إن الرحلة إلى الطائف كانت على أثر اشتداد مقاومة قريش للدعوة عقب وفاة أبي طالب، فسعى رسول الله ﷺ لإيجاد مركز جديد للدعوة، وطلب النصرة من ثقيف، لكنها لم تستجب له وأغرت به صبيانها فرشقوه بالحجارة. وفي طريق عودته من الطائف التقى بعداس الذي كان نصرانيًا فأسلم. وأرخ الواقدي الرحلة من شوال سنة عشر من المبعث بعد موت أبي طالب وخديجة، وذكر أن مدة إقامته بالطائف كانت عشر أيام (٣).
وسائر هذه التفاصيل أوردها كتاب المغازي (٤)، ولكن لم ترد رواية صحيحة فيها سوى أن عائشة ﵂ سألت رسول الله: هل أتى عليك يوم كان
_________________
(١) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٩٣، ٨/ ٣٤١ حديث رقم ٤٦٧٥ وأخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٥٤ وأحمد في مسنده كما في الفتح الرباني ١٨/ ١٦٥ وقد دعا رسول الله ﷺ للمشركين في أحد بالمغرفة (اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) كما في صحيح مسلم ٣/ ١٤١٧ حديث رقم ١٧٩٢ ودعا لعبد الله بن أبي بن سلول المنافق حين موته كما في صحيح البخاري (الفتح ٨/ ٣٣٣) وصحيح مسلم ٤/ ٨٦٥ ومسند أحمد (الفتح الرباني ٨/ ٥٠٦).
(٢) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ٢٢٤).
(٣) طبقات ابن سعد ١/ ٢٢١ والواقدي متروك الحديث.
(٤) سيرة ابن هشام ١/ ٤١٩ - ٤٢٢ بإسناد صحيح لكنه مرسل محمد بن كعب القرظي، وهو المصدر الرئيسي عنده لمعلومات رحلة الطائف.
[ ١ / ١٨٥ ]
أشد من يوم أحد؟ فقال: "لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة (١)، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال (٢)، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا بقرن الثعالب (٣)، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله ﷿ قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليكم، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم.
قال: فناداني ملك الجبال وسلم علي، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ (٤).
فقال له رسول الله ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئًا" (٥).
وهذه الرواية تكفي لإثبات الحادث من حيث وقوع الرحلة، ورد أهل الطائف عليه بشدة وما عرض عليه من عقوبتهم، ورحمته بهم ورغبته باستبقائهم، وأخيرًا ذكرى الرحلة الأليمة في نفسه رغم مرور السنوات.
وأما دعاؤه على ثقيف بقوله (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي إلخ) ولقاؤه بعداس فلم يثبت من طريق صحيحة (٦).
_________________
(١) المقصود عقبة بالطائف وليست عقبة منى التي اجتمع بها من الأنصار (الزرقاني: شرح المواهب ١/ ٢٩٨).
(٢) من أكابر أهل الطائف من ثقيف (فتح الباري ٦/ ٣١٥).
(٣) قرن الثعالب هو قرن المنازل ميقات أهل نجد تلقاء مكة على بعد عن مكة (معجم البلدان لياقوت ٤/ ٣٣٢).
(٤) جبلان بمكة.
(٥) صحيح البخاري (فتح الباري ٦/ ٣١٢ - ٣١٣) وصحيح مسلم ٣/ ١٤٢٠ واللفظ لمسلم.
(٦) أخرجه ابن إسحاق بسند صحيح لكنه مرسل محمد بن كعب القرظي، والمرسل من أنواع الضعيف لا يحتج به إلا مع قرائن. والحديث (اللهم إليك أشكو) ساقه بدون إسناد وكذلك قصة عداس ساقها بدون إسناد. =
[ ١ / ١٨٦ ]