وقد سلك المشركون طريقة الجدال لدحض الحق، فقد قال لهم رسول الله -ﷺ-: "يا معشر قريش، إنه ليس أحد يُعبد من دون الله فيه خير -وقد علمت قريش أن النصارى تعبد عيسى بن مريم وما يقول محمد (٣) -فقالوا: يا محمد الست تزعم أن عيسى كان نبيًا وعبدًا من عباد الله صالحًا؟ فلئن كنت صادقًا فإن آلهتهم لكما تقولون (٤).
فأنزل الله ﷿ ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٥).
_________________
(١) تاريخ الطبري ٢/ ٣٣٧ وتفسير ٣٠/ ٣٣١ من مرسل سعيد بن مينا فِعلتُهُ الإرسال. ووصله بإسناد آخر فيه محمد بن موسى الحرشي ضعيف، وفيه عبد الله بن عيسى بن خالد في روايته عن داود بن أبي هند مالا يوافقه عليه الثقات (تهذيب التهذيب ٥/ ٣٥٣).
(٢) ابن إسحاق: السير والمغازي ١٨٩ - ١٩٠، ٢١٠ بإسنادين منقطعين.
(٣) في الأصل "وما تقول في محمد" والتصويب من مجمع الزوائد ٧/ ١٠٤ يعني أن ما تعلمه قريش وما يقوله محمد واحد، فهما متفقان على المقدمة.
(٤) يعني أن نتيجة كلام الرسول أن عيسى ما فيه خيرٌ لأنه يُعبد من دون الله.
(٥) الزخرف ٥٧ والرواية في مسند أحمد ١/ ٣١٧ - ٣١٨ والمعجم الكبير للطبراني ١٢/ ١٥٣ - ١٥٤ كلاهما من حديث ابن عباس وإسنادهما حسن، عاصم بن بهدلة حسَّن الذهبي حديثه (ميزان الاعتدال ٢/ ٣٥٧) وثمة رواية ضعيفة تتضمن مجادلة حول الملائكة وعزير وعيسى وتذكر نزول آية أخرى (مستدرك الحاكم ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥ وصحح إسناده وأقره الذهبي، وفي إسناده محمد بن موسى القاشاني ضعيف). وانظر: تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٨ من رواية ابن مردويه وشيخه محمد بن علي بن سهل ضعيف (ميزان الاعتدال ٣/ ٦٥٢ - ٦٥٣). وتفسير الطبري ١٧/ ٩٧ بسند فيه عطاء بن السائب اختلط ولم يُذكر أن يحيى بن المهلب روى عنه قبل الاختلاط. وانظر رواية البزار بإسناد ضعيف (كشف الأستار ٣/ ٥٩) لأن فيه شرحبيل بن سعد انفرد ابن حبان بتوثيقه. ورواية ابن أبي حاتم في تفسيره بسند فيه مبهم (تفسير ابن كثير ٣/ ١٩٨).
[ ١ / ١٦٣ ]
وهذا القياس الفاسد من قريش، من تشبيه الأنبياء المكرمين بالأصنام المعبودة غير العاقلة اقتضى الرد عليه فقال الله تعالى مبينًا عبودية عيسى لله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ وإنه لم يدعُ إلى عبادة نفسه بل دعا إلى عبادة الله وحده: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ وسمَّى القرآن احتجاج قريش بالجدل ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾. وهو المِراء الباطل حيث كانوا عربًا فصحاء لا يخفى عليهم أن الآية ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (١) هي خطاب لقريش، وهم يعبدون أصنامًا لا تعقل، وليست خطابًا للنصارى، فلا يرد اعتراضهم على الآية أصلًا -وهي لما لا يعقل- بدعوى اشتمالها للمسيح (﵇).
ومن المجادلات التي أثارها المشركون سؤالهم عن الروح قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح. فنزلت ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢) قالوا: نحن لم نؤتَ من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة ومن أوتيَ التوراة فقد أوتي خيرًا كثيرًا!! فنزلت ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٣).
وسورة الإسراء كلها مكية (٤)، ويحتمل إعادة نزولها عندما أثار اليهود الجدل حول الروح مرة أخرى في المدينة (٥).
