أجمع العلماء على أن النبي ﷺ معصوم عن الكفر قبل الوحي وبعده، وأما تعمد الكبائر فهو معصوم عنها بعد الوحي، وأما الصغائر فتجوز عمدًا عند الجمهور بعد الوحي ويستفاد من كلامهم عدم امتناع صدور الكبائر عنه قبل الوحي (٦)، وهذه التقريرات العقدية يتجاوزها استقراء الروايات التاريخية التي تؤكد العصمة من الكفر والكبائر معًا قبل الوحي. فقد وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس في صباه يوم أن كان يرعى
_________________
(١) راجع في فضلها صحيح البخاري ١/ ٣ بدء الوحي، ٤/ ٢٣٠، ٢٣١، ٦/ ١٥٨ وصحيح مسلم ١/ ١٤١كتاب الإيمان، باب بدء الوحي ٤/ ١٨٨٦، ١٨٨٨، ١٨٨٩.
(٢) ابن قدامة: أنساب القرشيين ٥١ وابن حجر: فتح الباري ٧/ ١٣٤.
(٣) الطبراني: المعجم الكبير ٢٢/ ٣٩٧ ومصعب الزبيري: نسب قريش ٢٣١.
(٤) صحيح البخاري ٧/ ٢٢٤ كتاب مناقب الأنصار، باب تزويج النبي عائشة من رواية عروة، وظاهره الإرسال لكنه يحمل على أنه أخذ الرواية عن عائشة (فتح الباري ٧/ ٢٢٤).
(٥) الفسوي: المعرفة والتاريخ ٣/ ٢٥٥ من مرسل عروة.
(٦) السفاريني: لوامع الأنوار البهية ٢/ ٣٠٥.
[ ١ / ١١٤ ]
الغنم (١)، كما وردت روايات ضعيفة تفيد أن الله تعالى عصمه من العري وهو فتى ينقل مع أقرانه حجارة يلعبون بها وقد رفعوا أزرهم، فأمر أن يشد عليه إزاره (٢). ولكن قد ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل لما جددت قريش بناء الكعبة، فقد اشترك مع عمه العباس في نقل الحجارة، فاقترح عليه العباس أن يرفع إزاره ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة ما دام بعيدًا عن الناس فلما فعل سقط على الأرض مغشيًا عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره (٣). وكان عمره حين تجديد بناء الكعبة خمسًا وثلاثين سنة (٤). ولم يكن التعري مستنكرًا عند العرب في الجاهلية، فقد كانوا يطوفون بالبيت العتيق عراة إلا الحمس (وهم قريش)، كما أن التعري في الطواف استمر حتى منعهم الرسول ﷺ بأمره الذي بلَّغه أبو بكر الصديق في حج سنة ٩ هـ عندما أعلن (ألَّا يحج بعد العام مشرك،
_________________
(١) ابن إسحاق: السير والمغازي ٧٩ - ٨٠ بسند فيه محمد بن عبد قيس بن مخرمة انفرد ابن حبان بتوثيقه، وقال ابن حجر عنه: مقبول، فيحتاج إلى متابعة. (انظر حاشية فقه السيرة للغزالي ٧٢ - ٧٣ من تعليقات الألباني). وانظر رواية أخرى في إسنادها مجاهيل ساقها الطبراني في معاجمه (المعجم الصغير ٢/ ١٣٨ رقم ٩٢١ ومجمع البحرين ٢ / ل ٢٥ أ).
(٢) ابن إسحاق: السير والمغازي ٧٨ وفي سنده مبهم.
(٣) أخرجه الشيخان (فتح الباري ١/ ٤٧٤ وصحيح مسلم بشرح النووي ٤/ ٣٣ - ٣٤) من حديث جابر بن عبد الله. وراجع رواية العباس نفسه في السير والمغازي ٧٩ لابن إسحاق من زيادات يونس بن بكير عليه وإسناده فيه سماك بن حرب عن عكرمة وروايته عنه مضطربة مع تغير سماك بأخرة، ولكن تابعه الحكم بن أبان كما قال ابن حجر (الفتح ٣/ ٤٤١) فالسند حسن لغيره. وقد أوضحت هذه الرواية أن تعري العباس والرسول كان بعيدًا عن الناس. وسمّت رواية مسند أحمد ٥/ ٤٥٤. بسند صحيح أن النبي كان ينقل الحجارة من أجياد وأنه وضع النمرة على عاتقه لأنها ضاقت عليه (راجع حول تصحيحه مستدرك الحاكم ٤/ ١٧٩ والسيرة النبوية للذهبي ٤٠ لكن ابن حجر يرى أن عبد الله بن عثمان بن خيثم أحد رجال السند صدوق فقط - تقريب ٣١٣ - وهو من رجال البخاري ومسلم).
(٤) عبد الرزاق: المصنف ٥/ ١٠٢ - ١٠٤ بإسناد صحيح كما حكم عليه الذهبي (السيرة النبوية ٣٩) وسيرة ابن هشام ١/ ٢٠٩ - ٢١٤ من كلام ابن إسحاق بدون إسناد.
