مكة (١):
تقع مكة في بطن واد، وتشرف عليها الجبال من جميع النواحي فإلى الشرق يمتد جبل أبو قبيس وإلى الغرب يحدها جبل قعيقعان. ويمتدان بشكل هلال فيحصران عمران مكة وتعرف المنطقة المنخفضة من الوادي بالبطحاء ويقع بها البيت العتيق، وتحيط بها دور قريش، أما المنطقة المرتفعة فتعرف بالمعلاة، أما عند طرفي الهلال فتقوم دور ساذجة لقريش الظواهر وهم أعراب فقراء أصحاب قتال، لكنهم دون قريش البطاح في التحضر والغنى والجاه. وكانت صلات النسب بين قريش وكنانة - حيث أن قريشا تنتمي إلى كنانة - التي تسكن قريبًا من مكة، تعطي مكة عمقًا استراتيجيًا، وقد وثقت صلة النسب بالمحالفات أيضًا، وكان الأحابيش الذين يعيشون قريبًا من مكة حلفاء لقريش أيضًا، وكانوا يستخدمون في حراسة القوافل المكية. وامتدت الأحلاف لتشمل القبائل التي تقع على خطوط التجارة المكية إلى الشام والعراق واليمن، وكانت قريش تدفع لهم جعالات معينة وتشرك زعماءهم في تجارتها وسمى هذا بـ (الإيلاف) الذي أوجده هاشم بن عبد مناف. بل تمكن هاشم بن عبد مناف من الحصول على حق التجارة داخل أراضي الروم والفرس بالاتفاق مع حكامهم، وعقد المعاهدات معهم، وسلوك مسلك الحياد بين القوتين، فارس والروم. واقتصاد مكة يقوم أساسًا على التجارة أما الصناعة فكانت قليلة أبرزها صناعة الأسلحة من رماح وسيوف ودروع ونبال وسكاكين ثم صناعة الفخار والنجارة لصناعة الأسرة والأرائك، كما أن الموارد الاقتصادية الأخرى مثل تربية الماشية والصيد كانت معروفة، ولكن بقيت التجارة أساسًا لاقتصاد مكة فكانت سياسية الإيلاف
_________________
(١) لخصت هذه النبذة من الجزء الرابع من كتاب (المفصل في تاريخ العرب) للدكتور جواد علي ومن كتاب (مكة عصر ما قبل الإسلام) للسيد أحمد أبو الفضل عوض الله، مطبوعات دار الملك عبد العزيز - ١٤٠١ هـ (١٩٨١ م).
[ ١ / ٧٧ ]
والمعاهدات سببًا في ازدهار مكة وتكاثر رؤوس الأموال فيها بسبب الانتقال من التجارة المحلية إلى التجارة الدولية، وساعد النزاع بين الفرس والروم على ازدهار طرق التجارة البحرية بدل الطريق البري بين العراق والشام فكانت البضائع تنقل من الهند إلى اليمن ثم مكة فالشام، وصارت القوافل الكبيرة تمول من قبل عدد كبير من المكيين بشكل أسهم في تزيد وتنقص حسب قدراتهم المالية، وهكذا ساعدت التجارة على تعميق أواصر المجتمع المكي إذ ربطته بالمصالح إلى جانب وشائج القربى. لكن هذه المشاركة لم تحل دون نشوء طبقة غنية متخمة وأخرى متوسطة وثالثة معدمة، فرؤوس الأموال الكبيرة بيد الأغنياء، وهي تتعاظم بالتجارة وبالإقراض الربوي للمحتاجين، وبالاستثمار في الزراعة في الطائف المجاورة. وهكذا كان من أغنياء مكة من يأكل بصحاف الذهب والفضة في حين كان أكثر أهل مكة فقراء.
