وقد جرت بيعة العقبة الأولى في العام التالي على لقاء وفد الخزرج، حيث حضر اثنا عشر رجلًا؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، مما يشير إلى أن نشاط وفد الخزرج الذين أسلموا في العام الماضي تركز على وسطهم القبلي بالدرجة الأولى لكنهم تمكنوا بنفس الوقت من اجتذاب رجال من الأوس، وكان ذلك بداية ائتلاف القبيلتين تحت راية الإسلام.
إن مصدر المعلومات الصحيحة الرئيسي عن بيعة العقبة الأولى هو عبادة بن الصامت الخزرجي - وهو شاهد عيان مشارك بالبيعة - وقد جاءت روايته في الصحيحين: وسيرة ابن إسحاق، لكنها عند ابن إسحاق أوضح وأكمل ونصها كما يلي.
قال عبادة بن الصامت:"كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء - وذلك قبل أن يفترض علينا الحرب: على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفترته من بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله ﷿ إن شاء غفر وإن شاء عذب" (١).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٢/ ٤١، ٤٢ بإسناد صحيح لغيره فإن حديث عبادة بن الصامت في صحيح البخاري قريب من سياق ابن إسحاق (فتح الباري ١/ ٦٦ وصحيح مسلم ٣/ ١٣٣٣.
[ ١ / ١٩٧ ]
والمقصود أنهم بايعوا على وفق بيعة النساء التي نزلت بها الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (١) بعد صلح الحديبية (٢). حيث لم يرد في بيعة العقبة الأولى ذكر القتال.
ومعنى ذلك أن عبادة حدث بهذا النص بعد نزول الآية فشبه بيعة العقبة الأولى ببيعة النساء. ويلاحظ أن نص البيعة يكل معاقبة الجرائم إلى الله تعالى في الآخرة لعدم تشريع الحدود الإسلامية مما يؤكد قدم النص وأنه يخص بيعة العقبة الأولى.
ولما انجزت بيعة العقبة الأولى، وعاد الأنصار إلى المدينة بعث رسول الله معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام ويفقههم في الدين. فقام بمهمته خير قيام وانتشر على يديه الإسلام، ورجع إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية (٣).