زواجه ﷺ من خديجة ﵂ .. التعليق على «وات»
وكان زواجه - ﷺ - من خديجة بنت خويلد بن أسد أحد العلامات البارزة في رعاية الله تعالى له، وإظهار فضله وشرفه، وإعداده لهذه المهمة النبيلة، إذ كان هذا الزواج بعرض من خديجة نفسها، وذلك لما بلغها من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وحسن أخلاقه حيث قد انتشر ذلك وذاع عنه في مكة مما يدل على أنه لم يبلغه آخر في نفس ظروفه - ﷺ -، ثم تابعت ذلك بالتأكد والتحري بنفسها، وهي من هي حزمًا وشرفًا، فقد كانت في أوسط قريش نسبًا وأعلاهم فضلًا وأكثرهم مالًا، ولقد نودي عليها بالعفيفة الطاهرة، وكانت امرأة لبيبة حرص رجال كثير من علية قومها على الزواج منها.
كانت خديجة تضارب في مالها الكثير، وتنتقي من الرجال أشرافهم وأمناءهم ليتجروا لها فيه نظير معلوم من المال، فما أن سمعت بمحمد - ﷺ - حتى بعثت إليه، وعرضت عليه أن يخرج متاجرًا في مالها إلى الشام، مع إضعاف الأجر له عن غيره فوافق، وخرج مع غلام لها يدعى ميسرة، ولقد رأى من الآيات التي جرت للنبي - ﷺ - والمعجزات ما حكاه لسيدته خديجة، فرغبت في الزواج منه. (١)
وأن يكون لهذا الزواج أسبابه الوجيهة القوية لهو منطق الأشياء، وواقع الأمر وطبائع
_________________
(١) الطبراني في الأوسط،، وقال الهيثمي في المجمع (٢٥٦/ ٨) وإسناده حسن.
[ ٢٠٨ ]
الناس، وعاداتهم من قديم، مما يؤكد أقرب الأسباب المذكورة التي لم يجادل فيها أحد بما يثبت بما لا يدع مجالًا للقول أو منفذًا للشك أن أخلاقه وسيرته كانت مشتهرة بين القوم، وتناقلها الإخباريون كلهم والرواة، ولم يردها أحد، أو يجادل ويشكك في وجودها حينئذ أحد (١).
وقد خطب رسول الله - ﷺ - خديجة من أبيها خويلد بن أسد (٢) فزوجه منها، وذهب ابن إسحاق إلى أن خديجة كانت في الثامنة والعشرين من العمر، وذهب الواقدي (٣) إلى أنها كانت في الأربعين، وأن الذي تولى زواجها هو عمها عمرو بن أسد لأن أباها قد هلك قبل يوم الفجار، وهي الحرب بين قريش وحلفائها من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، ولكن الراجح أن أباها هو الذي ولى نكاحها، لأن الأحاديث في ذلك أقوى، ويعتضد بعضها ببعض. (٤)
تزوج رسول الله - ﷺ - بخديجة، وسكن في بيتها، وولدت له أولاده جميعًا، ذكرين القاسم - وبه يكنى - وعبد الله الملقب (بالطيب والطاهر) وأربع بنات هن زينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية وهذا يرجح رواية ابن إسحاق في أنها كانت في الثامنة والعشرين من
_________________
(١) ابن اسحاق، وابن هشام، "السيرة النبوية" (١٢١ - ١٢٢/ ١).
(٢) الزهري، "المغازي النبوية" (٢٤)، وابن إسحاق، السيرة النبوية لابن هشام، (١٢٢/ ١).
(٣) ابن سعد، الطبقات (١٣٢ - ١٣٣/ ١)، الطبري (٢٨٢/ ٢)، ووافقه على ذلك السهيلي، "الروض الأنف" (٢١٣/ ١) وابن سيد الناس، "عيون الأثر" (٥٠/ ١)، وابن عبد البر، "الاستيعاب" (٢٨٠/ ٤)، والشامي، "سبل الهدى والرشاد" (٢٢٤/ ٢)، وانظر د. مهدي رزق الله، "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" (١٣٤ - ١٣٥)، وأيد ابن حجر أن أباها زوّجها "فتح الباري" (١٣٤/ ٧)، وانظر د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة" (١١٣/ ١)، وذهب محمد بن رزق بن طرهوني، "صحيح السيرة النبوية" (السيرة الذهبية) إلى صحة تزويج أبيها إياها، وهو سكران (٢١٥ - ٢١٦/ ١).
