وقد صح أن مولد النبي ﷺ كان يوم الإثنين (٧) وتفيد أقوى الروايات التي وصلت إلينا أن مولده كان عام الفيل (٨).
_________________
(١) ابن إسحاق: السير والمغازي ٤٥ وابن سعد: الطبقات الكبرى ١/ ٩٩ - ١٠٠.
(٢) طبقات ابن سعد ١/ ١٠٠.
(٣) طبقات ابن سعد ١/ ٩٩.
(٤) ابن كثير: السيرة ١/ ٢٦٠.
(٥) صحيح مسلم ٣/ ١٣٩٢.
(٦) الروض الأنف ٢/ ١٦٠.
(٧) مسلم: الصحيح ٨/ ٥٢ وأبو داؤد: السنن ٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩ وأحمد المسند ٥/ ٢٩٧، ٢٩٩.
(٨) الحاكم: المستدرك ٢/ ٦٠٣ بإسناده إلى ابن عباس وفيه علة تدليس أبي إسحاق السبيعي وقد عنعن، وابن هشام: السيرة ٢/ ١٥٥ بإسناده إلى قيس بن مخرمة وفيه المطلب بن عبد الله بن قيس بن مخرمة وهو مقبول يحتاج إلى متابعة تقويه، وقد توبع، فالروايتان تشدان بعضهما فترقيان إلى الحسن لغيره.
[ ١ / ٩٦ ]
وقد ذكر خليفة أنه "المجتمع عليه" (١). فكأنه لا يعتد بمن خالف، والحق أن الروايات المخالفة كلها معلولة الأسانيد وهي تفيد أن مولده بعد الفيل بعشر سنوات أو ثلاث وعشرين سنة أو أربعين سنة (٢) وقد ذهب معظم العلماء إلى القول بمولده عام الفيل، وأيدتهم الدراسات الحديثة التي قام بها باحثون مسلمون ومستشرقون اعتبروا عام الفيل موافقًا للعام ٥٧٠ أو ٥٧١ الميلادي (٣).
إن حادثة الفيل ثابتة الوقوع بنص القرآن ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. فنص القرآن يقدم أدق تصوير لما حدث لجيش أبرهة، ولا تكاد الروايات التأريخية تخرج عن الوصف القرآني إلا في تحديد جزئيات وتفصيلات يسيرة، وهي روايات تقف عند ابن عباس وعبيد بن عمير من الصحابة، أو عند قتادة (ت ١١٧ هـ) أو ابن إسحاق (ت ١٥١ هـ) (٤) ولا شك أن بينهم وبين الأحداث نصف قرن على الأقل بالنسبة للصحابة الصغار، ولعلهم استقوا المعلومات عمن بقوا أحياء ممن شاهد الحاديث، حيث تأخرت وفيات بعضهم، فقد رأت عائشة (﵂) قائد
_________________
(١) تاريخ خليفة ٥٣.
(٢) دلائل البيهقي ١/ ٧٨ - ٧٩ وتاريخ دمشق لابن عساكر (السير ١/ ٥٤، ٦١).
(٣) جواد علي: المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ٩/ ٤٤٣، ٤٧٨.
(٤) إن تفاصيل قدوم أبرهة التي مصدرها عبيد بن عمير (ولد في عهد النبي ﷺ؛ وهي أقدم ما وصل إلينا في ذلك وردت بإسناد ضعيف فيه أبو سفيان طلحة بن نافع وهو مدلس وقد عنعن (ابن أبي شيبة: المصنف ١٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥) وروي هذه التفاصيل الأعمش عن طلحة، ومعروف عند المحدثين أن روايته عنه من صحيفة سمع بعضها فقط، ولم يصرح في هذه الرواية بالسماع (ميزان الاعتدال للذهبي ٢/ ٢٢٤ وتهذيب التهذيب لابن حجر ٤/ ٢٢٤ وتعريف أهل التقديس ٣٣)، وأما إسناد الطبري إلى قتادة فحسن لأن سماع يزيد بن زُريع من سعيد بن أبي عروبة قديم قبل اختلاط سعيد لكنه مرسل ضعيف (الطبري: تفسير ٣٠/ ٣٠٣ - ٣٠٤) وقد نقل قول قتادة بسند صحيح إليه من طريق محمد بن ثور عن معمر عن قتادة (الطبري ٣٠/ ٢٩٧ - ٢٩٩) أما بقية الروايات المسندة إلى ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وآخرين فإنها تتناول تفسير ألفاظ في سورة الفيل، ولا تقدم صورة تفصيلية للحادث (الطبري: تفسير ٣٠/ ٢٩٦).
[ ١ / ٩٧ ]
الفيل وسائسه أعميين يستطعمان الناس بمكة (١) كما بين الصحابي قباث بن أشيم أن أمه أوقفته على بقايا روث فيل أبرهة وقد تغير لونها، وكان يعقل حيث ولد قبل الفيل بسنوات يسيرة (٢).
إن القرائن التأريخية المحتفَّة بالروايات التي تفيد مولد النبي ﷺ عام الفيل قوية، ويرى ابن القيم ويتابعه القسطلاني أن مولد النبي كان في عام الفيل بعد حادثة الفيل، لأن قصة الفيل توطئة وارهاص لظهوره، حيث دفع الله نصارى الحبشة عن الكعبة دون حولٍ من العرب المشركين تعظيمًا لبيته (٣).
وقد اختلف المؤرخون في تاريخ يوم مولده وشهره فذهب ابن إسحاق إلى أنه ولد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول (٤). وذهب الواقدي إلى أنه ولد لعشر ليال من شهر ربيع الأول (٥) وذهب أبو معشر السندي إلى أنه ولد لليليتين خلتا من شهر ربيع الأول (٦). وابن إسحاق أوثق الثلاثة.