بعد نهاية المستطاع من هذا البحث إلى هذا الحد، نجمل أهم النتائج.
١ - أول هذه النتائج: أن السيرة في القرآن الكريم لها أساليب أخرى يظهر فيها الجمال والبلاغة والأعجاز القرآنى، والتى تظهر منها معان أخر لم تكن ولن تكون في القصص والسرد، الذى لا يهتم بشيء من ذلك، علاوة على أهمية المعروض منها من القرآن من ناحية، ومن ناحية أخرى على كون هذا المعروض هو المهم الذى تتعلق به سيرة النبي - ﷺ - من الهداية، وكفايته للبشر بمزيد التأمل والتدبر، ومن ثم كانت دراسة السيرة في القرآن الكريم من آكد مطلوبات الشرع، حيث يفرق هذا الدين عن الدراسات النظرية بأنه دين عملى يشمل العلم والعمل وغيره من أسباب السعادة في الدنيا والأخرة، وتقوم السيرة القرآنية بتغطية هذه الأجزاء لتحقيق علو ورفعة هذا الدين بصياغة الحياة به.
٢ - تحمل السيرة في القرآن الكريم أسباب البقاء ببقاء القرآن الكريم في العالم، حيث تبين ولا تقتصر على سرد ما كان بين النبي وغيره - ﷺ - في سنينه المشرفة في الدنيا، بل تحمل أسباب بقاء الأمم وفنائها، والحكم والعظات التى تهم وتنفع الناس في تحقيق إيمانهم وعبوديتهم لله تعالى، وأسباب النصر والهزيمة، وأسرار صنع الله وأيامه في الناس، وتصف علاقات الله الأصلية والتى يجب أن تكون بين الله تعالى وبين خلقه على اختلاف عقائدهم، مؤمنين وغيرهم، مما يوضح سبيل المؤمنين وسيرتهم وطرق تعاملهم، والعكس كذلك.
[ ٥٩١ ]
٣ - إن السيرة القرآنية تجسيد حىٌّ وباق وثابت وصحيح لا مرية فيه ولاشك مع ملابساته وظروفه وفقهه وأحكامه ونظراته وعبره من وجهة النظر التى لاشية فيها وجهة نظر الشرع الشريف، أو كما أراد رب الكون ان تصل لعبادة أجمعين.
٤ - إن ميزة هذه السيرة أن من وراء قصصها يظهر الترتيب الإلهى لكونه ﷾، وأنه يسير وفق نظام لا عبس منه، بل فيه الحكمة والتقدير والقضاء، الذى لا يصل المؤمنون إلى كفه المراد منه إلاعن طريق مدبره ومسيره ﷾، وكانت سيرة غزوة بدر خير مثال لذلك كله وأكثر منه تم عرضه، لم يكن منه شىء في السيرة القصصية.
٥ - إن ملء السيرة القصصية التى وردت في الآثار بتلك السيرة القرآنية ليُدَشِّنَ المجموع الكامل لسيرة النموذج الأعلى للبشرية - ﷺ - حيث تكتمل بذلك الصورة المطلوبة لتحقيق هذا الدين كما أراد الله ﷾، وكما تشخصت فيه - ﷺ -.
٦ - وكان من نتائج البحث الجديدة أن الله تعالى لم يبعث سيدنا محمد - ﷺ - إلا وهو المثال الأعلى للخلق العظيم، في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤]، وهي من أول ما نزل من القرآن مما يبين أن سيرة النبي - ﷺ - لها إبتداء وتمهيد وترتيب لم يبعث إلا وقد استكمله له ربه، وهو أمر متناسب مع الواقع إذ كيف ترجو دعوة إلى مكارم الأخلاق والداعى لها ليس صاحب المكارم العليا في الأخلاق في الدنيا كافة، أو هناك من يتميز عنه بشيء من ذلك، لم يحدث واقعًا ولا يقبل عقلًا، ولم نسمع بمن زاد عليه في شيء، وهو الأمر المهم للدعاة من ساعتها واليوم وكل يوم أن تكون أخلاقهم على أعلى ما يستطيعون ليحققوا ما يصبون إليه من علو لهذا الدين، ومن نجاة لأنفسهم.
[ ٥٩٢ ]
٧ - جرنا ذلك إلى أمر قطع به البحث، وهو أنه - ﷺ - حينئذ لابد أن يكون معصومًا من كل ما يؤخذ عليه في دين وخلق.
٨ - إن من نتائج البحث أن بدا متهافتًا جدًا موقف المدرسه العلمية الحديثة من السيرة، بل سقط سقوطًا ذريعًا، بالذات أمام حقائق القرآن الكريم التى لا تقبل تأويلًا فضلًا عن التمحل والتزييف.
٩ - وكانت المقارنة بين سير الأنبياء أو بعض الوقائع والأحداث في القرآن الكريم كفيلة بدعم مواقف الباقين وإن لها سلفًا قد حدث لا يكذب به أولئك المعارضون، وأن الجميع من عند إله واحد يرسل رسله، وينزل كتبه، ويرتب كونه كما يشاء.
١٠ - بينت الدراسة النصية المقارنة لمواقف المستشرقين تطابق معظم هذه الاراء والمواقف منهم، وأن بعضها لا يزيد على بعض إلا في الشتم والسب الدال على الإفلاس، وجلت بوضوح غثاثة هذه الكتابات، وفقدها للقيمة من علم أو نزاهة أو حياد أو إنصاف، وكانت دراسة آراء "وات" خير شاهد على ذلك.
وإن كل هذه الدراسات كان همها تحصين بني جلدتهم من الاسلام، ورأس حربة للحقبة الاستعمارية عسكرية كانت أوفكرية.
١١ - جائت سيرة القرآن الكريم في النتائج كدعم لمواقف السيرة النبوية خاصة التى كان فيها شد وجذب في الأدلة لتصحيح وتؤكد وتثبت الصحيح منها.
كانت تلك أهم نتائج البحث التى وصلت إليها فإن كانت صوابًا فمن الله تعالى وحده وله المنه والثناء الحسن الجميل، وإن تكن الأخرى فمحل عفو الله واسع يغفر لنا ويتجاوز عنا.
[ ٥٩٣ ]