_________________
(١) الزخرف ٥٧ - ٦٤ وتفسير ابن كثير ٤/ ١١٧ - ١١٨ ط. خليل الميس.
(٢) الآية من سورة الإسراء ٨٥.
(٣) الآية من سورة الكهف ١٠٩ والرواية في سنن الترمذي ٥/ ٣٠٤ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ومسند أحمد ١/ ٢٥٥ ومستدرك الحاكم ٢/ ٥٣١ وصحح إسناده وأقره الذهبي وصححه أيضًا في السيرة النبوية ١٣٤ وصححه الحافظ ابن حجر على شرط مسلم في الفتح ٨/ ٤٠١ وفي السند عكرمة أخرج له مسلم مقرونًا (تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧٢).
(٤) ابن كثير تفسير ٣/ ٦٠ وحكى الزركشي الاتفاق على ذلك (البرهان ١/ ٣٠).
(٥) صحيح البخاري (فتح ١٠/ ١٥، ٨/ ٤٠١) وصحيح مسلم ٤/ ٢١٥٢ وسنن الترمذي ٥/ ٣٠٤. وهذا الجمع بين الروايات أولى من ترجيح نزول الآية في المدينة.
[ ١ / ١٦٤ ]
لقد ورد في القرآن الكريم أن مشركي قريش اتهموا رسول الله -ﷺ- بأخذ العلم من مصادر أعجمية، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١).
وقد بيَّن الصحابي عبد الله بن مسلم الحضرمي أنه كان لهم صبيَّان عبدان يصقلان السيوف، يقرآن التوراة، هما يَسار وخير، فمر بهما رسول الله -ﷺ- وهما يقرآن كتابًا لهما، فقال المشركون إنما يتعلم منهما فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
وكانا يقرآن التوراة بلسانهما، وأصلهما من أهل نجران (٣)، في حين تذهب رواية إلى أنهما من عين (٤) التمر. وتذهب روايات أخرى ضعيفة أيضًا إلى أن اسم القين الأعجمي بلعام (٥). أو يعيش (٦). إن الرواية الصحيحة تثبيت أن الرسول -ﷺ- مر به مرة واحدة، وتفيد أنهما صبيان، وكانا يقرآن التوراة بلسانهما أي بغير العربية والغالب أنها العبرانية كما هو معروف عن يهود الحجاز.
_________________
(١) النحل ١٠٣.
(٢) بحشل: تاريخ واسط ٤٩ بإسناد صحيح، وسماع خالد الطحان من حصين قبل الاختلاط (الكواكب النيرات ١٤٠) وسماع حصين من عبد الله بن مسلم صحيح (الإصابة ٤/ ٤١٩). وقارن برواية الطبري: تفسير ١٤/ ١٧٩ وفيها (وكان رسول الله ربما جلس إليهما) وفيه "جبر" بدل "خير". وقارن برواية ابن أبي حاتم (السيوطي: لباب النقول ١٣٤). وبرواية الحاكم (المستدرك ٢/ ٣٥٧) بإسناد ضعيف لضعف عبد الرحمن بن الحسن الأسدي شيخ الحاكم.
(٣) ابن حجر: الإصابة ٤/ ٤١٨ - ٤١٩ نقلًا عن البغوي وصحح سنده والواحدي: أسباب النزول ١٦١ - ١٦٢ (ط. دار الكتب العلمية).
(٤) بحشل: تاريخ واسط ٩٩ وفي سنده محمد بن خالد الطحان ضعيف وأسباب النزول للواحدي ١٦١ - ١٦٢ من طريق ابن فضيل التي أخرجها البغوي وفيها أنهما من نجران.
(٥) الطبري: تفسير ١٤/ ١٧٧ بإسناد ضعفه السيوطي (لباب النقول ١٣٤) فيه مسلم بن عبد الله الملائي وهو ضعيف (تقريب ٥٣٠) وقد رفعه إلى ابن عباس والمحفوظ أنه مرسل مجاهد كما في تفسير الطبري ١٤/ ١٧٩.
(٦) الطبري: تفسير ١٤/ ١٧٨.
