من الثابت أن المسلمين هاجروا إلى الحبشة مرتين (٢)، وكانت الهجرة الأولى في شهر رجب من سنة خمس من المبعث، وهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة
_________________
(١) سنن الترمذي ٥/ ٣٤٤ - ٣٤٥ وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب وحسنه الألباني (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/). وقارن برواية ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٦ ط. الشعب وفي ط. بيروت ٣/ ٤٢٣ وفيه خطأ). بإسناد فيه مؤمل بن إسماعيل صدوق شيء الحفظ (تقريب ٥٥٥) وفيه عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس. وقارن أيضًا برواية الطبري: تفسير ٢١/ ١٩ بإسناد منقطع لأن عامر الشعبي لم يسمع ابن مسعود، ورجح ابن كثير فيه الإرسال (تفسير ٣/ ٤٢٣).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٨٧).
[ ١ / ١٦٩ ]
خرجوا مشاة إلى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار (١).
وقد صورت أم سلمة (زوج النبي -ﷺ-) -وهي ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى- الظروف التي أحاطت بهذه الهجرة قالت: "لما ضاقت علينا مكة -وأوذي أصحاب رسول الله -ﷺ- وفتنوا ورأوا ما يصيبهم من البلاء والفتنة في دينهم، وأن رسول الله -ﷺ- لا يستطيع دفع ذلك عنهم. وكان رسول الله -ﷺ- في مَنَعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه. فقال لهم رسول الله -ﷺ-: (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه)، فخرجنا إليها أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار أمنًا على ديننا ولم نخشَ منه ظلمًا" (٢).
وممن خرج مهاجرًا إلى الحبشة أبو بكر الصديق ﵁ حتى إذا بلغ بَرْك الغِمَاد (٣) لقيه ابن الدَغِنَّة -وهو سيد القارة (٤) - فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأنا أريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي. قال ابن الدغنة: إن مثلك لا يَخرج ولا يُخرج، فإنك تسكب المعدوم، وتصل الرحم، وتحملُ الكَلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (٥)، وأنا لك جارٌ فارجع فاعبد ربك ببلادك. فرجع أبو بكر مع ابن الدَغِنة الذي أعلن في قريش جواره له. فوافقت قريش على أن يعبد أبو بكر ربه في داره ولا يستعلن،
_________________
(١) فتح الباري ٧/ ١٨٧ - ١٨٨ (وهو قول الواقدي وإن لم يصرح الحافظ باسمه كما في طبقات ابن سعد ١/ ٢٠٤) ويذكر ابن إسحاق أنهم عشرة رجال وأربع نسوة (سيرة ابن هشام ١/ ٣٤٤).
(٢) فتح الباري ٧/ ١٨٩ وسيرة ابن إسحاق ١٩٤ وسيرة ابن هشام ١/ ٣٣٤ بإسناد حسن فرواية يونس بن بكير توبعت برواية البكائي وابن إسحاق صرح بالتحديث.
(٣) موضع على خمس ليال من مكة إلى جهة اليمين. (فتح الباري ٧/ ٢٣٢).
(٤) حلفاء بني زهرة من قريش (الفتح ٧/ ٢٣٣).
(٥) يبدو أن هذه العبارة محفوظة عند الناس يقولونها في الثناء على صاحب المروءة، لذلك فقد وردت على لسان خديجة ﵂ في وصف رسول الله -ﷺ- في حديث بدء الوحي.
[ ١ / ١٧٠ ]
فمضى وقت على ذلك ثم أخذ أبو بكر يجهر بقراءة القرآن في فناء داره فيجتمع نساء وأبناء المشركين يعجبون وينظرون إليه "وكان رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن" فأفزع ذلك قريشا، وطلبوا من ابن الدغنة أن يكفه، فخيره ابن الدغنة بين الإسرار بعبادته أو أن يرد عليه جواره، فرد أبو بكر عليه جواره قائلا: إني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله (١).
وهكذا بقي أبو بكر بمكة على جوار رسول الله ﷺ يحتمل أذى المشركين بعد أن كان رسول الله قد أذن له بالهجرة على الحبشة (٢).
وفي أعقاب الهجرة الأولى إلى الحبشة حدث أن صلى رسول الله ﷺ في المسجد الحرام، فقرأ سورة النجم فسجد في موضع السجود وسجد كل من كان حاضرا إلا اثنين من المستكبرين، فشاع أن قريشا قد أسلمت (٣).
وقد ذهبت روايات مرسلة صحيحة السند إلى مرسليها وهم سعيد بن جبير وأبو بكر بن عبد الرحمن وأبو العالية إلى أن الشيطان ألقى على لسان الرسول ﷺ في قراءته في صلاته تلك العبارة (تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى)، كما ذهبت روايات مرسلة أخرى ضعيفة الأسانيد إلى مرسليها إلى أن العبارة قالها الشيطان وسمعها المشركون دون المسلمين، فسجد المشركون بسجود المسلمين (٤). وما قالته المراسيل المعتبرة يصطدم مع عصمة النبوة في قضية الوحي ويعارض التوحيد وهو أصل العقيدة الإسلامية؛ لذلك فإنها مرفوضة متنا حتى لو ثبت تعدد مخارجها، ولم يأخذها الثلاثة التابعون عن شيخ واحد.
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٤/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
(٢) ابن هشام: السيرة النبوية ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٤ بإسناد حسن.
(٣) صحيح البخاري كما في فتح الباري ٢/ ٥٥١، ٥٥٣، ٥٥٧، ٥٦٠، ٥٦٥، ٨/ ٦١٤ وصحيح مسلم ١/ ٤٠٥ وراجع الألباني: نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق.
(٤) المصادر السابقة.
[ ١ / ١٧١ ]
لقد بين فوك أن بعض المستشرقين صدق القصة وبعضهم كذبها حسب الهوى (١)، وأما زعم واط أن القصة صحيحة لأنها في غاية الغرابة فلا بد أن تكون حقيقية في جوهرها إذ لا يتصور أن يكون أحد اختلق قصة مثلها ثم اقنع جماعة ضخمة من المسلمين أن تقبلها (٢).
والحق أن تصحيح واط لها لأنها وافقت هواه، فمتى كانت الغرابة مقياسا لتصحيح الروايات، ولماذا لا يبين رفض كثير من علماء المسلمين لها.
ولعل سجود المشركين مع الرسول ﷺ لما اعتراهم من خوف ودهشة وهم يستمعون إلى أخبار هلاك الأمم السالفة (٣).