وكانت تجارة مكة تسلك أحيانًا الطرق البحرية إلى جانب الطرق البرية، لكنها لم تكن تملك أسطولًا تجاريًا بل تستخدم السفن الحبشية في العبور إلى الحبشة أما السفن الرومية فكانت تصل إلى ميناء الشعيبة قبل أن تأخذ مكانها جدة في خلافة عثمان (رض). وكانت قريش تحصل من الحبشة على البخور والأطياب وريش النعام والعاج والجلود والتوابل والرقيق الأسود، وتحصل من الشام على القمح والدقيق والزيت والخمر، وتحصل من الهند على الذهب والقصدير والحجارة الكريمة والعاج وخشب الصندل والتوابل كالبهار والفلفل ونحوها والمنسوجات الحريرية والقطنية والكتانية والأرجوان والميعة والزعفران والآنية الفضية والنحاسية والحديدية. وكانت تحمل حاصلات بلاد العرب من الزيت والبلح والصوف والوبر والشعر والجلود والسمن.
والاقتصاد التجاري يحتاج إلى الأمن، وقريش كانت تستعمل سياسة الحلم واللين وليس القوة للوصول إلى غاياتها التجارية وأمان طرقها الخارجية. ولم تدخل قريش في حروب قبل الإسلام سوى حروب الفجار الأربع التي هي
[ ١ / ٧٨ ]
حروب صغيرة ومناوشات. وقد شهد الرسول ﷺ آخرها وهو الفجار الرابع وعمره عشرون سنة، ولم تحرز قريش النصر على الأعراب في تلك المناوشات. وقد ساعدها على تحقيق الأمن وجود الكعبة التي يحج إليها العرب من شتى الأصقاع حيث تحيط بها أصنامهم الستون والثلثمائة بعضها جلبها عمرو بن لحي الخزاعي - وهو أول من غير دين إبراهيم ﵇ - من الشام مثل هبل وبعضها صنع محليًا وبعضها ليست مصنوعة بل هي حجارة مثل أساف ونائلة. وكون مكة مركزًا لعبادة العرب يمنح قريشًا الاحترام ويحقق لها الإيلاف مع القبائل والحماية بالتالي لتجارتها. وحرمة مكة قديمة ترجع إلى إبراهيم ﵇ وقد ظلت أرضًا مقدسة وحرمًا آمنا حتى ظهور الإسلام الذي أكد على حرمتها وقدسيتها، ولم يقتصر تقديس الكعبة على المكيين بل امتد إلى العرب في شبه الجزيرة، ولم تتمكن بيوت الأوثان والأصنام من منافستها مثل بيت الأقيصر وبيت ذي الخلصة وبيت صنعاء وبيت رضاء وبيت نجران، ولم تنجح محاولة أبرهة لتحويل الحج إلى القليس التي ابتناها في صنعاء بعد أن أخفقت حملته العسكرية على مكة سنة ٥٧٠ م. ورغم وجود أخبار عن سكان مكة القدامى وهم جرهم ثم خزاعة ثم قريش فإن معظم الأخبار تخص قريشًا، وكثير من أخبارها تشعر بأنها صالحة للبحث التأريخي وليست أسطورية. وخاصة بعد أن جمع قصي بن كلاب عشائر قريش واستولى بها على مقاليد الأمور بمكة - وذلك في النصف الأول من القرن الخامس للميلاد، وبذلك يتطابق التاريخ السياسي والأدبي لأن تاريخ الأدب الجاهلي لا يرقى إلى أكثر من ١٥٠ سنة قبل الإسلام- وكانت بيد خزاعة ووزع رباع مكة وخططها بين قريش، فبدأت تبني دورها بالحجر داخل الحرم بعد أن كانت منطقة مشجرة خالية من البناء، وكان الشجر مقدسًا لا يقطع حتى قطعه قصي فتجرأ الناس على قطعه. ثم قام قصي بتنظيم مكة فقسم الوظائف والواجبات بين أولاده وهي الحجابة والسقاية والرفادة واللواء والندوة، وكان قصي قد اتخذ لنفسه دار الندوة وجعل بابها إلى مسجد الكعبة،
[ ١ / ٧٩ ]
ففيها كانت قريش تتشاور في أمور السلم والحرب وفيها تجري عقود الزواج والمعاملات فهي دار مشورة ودار حكومة يديرها (الملأ) الذين يمثلون زعماء الأسر وأصحاب الرأي في مكة ويندر أن يقل عمر أحدهم عن سن الأربعين، ويتقيد الناس بأوامر الندوة عادة وعرفًا، فليس ثمة قانون مكتوب، وليس ثمة رئيس أو حاكم أو مالك في مكة، ولا يتم انتخاب أعضاء الندوة بالاقتراع بل يحددهم العرف، ويمارس رئيس كل عشيرة صلاحياته على عشيرته. وقد فرض قصي العشر على التجار القادمين إلى مكة من غير أهلها، فصار أحد مصادر الثروة في مكة. وصار أمر قصي في قريش كالدين المتبع اعترافًا بفضله وشرفه ويمنه.
