وكان من نتائج غزوة أحد أن تجرأ الأعراب حول المدينة على المسلمين، وظهر ذلك في التجمعات التي قام بها بنو أسد بقيادة طليحة الأسدي وأخيه سليمة في نجد، وبنو هذيل بقيادة خالد بن سفيان الهذلي في عرفات، مستهدفين غزو المدينة طمعا في خيراتها وانتصارا لشركهم ومظاهرة لقريش وتقربا إليها، وكان ذلك في شهر محرم من السنة الرابعة للهجرة (١).
وتحرك المسلمون قبل أن يستفحل الأمر، فأرسل الرسول ﷺ أبا سلمة بن عبد الأسد بمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار إلى طليحة الأسدي الذي تفرق عنه أتباعه تاركين إبلهم وماشيتهم بيد المسلمين من هو المفاجأة (٢).
وأرسل عبد الله بن أنيس الجهني إلى خالد بن سفيان الهذلي فقتله وهو يرتاد بماشيته في بطن عرنة (٣) - واد معروف قرب عرفات -.
وسعت هذي للثأر لسفيان الهذلي ولجأت إلى الغدر والخديعة، ففي صفر (٤) سنة أربع قدم وفد من قبيلتي عضل والقارة المضريتين إلى المدينة، وطلبوا من الرسول ﷺ أن يرسل جمعا من أصحابه ليفقهوهم في الدين، فبعث عشرة من الصحابة - وقال ابن إسحق إنهم ستة، وقال موسى بن عقبة إنهم سبعة وذكرا أسماءهم - وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأقلح أميرا، فلما وصل الوفد بين عسفان ومكة، أغار عليهم بنو لحيان (من هذيل) وهم قريب من مائتي
_________________
(١) طبقات ابن سعد ٢/ ٥٠ وزاد المعاد ٢/ ١٢١.
(٢) طبقات ابن سعد ٢/ ٥٠.
(٣) مسند أحمد ٣/ ٤٩٦ بإسناد حسن، وقد صرح ابن إسحق بالسماع، وسنن أبي داؤد ١/ ٢٨٧ وقال ابن حجر: إسناده حسن (فتح الباري ٢/ ٤٣٧).
(٤) قال ابن حزم في نصف صفر (جوامع السيرة ١٧٦).
[ ٢ / ٣٩٨ ]
مقاتل، فأحاطوا بهم وقد لجأ الوفد إلى مكان مرتفع، وأعطى الأعراب الأمان من القتل للوفد، لكن عاصم بن ثابت قال: "أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر" فقاتلوهم حتى قتلوا عاصما وستة من أصحابه، وبقي ثلاثة فأعطاهم الأعراب الأمان من جديد فقبلوا، فلما نزلوا إليهم ربطوهم وغدروا بهم، فقاومهم عبد الله بن طارق فقتلوه واقتادوا الاثنين إلى مكة فباعوهما لقريش وهما خبيب وزيد.
فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي كان خبيب قد قتله يوم بدر، فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسى من بعض بنات الحارث، استحد بها فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس على فخذه، ففزعت المرأة لئلا يقتله انتقامًا منهم. فقال خبيب: أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله تعالى. فكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سَنَّ الركعتين عند القتل هو. ثم قال اللهم أحصهم.
ثم قال:
ما أبالي حين أقتل مسلما على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع
فقتل (١)
_________________
(١) صحيح البخاري ٥/ ٤٠ - ٤١ (ط. استانبول) ومسند أحمد ٢/ ٣١٠ - ٣١١. وسيرة ابن هشام ٣/ ١٦٥ - ١٦٧ من مرسل عاصم بن عمر بن قتادة.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وأما زيد بن الدثنة فاشتراه صفوان بن أمية وقتله بأبيه (أمية بن خلف الذي قتل ببدر)، وقد سأله أبو سفيان قبل قتله: أنشدك الله يا زيد أتحب محمدًا الآن عندنا مكانك تضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي.
فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا (١).
ويرى الواقدي أن هذيلًا على اتفاق مع عضل والقارة في الترتيب لهذا الحادث (٢) الذي عرف بحادثة الرجيع نسبة إلى الماء الذي جرت عنده. ورغم ما حدث في الرجيع فإن وفود المسلمين لدعوة الأعراب لم تنقطع إذ لا بد من تبليغ دعوة الإسلام مهما غلت التضحيات.
فلما قدم أبو براء عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنَّة على المدينة دعاه الرسول ﷺ إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد ووعد بإجارة وفد يرسله النبي ﷺ لدعوة الأعراب في نجد، فأرسل الرسول ﷺ وفدا برئاسة المنذر بن عمرو الخزرجي (٣) في شهر صفر من سنة أربع (٤) ومعه سبعون من القراء - وقال ابن إسحق أنهم أربعون فقط - فلما وصلوا بئر معونة من نجد على بعد ١٦٠ كيلًا عن
_________________
(١) رواه ابن إسحق من مرسل شيخه عاصم بن عمر بن قتادة وقد صرح بالسماع منه فتبقى علة الإرسال (سيرة ابن هشام ٣/ ١٦٠).
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/ ٥٠.
(٣) ابن إسحق من مرسل عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والمغيرة بن عبد الرحمن المخزومي وهما ثقتان (تاريخ خليفة بن خياط ٧٦ وسيرة ابن هشام ٢/ ١٧٤ وأخرجه موسى بن عقبة من مرسل عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، ورواها الطبري من حديث كعب بن مالك (تاريخ الأمم والملوك ٢/ ٣٠ - ٣١).
(٤) أرخ بن حزم حادثة بئر معونة لعشرين بقين من صفر (جوامع السيرة ١٨٠) فيكون قد أرخ لها قبل الرجيع لأنه ذكر أن الرجيع في نصف صفر - مع أنه سرد حادثة الرجيع قبل بئر معونة متابعًا ابن إسحق.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
المدينة (١) غدر بهم عامر بن الطفيل (٢) فقتل رسولهم إليه حرام بن ملحان طعنه رجل بأمره في ظهره برمح فصاح "الله أكبر فزت ورب الكعبة"!! وأحاط بهم الأعراب من رعل وذكوان (من بني سليم)، ودافع القراء عن أنفسهم فاستشهدوا سوى عمرو بن أمية الضمري كان قد تأخر عنهم، فعاد وأخبر الرسول ﷺ الخبر. فمكث يدعو على رعل وذكوان شهرًا في صلاة الغداة وذلك بدء تشريع القنوت. وكان القراء السبعون هؤلاء من خيار المسلمين يحتطبون بالنهار ويتصدقون به على أهل الصفة ويصلون بالليل ويتدارسون القرآن (٣).
وهكذا فقد المسلمون في شهر صفر من سنة أربع ثمانين من خيرة الدعاة فلم يكن تبليغ الدعوة الإسلامية سهلًا مأمونًا في بوادي الأعراب بل كان محفوفًا بالأخطار والموت ولكن لم يحل شيء دون الدعاة وتبليغ دعوة الله.
وكان لابد من تأديب الأعراب الغادرين فقاد الرسول ﷺ جيشًا إلى بني لحيان - الذين قتلوا القراء في الرجيع - في جمادي الأولى من سنة أربع فعلموا به وتفرقوا في الجبال وهذه رواية المدائني (٤). وأما ابن إسحق فذكر أنها كنت سنة ست (٥). ولعلهما يشيران إلى حادثتين مختلفتين.