(٤) د. مهدي رزق الله، "السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية" (١٣٥).
[ ٢٠٩ ]
عمرها، إذ الغالب أن المرأة تبلغ سن اليأس من الإنجاب قبل الخمسين. (١)
فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن وهاجرن مع النبي - ﷺ -. (٢)
توفيت خديجة قبل هجرة النبي - ﷺ - إلى المدينة بثلاث سنوات (٣)، وذلك قبل حادثة الإسراء والمعراج، في نفس البيت، ولم يتركه الرسول - ﷺ - إلا بعد الهجرة حيث أخذه عقيل بن أبي طالب فيما أخذ (٤).
كانت خديجة ﵂ أول من تزوج رسول الله - ﷺ - ولم يتزوج عليها حتى ماتت وإن كانت هي قد تزوجت قبله مرتين، فكانت ثيبًا وأكبر سنًا منه مما يدل على عدم اهتمام النبي - ﷺ - بما يهتم به أقرانه من متعة الجسد، وإلا لابتغى من هي أصغر منه سنًا، وبكرًا تلائمه ولكنه رغب في خديجة ﵂ التي كانت تلقب بالعفيفة الطاهرة، وظل هذا الزواج قائمًا حتى ناهز هو - ﷺ - الخمسين من عمره الشريف، مما يدل دلالة قاطعة على أن التعدد ما كان بعد ذلك لدوافع الشهوة والمتع الزائلة، ولو شاء لوجد الكثير دون خروج عن عادة وقيم ومألوف القوم حينئذ.
إن الثابت في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة والسيرة تؤكد المكانة التي حلتها خديجة من الرسول - ﷺ - قبل البعثة وبعدها إلى يوم القيامة، وعلى تلك الدرجة العالية لها عند
_________________
(١) د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة" (١١٣/ ١).
(٢) ابن حجر، "فتح الباري شرح صحيح البخاري" (٢٩١/ ١٤)، ابن كثير، "البداية والنهاية" (٣١٨ - ٣١٩/ ٢)، ابن إسحاق، ابن هشام، "السيرة النبوية" (١٢٢ - ١٢٣/ ١).
(٣) ابن هشام، "السيرة النبوية" (٤٦ - ٤٧/ ٢).
(٤) الفاكهي، "أخبار مكة" (٧/ ٤).
[ ٢١٠ ]
ربها، وعلى فضلها في دين الإسلام وفي عنق المسلمين. حيث ورد منه - ﷺ - الثناء الضخم عليها، والوفاء الجميل عند ورود ذكرها، أو مرور شيء من سيرتها، أو عند رؤية أحد من صدائقها وخليلاتها، مع إظهار النبي - ﷺ - لمحبتها، وتأثره عند ذكرها بعد وفاتها، وإشهار حسن موقفها منه ووقوفها وراءه تؤمن به، وتشد أزره، حتى قال - ﷺ -: "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة" (١) مما يؤكد في الإسلام تلك الأخلاق الحسنة من جهة، ومن جهة أخرى أن النساء شقائق الرجال، وفيهن من وصلت إلى هذه الدرجة العالية الرفيعة، مما يجعلها القدوة والأسوة لنساء المسلمين اللاتي يبتغين رضا الله، ويردن رفعة أوطانهن، وبالتالي فإن في التصفح لسيرتها وسيرة بقية المسلمات القانتات لزادًا عظيمًا تتزوده المرأة المسلمة في هجير المادة اللافح الذي نعيشه اليوم.
نعود لتعليق "وات" على هذا المبحث ..