وقد اتسم (الملأ) بالمحافظة الشديدة على العقائد والتقاليد والأعراف السائدة لتأكيد حقوقهم الموروثة ومكانتهم الاجتماعية ومصالحهم الاقتصادية وكل ذلك يتحقق بالمحافظة على الأوضاع السائدة ووحدة أهل مكة، مما يفسر شدة مقاومتهم للإسلام عند ظهوره، فقد رأوا فيه تهديدًا لوحدة قريش، وأغاظهم جدًا أن يهاجر المسلمون إلى الحبشة ثم المدينة.
لقد قام أبناء قصي وأحفادهم بأعمال مهمة أدت إلى ازدهار مكة وبنفس الوقت أبرزت مكانتهم وفضلهم وشرفهم ومكنت لسيادتهم. وإذا استعرضنا ما انجزوه، فإن قصيًا هو الذي جمع قريشًا ومكن لها في مكة ونظم شؤونها، وأمسك أبناؤه بزمام وظائفه من بعده من السقاية والرفادة والحجابة واللواء والندوة، وتمكن هاشم بن عبد مناف بن قصي من عقد الإيلاف وتوسيع نطاق التجارة المكية بإخراجها من الحدود المحلية إلى النطاق الدولي، وقام بحفر عدة آبار لخدمة قريش والحجيج معًا، وعرف المطلب أخو هاشم بالنسك والأمر بترك الظلم والبغي والحث على مكارم الأخلاق، وعرف عبد المطلب بن هاشم بالفياض لجوده وبشيبة الحمد لكثرة حمد الناس له، وقد اشتهر بحفر ماء زمزم التي طغت على مياه آبار مكة الأخرى لغزارتها ودوامها وأنها ألطف مذاقًا من مياه
[ ١ / ٨٠ ]
آبار مكة الأخرى، وكان أبناء قصي قبل حفرها يأتون بالمياه من آبار خارج مكة.
ولم يكن عبد المطلب أغنى رجل في قريش ولا زعيم مكة الوحيد، ولكن صلته بشؤون البيت العتيق وخدمة الحجيج جعلته من وجهاء مكة وهو الذي حادث أبرهة عندما غزا الأخير مكة.
وقبيل ظهور الإسلام تولى أبو طالب بن عبد المطلب الرفادة والسقاية ولم يكن له مال ينفقه في هذا السبيل فاستدان من أخيه العباس بن عبد المطلب عشرة آلاف درهم فأنفقها، ولم يتمكن من رد المبلغ تنازل عن الرفادة والسقاية إلى العباس بن عبد المطلب ..
وهكذا فإن عشيرة الرسول ﷺ كانت تتبوأ مكانة اجتماعية خاصة في مكة عند ظهور الإسلام، رغم أنهم كانوا وسطاء في الثراء، وربما كانوا دون أوساط تجار مكة، وكان الثراء قبيل الإسلام في بني عبد شمس وبني نوفل وبني مخزوم، وقد نازعتهم العشائر القرشية الأخرى السيادة على مكة، وكان النزاع على السيادة بين تلك العشائر القرشية قد بدأ بين أبناء قصي وأدى إلى انقسام العشائر إلى محورين هما المطيبون (بنو عبد مناف ومن حالفهم وهم بنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة وبنو تميم وبنو الحارث بن فهر) والأحلاف (بنو عبد الدار ومن حالفهم وهم سهم وجمح ومخزوم وعدي)، كما حدثت منافرات ومنازعات داخل الأسرة الواحدة أحيانًا، كما حدث بين أمية بن عبد شمس وعمه هاشم بن عبد مناف، ومن بعدهما بين ابنيهما حرب بن أمية وعبد المطلب بن هاشم. وقد ساعد الأمن والسلام الذي ساد مكة قبيل الإسلام على بقاء زعمائها خلافًا لزعماء المدينة الذين أفنتهم الحروب الداخلية، وهذا أحد أسباب شدة المقاومة للدعوة الإسلامية من قبل قريش.
