المسلمين كانوا متكتمين في أمر إسلامهم أن أبا ذر الغفاري - ﵁ - كان يرى نفسه رابع الإسلام أيضًا (١). وقد علل بعض الرواة تعارض كلام أبي ذر مع كلام عمرو بن عبسة فقال: "كلاهما لا يدري متى أسلم الآخر" (٢). مما يشير إلى أن مبدأ سرية الدعوة كان يراعى في بعض الحالات حتى مرحلة الدعوة الجهرية تبعا لما تقتضيه مصلحة الدعوة الناشئة.