ولما انتشر الإسلام في المدينة، واطمأن المسلمون المهاجرون بين إخوانهم الأنصار، وبقي رسول الله ﷺ في مكة يلاقي عنت قريش وأذاها الذي كان يشتد على مر الأيام، قدم وفد من الأنصار في موسم الحج فبايعوا بيعة العقبة الثانية.
قال جابر بن عبد الله الأنصاري:"فقلنا: حتى متى نترك رسول الله ﷺ يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلًا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله نبايعك.
_________________
(١) الممتحنة ١٢.
(٢) ابن حجر: فتح الباري ١/ ٦٦، ١٢/ ١٩٧ ويلاحظ أن الحافظ - ﵀ - خلط بين نصوص بيعتي العقبة الأولى والثانية مما جعل كلامه متداخلًا مضطربًا. وأنظر تراجعه في ٧/ ٢٢٢ (انظر سليمان العودة: السيرة النبوية في الصحيحين وعند ابن إسحاق ٣٤٦). ولا يعيب هذا الحافظ ابن حجر فكثيرًا ما حل لنا المشكلات العويصة في السيرة.
(٣) سيرة ابن هشام ١/ ٤٣٨
[ ١ / ١٩٨ ]
قال: تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة.
قال: فقمنا إليه فبايعناه. وأخذ بيده أسعد من زرارة - وهو من أصغرهم - فقال: رويدا أهل يثرب، فإنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله ﷺ، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم جبينة فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله.
قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا ولا نسلبها.
قال: فقمنا إليه فبايعناه، فأخذ علينا وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة.
"وقد نظر العباس في وجوه وفد الأنصار ثم قال: هؤلاء قوم لا أعرفهم، هؤلاء أحداث. مما يدل على غلبة الشباب على الوفد (١).
وهكذا بايع الأنصار رسول الله ﷺ على الطاعة والنصرة والحرب لذلك سماها عبادة بن الصامت بيعة الحرب (٢).
وتقِّدم رواية الصحابي كعب بن مالك الأنصاري- وهو أحد المبايعين في العقبة الثانية - تفاصيل مهمة؛ قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق وكنا نكتم من معنا من المشركين أمرنا فنمنا تلك
_________________
(١) مسند أحمد ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣، ٣٣٩ - ٣٤٠ بإسناد حسن ومستدرك الحاكم ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ وصححه وأقره الذهبي. والسيرة النبوية لابن كثير ٢/ ١٩٦ وصححه على شرط مسلم ويرى ابن حجر أن فيه علة تدليس أبي الزبير وقد عنعن. ويقول: فعل تصحيحه أو تحسينه بالنظر لشواهده (فتح الباري ٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) سيرة ابن هشام ٢ - ٦٣ ومسند أحمد ٥/ ٣١٦ بإسناد صحيح لغيره.
[ ١ / ١٩٩ ]
الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعين رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب ..، وأسماء بنت عمرو فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا ومعه العباس ابن عبد المطلب - وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له - فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب "فبين أن الرسول في منعة من قومه بني هاشم ولكنه يريد الهجرة إلى المدينة، ولذلك فإن العباس يريد التأكد من حماية الأنصار له وإلا فليدعوه. فطلب الأنصار أن يتكلم رسول الله فيأخذ لنفسه ولربه ما يحب من الشروط.
"فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن، دعا إلى الله ورغَّب في الإسلام، ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم.
فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق، لنمنعنَّك مما نمنع منه أُزرنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أهل الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرًا عن كابر" فقاطعه أبو الهيثم بن التيهان متسائلًا: "يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالًا وإنا قاطعوها (يعني اليهود) فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: بل الدم بالدم والهدم بالهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم".
ثم قال: أَخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم. فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس"
وقد طلب الرسول ﷺ منهم الانصراف إلى رحالهم، وقد سمعوا الشيطان يصرخ منذرًا قريشًا، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلنَّ على أهل منى غدًا بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ: لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم".
[ ١ / ٢٠٠ ]
فرجعوا إلى رحالهم، وفي الصباح جاءهم جمع من كبار قريش، يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي ودعوتهم له للهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا والمسلمون ينظرون إلى بعضهم! (١).
وهكذا مرت البيعة بسلام وعاد الأنصار إلى المدينة.
ينتظرون هجرة النبي ﷺ إليهم بتلهف كبير.