ومن أبرز رجالات مكة في عصر الرسالة الأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث الزهري، وكانا من أعز قريش في الجاهلية، وكانا من المستهزئين بالرسول ﷺ وأصحابه.
[ ١ / ٨١ ]
ومن زعماء مكة آنذاك أبو جهل والحارث وعمرو أبناء المغيرة بن هشام المخزومي، وقد اشتهرت عداوة أبي جهل وعمرو للإسلام، وصدهما الناس عن رسول الله ﷺ، وقيام أبي جهل بتعذيب المستضعفين من المسلمين.
ومنهم حكيم بن حزام بن خويلد، والحكم بن أبي العاص بن أمية، والوليد بن المغيرة المخزومي وكان عظيم الثراء، متعاليًا متغطرسًا، وكان أحد المستهزئين بالإسلام أنفة وغرورًا واستكبارًا.
ومنهم أبو أمية سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، وكان عدوًا على الإسلام محرضًا على المسلمين.
ومنهم عمرو بن عبد ود العامري، وهو فارس مشهور.
وسهيل بن عمرو الذي مثل قريشا في صلح الحديبية.
ومنهم الحارث بن قيس بن عدي السهمي أحد المستهزئين بالإسلام وأهله، ومنهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس.
ومنهم أبو سفيان صخر بن حرب الذي اشتهر بقيادة تجارة قريش الخارجية بالإضافة إلى قيادة مكة في الحرب، وكان معاندًا للإسلام ولعله أكثر الزعماء تصديًا للإسلام حتى إسلامه وقت فتح مكة.
ومنهم عبد العزى بن عبد المطلب من أغنياء مكة ووجهائها الذين وقفوا بقوة أمام الدعوة الإسلامية.
ومنهم أبو لهب عم الرسول ﷺ، وكان من وجهاء مكة وعرف بمواقفه العدائية من الإسلام.
ولا شك أن هذا العدد الكبير من الزعماء الأقوياء الذين وقفوا أمام الدعوة الإسلامية وناصبوها العداء وأوقعوا بأتباعها البلاء يوضح الظروف الصعبة التي واجهت الرسول ﷺ بمكة.
أما الزعماء الذين أسلموا أو وقفوا إلى جانب الإسلام في العهد المكي فهم أبو طالب وحمزة والعباس أبناء عبد المطلب وأبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
[ ١ / ٨٢ ]
الحياة الدينية في مكة (١):
كانت هاجر ورضيعها أول ساكنين بمكة، ثم جاءت جرهم فاستقرت إلى جوار زمزم، ثم ابتنى إبراهيم الكعبة وهي أول بيت لعبادة الله، فإبراهيم كان رسولًا يدعو إلى عقيدة التوحيد، فلا بد أن جرهم اتبعت الإبراهيمية لتتم المحافظة على التوحيد في الأجيال الأولى بمكة التي أعقبت بناء الكعبة، ويبدو أن عقيدة التوحيد في نفوس الناس أصابها انحراف نحو عبادة الأصنام والأوثان، وتشير كتب الأخبار والتاريخ إلى أثر عمرو بن لحي الخزاعي في جلب هذه الأصنام من الشام إلى مكة وقيامه بالدعوة إلى عبادتها، ويبدو أن تعاليم الإبراهيمية في زمن عمرو بن لحي كانت ضعيفة التأثير في نفوس الناس وربما كانت تفاصيل الديانة قد ضاعت، ومن هنا ظهر استعداد الناس لقبول الشرك وما يتصل به من عقائد باطلة. وإذا كانت هذه الصورة مأخوذة من أقوال الإخباريين التي كثيرًا ما تتضارب وتتعارض فإن من الثابت أن عمرو بن لحُيّ الخزاعي قد ابتدع عادات ومعتقدات في مكة مخالفة للدين الحق وأن النبي ﷺ بَيَّن أنه رآه في المنام يجر قصبة في النار، وأنه أول من سيب السوائب (٢)، وهو تحريم ظهر الأنعام فلا يحمل عليها شئ نذرًا للأصنام فتسيب فلا تحبس عن مرعى ولا ماء ولا يركبها أحد، وهذا تحريم لم يأذن به الله حتى لو لم يقترن بالنذر للأصنام، وأما مع الاقتران فهو الشرك.
