وقد صح أن أعرابيًا شهد فتح خيبر أراد النبي ﷺ أثناء المعركة أن يقسم له قسمًا وكان غائبًا، فلما حضر أعطوه ما قسم له فجاء به إلى النبي ﷺ فقال: ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أرمي هاهنا - وأشار إلى حلقه - بسهم فأدخل الجنة. قال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلًا. ثم نهضوا في قتال العدو فأتي به يحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فكفنه النبي ﷺ بجبته وصلى عليه ودعا له، فكان مما قال: (اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك فقتل شهيدًا، وأنا عليه شهيد) (٤).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ٣/ ٤٦٧.
(٢) صحيح البخاري كتاب فرض الخمس ٦/ ٢٣٧ وصحيح مسلم: كتاب فضائل الصحابة ٤/ ١٩٤٦.
(٣) عمر بن شبة: تاريخ المدينة ١٠٥.
(٤) مصنف عبد الرزاق ٥/ ٢٧٦.
[ ١ / ٣٣١ ]
إلا أن هذه الرواية شاهد قوي على ما يبلغه الإيمان من نفس أعرابي ألف حياة الغزو والسلب والنهب في الجاهلية فإذا به لا يقبل ثمنًا لجهاده إلا الجنة فكيف يبلغ الإيمان إذًا من نفوس الصفوة من أصحاب رسول الله ﷺ، أيقال إنهم فتحوا ديار يهود طمعًا في أرض ومال؟ أيتهمون بأن التعصب الديني دفعهم لطرد يهود وهم الذين دعوهم للإسلام قبل القتال وقبلوا أن يعطوهم الأمان بعد الحصار وأبقوهم في خيبر بعد الاستسلام فمكثوا فيها رغم قتلهم عبد الله بن سهل الأنصاري حيث اتهمه بقتله المسلمون، فحلفوا أنهم لم يقتلوه، فوداه الرسول ﷺ وفي قضية مقتله شرعت القسامة - وأقرهم بخيبر فاستقروا. حتى خلافة عمر ﵁ فبدت منهم العداوة والبغضاء وغدروا بالمسلمين. ففدعوا (١) يدي ورجلي عبد الله بن عمر وهو نائم في سهمه من خيبر. فأجلاهم عمر ﵁ من خيبر وأعطاهم قيمة ما كان لهم من التمر مالًا وإبلًا وعروضًا من أقتاب وحبال. وأخذ المسلمون ضياعهم من مغانم خيبر فتصرفوا فيها.
وهكذا انتهى دور اليهود العسكري والاقتصادي في الحجاز وتفرغ المسلمون لإخضاع قبائل العرب المشركة ولتوحيد جزيرة العرب تحت راية الإسلام.
_________________
(١) الفدع: عوج في المفاصل كأنها قد فارقت مواضعها، وأكثر ما يكون في رسغ اليد أو القدم (المعجم الوسيط مادة "فدع").
[ ١ / ٣٣٢ ]
تمَّ بعونه تعالى الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني وأوله:
الفصل الثالث
الرسول ﷺ في المدينة
الجهاد ضد المشركين
[ ١ / ٣٣٣ ]
السيرة النبوية الصحيحة
محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النوبية
تأليف
الدكتور أكرم ضياء العمري
الجزء الثاني
الناشر
مكتبة العلوم والحكم
المدينة المنورة
[ ٢ / ٣٣٤ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ ٢ / ٣٣٥ ]