وقعت أحداث شق صدر النبي ﷺ وغسله ولأمِهِ، مرتين (٢)، الأولى عندما كان طفلًا في الرابعة من عمره (٣).، يلعَبُ في بادية بني سعد، وقد روى الإِمام
_________________
(١) = جعفر غير مشهور في الرواية والمحفوظ من حديث حليمة ما تقدم قبل من رواية عبد الله بن جعفر. وله شاهد من حديث أسلم العدوي (ابن سعد: الطبقات ١/ ١٥١ - ١٥٢) لكنه من طريق الواقدي وهو متروك.
(٢) مسند أحمد ٤/ ١٨٤ - ١٨٥ من حديث عتبة بن عبد المسير وسنن الدارمي ١/ ٨ - ٩ ومستدرك الحاكم ٢/ ٦١٦ - ٦١٧ وتاريخ دمشق لابن عساكر (السيرة ق١/ ٣٧٦ - ٣٧٧) وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي، كما صححه في تاريخ الإسلام (السيرة ١/ ٢١) وحسن الهيثمي إسناد أحمد (مجمع الزوائد ٨/ ٢٢٢) وحسن البوصيري سنده وقال: "وبقية ثقة وإن كان مدلسًا فقد صرح بالتحديث في بعض طرقه كما رواه الإمام أحمد، (إتحاف الخيرة ٤/ ٣٧٠ - ٣٧١) وقال الألباني في السلسلة الصحيحة رقم ٣٧٣ مثل قول البوصيري وأضاف: وللحديث شواهد كثيرة (انظر السلسلة الصحيحة ٤/ ٥٩). والحق أن السند من طريق بقية لا يقوى بتصريحه بالتحديث عن شيخه فقط، بل يلزم أن يصرح بالسماع من سائر طبقات رجال السند لأنه معروف بتدليس التسوية، ولم يصرح بقية في سائر الطرق بسماع بحير بن سعد من خالد بن معدان.
(٣) وردت روايات تفيد وقوع شق الصدر مرة ثالثة قبيل البعثة ساقها أبو نعيم الأصبهاني (دلائل النبوة ص ٦٩) والطيالسي (منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داؤد ٢/ ٨٦) - ط١ سنة ١٩٧٢ هـ، المطبعة المنيرية -الأزهر- وفي إسنادها داؤد بن المحبر وهو متروك فروايته ساقطة لا يعوّل عليها، كما ساق السيوطي روايتين تفيدان وقوع شق الصدر قبل البعثة في رؤيا منامية (الخصائص الكبرى ١/ ٢٣٢).
(٤) ذكر عمره ابن سعد: الطبقات ١/ ١١٢ وانظر دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني ص ٤٩. وذهب الأموي ومن بعده ابن عبد البر إلى أنه كان في الخامسة، وهذا قد روي عن ابن عباس أيضًا (شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ١/ ١٥٠) ولكن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل وأبا نعيم ساقا رواية أخرى تقول إنه كان في العاشرة وأشهر من عمره (مسند أحمد ٥/ ١٣٩) وإسناده فيه معاذ بن محمد بن معاذ عن أبيه، وكلاهما مجهول كما قال ابن المديني. (الذهبي: ميزان الاعتدال ٤/ ٤٤).
[ ١ / ١٠٣ ]
مسلم في صحيحه حادثة الشق الأولى عن أنس بن مالك "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﷺ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقةً فقال: هذا حظ الشيطان منك ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه (١)، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره- فقالوا إن محمد قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون.
قال أنس: وقد كنت أرى أثر المخيط في صدره (٢).
ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوّة، وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله. فلا يحل في قلبه شيء إلا التوحيد (٣) وقد دّلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثمًا ولم يسجد لصنم (٤). رغم شيوع ذلك في قومه.
أما المرة الثانية التي وقع فيها شق صدره ﵊ فكانت ليلة الإسراء (٥).
_________________
(١) جمعه وضم بعضه إلى بعض (شرح النووي على مسلم ٢/ ٢١٦).
(٢) صحيح مسلم ١/ ١٤٧، كتاب الإيمان، باب ٧٤ الإسراء برسول الله ﷺ إلى السموات وابن هشام: السيرة النبوية ١/ ١٦٦ بإسناد جيد قوي كما يقول الحافظ ابن كثير (السيرة النبوية ١/ ٢٢٩ بتحقيق مصطفى عبد الواحد).
(٣) انظر اجتهاد العلماء في استجلاء الحكمة من الحادثة الروض الأنف للسهيلي ٢/ ١٧٣ وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٢٠٥.