_________________
(١) لخصت هذه النبذة من (مسائل الجاهلية التي خالف فيها رسول الله أهل الجاهلية) لمحمد بن عبد الوهاب مع شرح محمود شكري الآلوسي، ومن الجزء السادس من كتاب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) للدكتور جواد علي، ومن كتاب (الميثولوجيا عند العرب) لمحمود سليم الحوت. والمصدران الأخيران يناقضان العقيدة الإسلامية بسبب تأثرهما بالدراسات الاستشراقية في قضايا الوحي والنبوة.
(٢) أخرجه البخاري كما في فتح الباري ٦/ ٥٤٧ و٨/ ٢٨٣.
[ ١ / ٨٣ ]
وهذا التأكيد من الإخباريين على أثر عمرو بن لحي لابد أنه يستند إلى أصل تاريخي يثبت أن له أثرًا في تحريف الإبراهيمية ونشر الشرك بين أهل مكة وخارجها.
إن أصدق مصر بين عقائد الجاهلية هو القرآن الكريم من خلال جدله الديني مع المشركين وتفنيد عقائدهم، وقد بين الله تعالى في القرآن أن العرب المشركين كانوا يعبدون آلهة مزعومة لتقربهم إلى الله زلفى ولتشفع لهم عنده " ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ " (١) فهم يعرفون الله لكنهم يستشفعون إليه بالآلهة المزعومة " ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ " (٢)، فيعبدون الأصنام والأوثان معتقدين أنها منازل الأرواح كما بين الإخباريون، وقد اتصلت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقودًا متتابعة بسبب التقليد فكل جيل جديد يرث عن أسلافه هذه الوثنية، فترسخت على مر الأيام لما كانوا عليه من تعظيم الأسلاف " ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ " (٣) وقد أعماهم التقليد عن نقد تراثهم العقدي وتحكيم العقل والأخذ بالدليل الصحيح. واستتبع الانحراف في العقيدة انحراف في العبادة والسلوك والشعائر والشرائع، فإذا بمناسك الحج تدخلها الوثنية، حيث وضعت الأصنام حول الكعبة، وجرى الطواف حولها مع التعري من الثياب أحيانًا، وأصبحت قريش أخيرًا لا تخرج إلى عرفات بل تقف بمزدلفة خلافًا للناس "وكانوا لا يسلأون ولا يأقطون ولا يرتبطون عنزًا ولا بقرة ولا يغزلون صوفًا ولا وبرًا ولا يدخلون بيتًا من الشعر والمدر، وإنما يكتنون بالقباب الحمر في الأشهر الحرم، ثم فرضوا على العرب قاطبة أن يطرحوا أزواد الحل إذا دخلوا الحرم، وأن يتركوا ثياب الحل ويستبدلوها بثياب الحرم، إما شراء
_________________
(١) يونس:١٨.
(٢) الأنعام:١٩.
(٣) الزخف:٢٢.
[ ١ / ٨٤ ]
وإما عارية وإما هبة، فإن وجدوا ذلك فيها وإلا طافوا بالبيت عرايًا، وفرضوا على نساء العرب مثل ذلك، غير أن المرأة كانت تطوف في درج مفرج القوائم والمآخير"، وهكذا ابتدعوا وشرعوا ما لم يأذن به الله مع ادعائهم أنهم على شريعة أبيهم إبراهيم ﵇!!.