[ ١ / ١١٥ ]
ولا يطوف بالبيت عريان) (١). لذلك علق ابن حجر على الحديث السابق بقوله: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (٢).
إن حادثة تجديد بناء الكعبة قد كشفت عن مكانة النبي الأدبية في الوسط القرشي، فقد اختلفت قريش فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل من باب بنبي شيبة فدخل رسول الله، فأمر بثوب فأخذ الحجر ووضعه في وسطه، ثم أمرهم برفعه جميعا ثم أخذه فوضعه مكانه (٣). وقد ذكر عبد الله بن السائب المخزومي - وهو شاهد عيان اشترك في بناء الكعبة يومئذ - بأن قريشًا قالت لما دخل النبي من باب بني شيبة "أتاكم الأمين" (٤). مما يبرز مكانته في قومه قبيل البعثة.
ومما خالف فيه الرسول ﷺ قريشًا الوقوف بعرفة، وكانت قريش تفيض من مزدلفة على حين يفيض بقية الناس من عرفة، وتعلل قريش ذلك بأنها أهل الحرم، فليس لها أن تخرج من الحرمة، ولا تعظم غيرها كما تعظمها (٥).
_________________
(١) البخاري: صحيح ٢/ ١٦٤ كتاب الحج، باب لا يطوف بالبيت عريان ٢/ ١٧٥ كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة.
(٢) فتح الباري ١/ ٤٧٥.
(٣) أحمد: المسند ٣/ ٤٢٥ والحاكم: المستدرك ٣/ ٤٥٨ من حديث عبد الله بن السائب المخزومي وصححه وأقره الذهبي، لكن مداره على هلال بن خباب وهو صدوق تغير بأخرة ولا يعلم إن كان الراويان عنه هنا وهما عباد وأبو زيد سمعا منه قبل تغيره أم بعده (تهذيب التهذيب ١١/ ٧٨ والكواكب النيرات ٤٣٤) وله شاهد من حديث علي ﵁ (الطيالسي: مسند ١٨ والحاكم: المستدرك ١/ ٤٥٨ - ٤٥٩ وصححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي، مع أن خالد بن عرعرة - في إسناده - ليس من رجال مسلم، بل وثقه العجلي وابن حبان وهما متساهلان، وثمة علة أخرى في إسناده هي أن سماك بن حرب في سنده وقد تغيره بأخرة، ورغم تعدد الرواة عنه فإنهم جميعًا لم يذكروا فيمن رووا عنه قبل الاختلاط). والحديث من رواية عبد الله بن السائب على يرقى إلى الحسن لغيره. وله شواهد مرسلة تقويه (مصنف عبد الرزاق ٥/ ٩٨ - ١٠٠ عن مجاهد، ١٠٠ - ١٠١ عن الزهري).
(٤) مسند أحمد ٣/ ٤٢٥ والحاكم: المستدرك ٣/ ٤٥٨.
(٥) سيرة ابن هشام ١/ ٢١٦.
[ ١ / ١١٦ ]
أما رسول الله فكان يقف بعرفة، فلما رآه جبير بن مطعم واقفًا بعرفة قال: هذا والله من الحُمس فما شأنه هاهنا (١)!!
وهذا من توفيق الله لرسوله قبل البعثة، فكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم ومناكحهم وبيوعهم (٢).
وكان يطوف بالبيت العتيق، وقد طاف معه مولاه زيد بن حارثة مرة، فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم عاد زيد للمسها ليتأكد من الأمر، فنهاه ثانية فانتهي حتى كانت البعثة. وقد حلف زيد بن حارثة بأن رسول الله ما مس منها صنمًا حتى أكرمه الله بالوحي (٣).
وقد التقى النبي بزيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بَلْدح قبل البعثة، فقُدمت للنبي سفرة فأبى زيد أن يأكل منه لأنه خشى أن يكون الطعام مما ذبح على النصب أو لم يذكر اسم الله عليه (٤).
وقد بين الشُّرَّاح بهذه المناسبة أن النبي ما كان يأكل ما يُذبح على النصب.
_________________
(١) صحيح البخاري ٧/ ١٧٥ وصحيح مسلم ٢/ ٨٩٤.
(٢) البيهقي: دلائل ٢/ ٣٧.
(٣) الطبراني: المعجم الكبير ٥/ ٨٨ والبيهقي: دلائل النبوة ٢/ ٤٣ والحاكم: المستدرك ٣/ ٢١٦ - ٢١٧ وصححه وأقره الذهبي لكن الذهبي عاد فحسَّنه فقط في تاريخ الإسلام (السيرة النبوية للذهبي ٤٢) وهو صحيح لأن في إسناده محمد بن عمرو بن علقمة صدوق له أوهام (التقريب ٤٩٩).
(٤) صحيح البخاري (فتح الباري ٧/ ١٤٢، ٩/ ٦٣٠).
[ ١ / ١١٧ ]