[ ١ / ١٦٥ ]
ولو افترضنا أنه جلس إليهما عدة مرات كما في الروايات الضعيفة، فمن أين لغلامين يصقلان السيوف أن يعلما رسول الله نظامًا شاملًا للحياة ينبثق عن عقيدة مغايرة للنصرانية؟! ثم لماذا انفرد الرسول -ﷺ- بمعرفة ما عندهما من العلم، وأين مالكهما ابن الحضرمي من ذلك، وقد آمن برسالة محمد -ﷺ- وعنه نقل الخبر الصحيح بشأن غلاميه النصرانيين. وغنيّ عن القول أن لا علاقة للغلامين الأعجمين ببلاغة القرآن المعجزة، وهي حجة الله على العرب الفصحاء وعلى من عرف أسرار لغتهم وتذوق حلاوتها إلى يوم الدين. فكيف يكون مصدرها أعجميين؟!
وكذلك جادل المشركون في نزول القرآن منجمًا قائلين: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وقد بين الله تعالى علة ذلك بقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ (١).
وقد خاصم المشركون رسول الله -ﷺ- في القَدَر -وهو إثبات ما قدره الله وقضاه وسبق به علمه وكتبه على عباده فكل ما يقع لهم إنما هو مقدر في الأزل معلوم لله مراد له- فنزلت الآية ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٢)﴾ (٣).
ولقد منعت الأنفة والكبر المشركين من الاستماع إلى الرسول بحضور المستضعفين من المؤمنين مثل عبد الله بن مسعود وبلال الحبشي فطلبوا من الرسول أن يطردهم، فنزلت ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٤).
_________________
(١) الفرقان ٣٢. وانظر الرواية في مستدرك الحاكم ٢/ ٢٢٢ وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما لم يخرجاه ووافقه الذهبي. وانظر فتح القدير للشوكاني ٤/ ٧٥ (ط. دار المعرفة).
(٢) القمر ٤٨ - ٤٩.
(٣) صحيح مسلم ٤/ ٢٠٤٦ وسنن الترمذي ٤/ ٤٥٩ وقال: صحيح.
(٤) الأنعام ٥٢. والحديث في صحيح مسلم ٤/ ١٨٧٨ حديث رقم ٢٤١٣ وقد ذكرت رواية =
[ ١ / ١٦٦ ]
بل قد عاتب الله تعالى رسوله عندما أعرض عن ابن أمِّ مكتوم وهو يسأله عن شيء ورسول الله منصرف إلى الكلام مع أبي بن خلف فنزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (١).
إنه لا مجال للامتيازات في دعوة الحق بسبب الحسب والنسب أو المال والجاه، فهي إنما جاءت لتأصيل النظرة إلى الإنسان وبيان وحدة الأصل وما تقتضيه من المساواة والتكافؤ، من هنا يمكن تعليل شدة أسلوب العتاب الذي وجهه الله تعالى لرسوله -ﷺ- للاهتمام الكبير الذي أظهره لأُبيّ بن خلف على حساب استقباله لابن أم مكتوم الضعيف، فابن أم مكتوم يرجح في ميزان الحق على المئات من أمثال أبيّ بن خلف.
وقد جادل المشركون في عقيدة البعث فأكثروا فيها الجدل، فإن عقليتهم لم تتسع إلى تصور الحياة بعد الموت -كما حكى القرآن على لسانهم، ولكن هذا لا ينطبق على البعض منهم مثل أمية بن أبي الصلت حيث يدل شعره على إيمانه بالبعث والآخرة - ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ - (٢). حتى جاء العاص بن وائل بعظم بالٍ إلى رسول الله -ﷺ-، فتساءل ساخرًا إن كان الله يبعث ذلك العظم البالي!! فقال له رسول الله: "نعم، يبعث الله هذا ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك نار جهنم". فنزلت الآيات ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ
_________________
(١) = ضعيفة أسماء الذي طلب الملأ طردهم وهو سعد وعبد الله بن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. (ابن ماجة: السنن ٢/ ١٣٨٣ بإسناد فيه قيس بن الربيع صدوق اختلط لما كبر (تقريب التهذيب ٤٥٧).