وكان تصورهم لله فيه قصور ونقص، فهم ينحرفون عن الحق في أسمائه وصفاته " ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ " (١) فينكرون بعض صفاته ويسمونه بأسماء لا توقيف فيها أو بما يوهم معنى فاسدًا، وينسبون بعض صفاته ويسمونه بأسماء لا توقيف فيها أو بما يوهم معنى فاسدًا، وينسبون إليه النقائص كالولد والحاجة، فزعموا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا الجن شركاء له سبحانه " ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ﴾ " (٢) " ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ " (٣)، وجحدوا القدر واحتجوا به على الله تعالى " ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ " (٤). ومن معتقداتهم إنكار البعث " ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ " (٥)، فعبادتهم لإله وتقربهم للأصنام بالقرابين والنذور ليس من أجل الآخرة بل لتحقيق مطالب دنيوية مثل زيادة الأموال ودفع الشر والضرر عنهم في هذه الدنيا إذ لا علم لهم بالآخرة. ويستثنى من عموم المنكرين للبعث عدد ممن كانوا يقولون بالبعث من الشعراء الجاهليين وغيرهم، ولم تنقل الأخبار تصور هؤلاء لما يقع بعد البعث، وكانوا ينسبون النوازل - ومنها الموت - إلى الدهر (﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾) (٦).
_________________
(١) الأعراف:١٨٠.
(٢) الأنعام:١٠٠.
(٣) النحل: ٥٧.
(٤) الأنعام: ١٤٨.
(٥) النحل: ٣٨.
(٦) الجاثية: ٢٣.
[ ١ / ٨٥ ]
وأما العبادة فقد نقصوا منها وزادوا فيها تبعا لأهوائهم، فكانوا ينقصون من الحج الوقوف بعرفة قالت عائشة (رض): "كانت قريش ومن دان دينها يقفون بالمزدلفة وكانوا يسمون الحمس، وكان سائر العرب يقفون بعرفات. فلما جاء الإسلام أمر الله نبيه ﷺ أن يأتي عرفات ثم يقف بها. ثم يفيض منها، فذلك قوله سبحانه تعالى (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) (١)، ومن ذلك أنهم كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض. ومما زادوه في العبادة المكاء والتصدية في المسجد الحرام، وهما الصفير والتصفيق قال الله تعالى (﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾) (٢) وكذلك ذبحهم على النصب تعظيمًا للأصنام، كما كانوا يحلفون باللات والعزى، ومن ذلك استسقاؤهم بالأنواء وأما أخلاقهم وأعرافهم وعاداتهم، فمنها كثير هدمه الإسلام، كالفخر بالأحساب والطعن بالأنساب، قال النبي ﷺ "أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنائحة" (٣) ومن خصال الجاهلية تعييرهم لبعض بفعل الأمهات والآباء، وافتخارهم بولاية المسجد الحرام قال تعالى (﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾) (٤)، وتعظيمهم الدنيا والأموال وأصحابها كما تدل الآية (﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾) (٥)، وازدراؤهم الفقراء والضعفاء، وقد شاعت فيهم العيافة والطرق والطيرة والكهانة. وكانوا يتعوذون بالجن خوفًا منهم (﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾) (٦).
_________________
(١) رواه مسلم (صحيح مسلم ٢/ ٨٩٣ - ٨٩٤ حديث رقم ١٢١٩)، والآية سورة البقرة ١٩٩.
(٢) الأنفال ٣٥.
(٣) رواه البخاري (فتح الباري ٧/ ١٥٦) ومسلم واللفظ لمسلم (صحيح مسلم ٢/ ٦٤٤ حديث رقم ٩٣٤).
(٤) المؤمنون ٦٦.
(٥) الزخرف ٣١.
(٦) الجن ٦.