(٤) زعم المستشرف نيكلسون NICHOLSON أن حديث شق صدر النبي ﷺ أسطورة نشأت عن تفسير الآية القرآنية ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وأنه لو كان لها أصل فعلينا أن نخمن أنها تشير إلى نوع من الصرع. NICHOLSON،R.A. Aliterary History of the Arabs (Cambridge،١٩٦٦). وهذا الذي زعمه نيكسون سبقه إليه المشركون القرشيون حين اتهموا رسول الله ﷺ بالجنون فنفى الله عنه ذلك " ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ " والمعلوم عن المصروع أنه يهذي ويزبد ويفقد وعيه، أما رسول الله ﷺ فقد كان عند الوحي في أشد حالات التركيز الذهني حتى أمره الله تعالى بأن يخفف عن نفسه ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ثم إنه كان ينطق بكلام مبين عُدَّ آية في البلاغة، فأين هذيان المصروع من ذلك؟!!
(٥) انظر ص ١٨٨.
[ ١ / ١٠٤ ]
لقد أدت هذه الحادثة إلى إعادة الرسول إلى أمه آمنة وجده عبد المطلب، لأن حليمة خافت عليه (١) ورغبت في إنهاء مسئوليتها عنه رغم حبِّها له وتعلقها به.
وحكى الواقدي عن ابن عباس أنه كان في الخامسة من عمره عندما أعادته حليمة (٢).
وذكر غيره أنه رد إلى أمه وهو ابن أربع سنين، وكان معها إلى أن بلغ ست سنين (٣). حيث توفيت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار، فماتت وهي راجعة إلى مكة (٤).
ولم تثبت هذه الأخبار برواية صحيحة، ولكنها مما يتساهل فيه عادة.
وقد ترك يُتم النبي في نفسه أعمق الأثر، ففي طفولته فقد أمه وكان قد ولد يتيمَ الأب. وقد بيَّن الزُّهري أن جده عبد المطلب كفله ورعاه (٥). ويذكر الواقدي أن جدّه حين توفي -وكان عمره اثنتين وثمانين سنة- أوصى أبا طالب -عمَّه- به (٦).
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ١٨٤ - ١٨٥ وسنن الدارمي ١/ ٨ - ٩ ومستدرك الحاكم ٢/ ٦١٦ من حديث عتبة بن عبد السلمي ومداره على بقية بن الوليد وهو مدلس ولم يصرح بالسماع في سائر طبقات الإسناد، بل عنعن في سائرها بين بحير بن سعد وخالد بن معدان، ولو فعل لحسن الإسناد، ويؤيده مرسل الزهري (المصنف لعبد الرزاق ٥/ ٣١٧ - ٣١٨).
(٢) طبقات ابن سعد ١/ ١١٢.
(٣) أبو نعيم: دلائل النبوة ١/ ١١٨ والسيرة الحلبية ١/ ١٢٣ مقتصرًا على عمره بعد مكثه عند أمه، ونقل ذلك عن الأموي.
(٤) هذا هو قول ابن إسحاق سمعه من عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم مرسلًا وهو قول الواقدي أيضًا (سيرة ابن هشام ١/ ١٥٥ وطبقات ابن سعد ١/ ١٦٦ - ١١٧).
(٥) مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣١٨ من مرسل الزهري.
(٦) طبقات ابن سعد (١/ ١٧٧ - ١١٩) والواقدي متروك.
[ ١ / ١٠٥ ]
وكان رسول الله في الثامنة من العمر (١). ولا شك أن محمدًا أحس بفقدان جده لما كان يَحبُوه به من العطف والرعاية (٢).
وقد وردت روايات تفيد عطف أبي طالب عليه وتعلقه به (٣)، ومما يدل على شدة محبة أبي طالب إياه صحبته له في رحلته إلى الشام. ويبدو أنه في فترة حضانة أبي طالب له ساعده محمد ﷺ في رعي غنمه، وقد ثبت أنه عمل على رعيها لأهل مكة مقابل قراريط (٤)، ولعل ضيق حال أبي طالب هو الذي دفعه إلى العمل لمساعدته، ورعي الغنم فيه دربة لرسول الله ﷺ على رعاية البشر فيما بعد، فقد ألف العمل والكفاح منذ طفولته، واعتاد أن يهتم بما حوله، ويبذل العون للآخرين، وربما يذكرنا رعيه للغنم بأحاديثه التي تحث على الإحسان للحيوان.