(٢) عبس ١. والحديث في سنن الترمذي ٤/ ٢٠٩ بإسناد رجاله رجال الصحيح وصححه الحاكم على شرطهما لكن الذهبي رجح فيه الإرسال (المستدرك ٢/ ٥١٤).
(٣) الصافات ١٦. (ابن ماجة: السنن ٢/ ١٣٨٣ بإسناد فيه قيس بن الربيع صدوق اختلط لما كبر (تقريب التهذيب ٤٥٧).
[ ١ / ١٦٧ ]
نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (١) إلى آخر السورة (٢).
ولم يكن أهل مكة يعترفون بعقيدة النبوة نفسها -إلا الحنفاء الموحدين، وهم قلة قليلة-، لذلك كانت مواجهتهم لنبوة محمد -ﷺ- ساخرة مليئة بالريبة كما في الآية ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٣).
وقد تجادل ثلاثة من المشركين بينهم عند البيت الحرام حول إحدى صفات الله وهي السمع، فمنهم من أثبتها ومنهم من أنكرها فنزلت الآية ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ (٤). أي أنهم ما كانوا يخفون عن حواسهم وأعضائهم المعاصي التي يرتكبونها لاعتقادهم أن الله لا يعلم جميع ما يفعلون.
ولما نزلت الآية ﴿ألم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (٥). وقعت مجادلة بين أبي بكر والمشركين حول الحرب بين الروم والفرس، وكان المسلمون يحبون أن ينتصر الروم لأنهم نصارى، وكان عاطفة المشركين مع الفرس لأنهم مجوس وأهل أوثان، فراهن أبو بكر على انتصار الروم خلال خمس سنوات برهان، وذلك قبل تحريم الرهان في الإسلام (٦). ويؤيد
_________________
(١) يس ٧٧.
(٢) الحاكم: المستدرك ٢/ ٤٢٩ وصححه ووافقه الذهبي. وأما رواية الطبري التي تقول: إن السائل هو عبد الله بن أبي سلول فضعيفة الإسناد من طريق عطية العوفي ولأن السورة مكية. تفسير ابن كثير ٣/ ٥٨١ (ط. دار الشعب) نقلًا عن ابن أبي حاتم.
(٣) الإسراء ٩٤.
(٤) فصّلت ٢٢. والرواية في الصحيحين (فتح الباري ٨/ ٥٦٢ وصحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١٢٢). وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٨٧ (ط. خليل الميس).
(٥) الروم ١ - ٤.
(٦) والرواية في سنن الترمذي ٥/ ٣٤٣ - ٣٤٤ وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب، وصححه الحاكم في (المستدرك ٢/ ٤١٠ ووافقه الذهبي). وانظر الفتح الرياني ١٨/ ٢٢٨ والمعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٢٩ وتفسير الطبري ٢١/ ١٢ ودلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٣٣٠.
[ ١ / ١٦٨ ]
حساب السنين أن الرهان جرى في بداية مرحلة الجهر بالدعوة.
ولا بد أن فرحة المؤمنين بانتصار الروم كانت كبيرة لما فيها من تأييد القرآن وخذلان المشركين فضلًا عن انتصار أهل الكتاب على المجوس، بل قد أسلم ناس كثير على أثر ذلك (١).
إن مراقبة الأوضاع خارج الجزيرة العربية مهمة لبلد تجاري كمكة، وخاصة الصراع بين أقوى دول العالم يومئذ: الفرس والروم. كما أن نبوءة القرآن كانت تشعر المؤمنين بأهمية متابعة التطورات السياسية خارج بلادهم، بل وفيها ما يرمز إلى وحدة موقف المؤمنين بالله أمام الوثنية والإلحاد منذ أن كان المؤمنون قلة مستضعفة بمكة.
إن الجدل الساخن يوضح جانبًا آخر من العلاقات بين المسلمين والمشركين، وقد تصاعد العنف مع الأيام، فأصبح المسلمون في حالة انفصام تام عن المجتمع المكي تحيط بهم النظرات الغاضبة والألسن الشاتمة والأيدي المعتدية بأنواع العذاب، لذلك صار مقام المسلمين في مكة غاية في الصعوبة ومن هنا جاء التفكير بمكان آمن يهاجرون إليه، وكان توجههم الأول نحو الحبشة.