[ ١ / ٨٦ ]
وقد حاول البعض استغلال التشابه في مناسب الحج بين الجاهلية والإسلام، وبعض الشعائر التعبدية الأخرى، لإثارة شبهات هي أن تعاليم الإسلام امتداد للعصر الجاهلية مع تغييرات يسيرة في الطقوس، فعقيدة التوحيد نادى بها بعض شعراء العصر الجاهلي، والحج على الكعبة كان موجودًا من قبل، وكذلك تقديس الأشهر الحرم، وظهور أفكار تتناول القضاء والقدر مع غلبة الجبر، فضلًا عن التشابه في الدعوة إلى المروءة والصدق والكرم والشجاعة.
إن الفهم الصحيح لهذا التماثل لا يتحقق إلا بالاعتراف بالوحي والنبوة، وإن الديانة الإبراهيمية تركت تعاليم وعبادات وقيمًا دينية في مكة وما حولها، كما أن أنبياء آخرين بلغوا أديانًا صحيحة إلى الساميين في شبه جزيرة العرب خلال تاريخهم الطويل.
إن الفهم الشامل للإسلام يؤكد أن هذا الدين جاء نقيضًا للواقع الفكري والاجتماعي في الحقبة التي ظهر فيها وليس امتدادًا لجهود سابقة، وما هدمه من الواقع الجاهلي أعظم بكثير مما استبقاه.
وإن مراد القائلين (١) بأن الإسلام امتداد وتطور وانعكاس لبيئة فكرية واجتماعية بمكة التأكيد على بشرية القرآن وإنكار النبوة والوحي.
ولا شك أن المقاومة العنيفة التي واجهها الإسلام بمكة وأنحاء الجزيرة العربية عامة تجعل من الصعب قبول الأفكار التي تزعم بأن الإسلام جاء تحقيقًا
_________________
(١) حسين مروة (ت ١٩٨٧م): النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ١/ ٣٨٠ حيث يقرر: "إن الإسلام كان استجابة موضوعية لما يقتضيه مجتمع الجاهلية آنذاك من تغير تأريخي بسبب ما كان يعانيه من تناقضات مادية حادة". وماكسيم رودنسون: حياة النبي والمشكلة الاجتماعية لأصول الإسلام، نشر في مجلة ديوجين - باريس ١٩٥٧ م (انظر بترجمة وتعليق د. زينب رضوان، مجلة الفكر العربي، العدد ٣٢، السنة الخامسة، حزيران ١٩٨٣ م ص ١٧، ١٨، ١٩ حيث يقول وهو يتحدث عن الإسلام: "والتجربة التاريخية على أن أي انقلاب أيديولوجي أراده فرد أو جماعة لا يمكنه النجاح إلا إذا كان يمثل إجابة لاحتياجات المجتمع في جملته".
[ ١ / ٨٧ ]
لطموح العرب وتطلعهم للوحدة والعدالة الاجتماعية، إن الوعي بقضايا الوحدة والعدالة الاجتماعية ما زال حتى يومنا ضئيلًا في عالم البشر في أكثر أرجاء المعمورة، وما زال الاستئثار بالسلطة والظلم الاجتماعي وانتقاص كرامة وحقوق الإنسان تمثل مشكلة مستعصية، فضلًا عن العرب الذين طغت عليهم البداوة والتشتت قبيل الإسلام فالحقوق التي نالها الإنسان مثل حق الحياة والتملك والشورى وحرية العقيدة وتكافؤ الفرص في الحقوق العامة والمساواة أمام الشرع والقضاء وحقوق المرأة لم تكن ثمرة نضال اجتماعي كما حدث في تاريخ الحضارة الغربية، بل اكتسب الإنسان هذه الحقوق بواسطة الشرع من سلطة عليا مطلقة، ولئن ضعفت المجتمعات الإسلامية بعد عصر الراشدين عن مواصلة السير على نهجهم بنفس المستوى بل ظهر النقص والعدوان على حقوق الإنسان فإن المسئولية تقع على الناس الذين لم يحافظوا على مستوى من الوعي يمكنهم من الحصول على حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية ولا تقع على الإسلام نفسه.