ولولا أن ذلك من منهج هذا البحث لما أعدنا النظر فيه، ولا الالتفات إليه، إذ هو مسخ من العقل، وتناقض من القول، وتلاعب بالألفاظ، فهو يستغفل القارئ، ويوهمه - يخبره - بالشيء ونقيضه، وللأسف هو قول طويل، ونقله والتعليق عليه ثقيل على النفس، ولأن فساده يغني عن إفساده، لأن عواره ظاهر لمن عنده مسكة من العقل، ولكن ننقل بعضه حجة وبرهانًا على ذلك السوء البالغ المسمى بحثًا ومنهجًا تاريخيًا وغيره من مهول
_________________
(١) البخاري، الصحيح (٣٨١٥)، مسلم (٢٤٣٠)، وانظر في فضل السيدة خديجة ﵂، البخاري أيضًا "الفتح" (٣٨١٨ - ٣٨٢٣ / ح)، ومسلم بشرح النووي (٢٠٢/ ١٥)، والبداية والنهاية لابن كثير (٣١٨ - ٣٢٠/ ٢) ومن تلك الأحاديث أيضًا ما رواه أبو هريرة قال: " أتى جبريل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه =إدام أو طعام أو شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب البخاري (٣٨٢١) ومسلم (٢٤٣٢).
[ ٢١١ ]
القول الذي ليس تحته شيء، وإنما هو جعجعة يدخل بها في روع من أمامه.
يقول (١): من وجهة نظر المجتمع المكي، كان محمد - ﷺ - قد وضع قدمه على أول درجة - على الأقل - من درجات النجاح الدنيوي.
وربما لم تكن خديجة - ﵂ - من الثروة كما يقال عنها أحيانًا.
ولكننا نستطيع أن نفترض أن محمدًا - ﷺ - قد أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية.
وأول ما يفجعنا به " وات " من التهويل الذي لا علاقة له بالبحث - لأنه لا يستند إلى الواقع - هو قوله: من وجهة نظر المجتمع المكي؛ هكذا بكل سهولة! ينظر جميع المكيون على أن محمدًا - ﷺ - بهذه الزيجة، قد وضع قدمه على أول درجات النجاح الدنيوي! .. ترى من الذي أخبر "وات" بذلك؟! في أي كتاب، أم من أي مصدر استقى "وات" هذه المعلومة؟! دعك من هذا، بل من أي دليل استنبط "وات" هذه النتيجة؟! تراه كان يعيش بينهم؟!، أم أجرى هذا الاستطلاع في مكة؟!، أم أجراه أحد الموثقين وأخبر به "وات" خفية لم يطلع عليه غيرهما؟! وهل هذا الاستطلاع شمل المكيين كافة في مجتمعهم كما يزعم؟! كل ذلك - للأسف - لم يكن؛ بل هو من تأليف "وات" للتاريخ، وبنى عليه هذا التهويل.
ثم إليك هذا الرد، وهو أن الرسول - ﷺ - ما وضع قدمه على أولى درجات النجاح كما يدعي "وات" إلا لأنه سيستحوذ - لأنه لم يستحوذ بعد - على مال خديجة - ﵂ -، والسؤال منذ متى كانت البيئة والطبيعة العربية، تسمح للزوج بأن يحوز مال امرأته إليه، بل إن الحياء والشهامة تأبى إلى اليوم أن يأخذ الرجل شيئًا يخص زوجته أو يطمع فيه، ومنذ
_________________
(١) "وات"، محمد في مكة (١٠٠)، ترجمة د. عبد الرحمن الشيخ وآخر.
[ ٢١٢ ]
متى أيضًا كان رسول الله - ﷺ - ينتظر مال خديجة أو ينظر إليه.
وردًا آخر رده "وات" على نفسه، وهو من عجائبه أو قل سخائمه، وهو قوله بعد إن الرسول - ﷺ - كان يتحنث في غار حراء هربًا من حر مكة؛ لأن النبي - ﷺ - لم تكن له القدرة المالية التي تتيح له الذهاب إلى الطائف (١). أي ليصطاف كما يصطاف ميسورو مكة في الصيف (سنعود إلى التحنث في غار حراء مرة أخرى إن شاء الله) وإنما هذا رد سريع على هذا الإفك، كيف نوافق على هذا التناقض أو نوقفه.
ثم تزداد حدة التناقض بقوله ربما لم تكن خديجة من الثروة كما يقال عنها أحيانًا، فإذا لم تكن كذلك، فمن أين وضع الرسول - ﷺ - قدمه على الأقل على أولى درجات النجاح الدنيوي كما تدعي، وانظر إلى الأسلوب العلمي الفذ الذي يلاحقنا به، ويلاحق القرَّاء والباحثين، حيث لا يملك عند محاولة تفريغ السيرة من مضمونها ووحيها وكمالها وجلالها وجمالها إلا العجز الذي يسميه البحث التاريخي، فلا تخلو جملة، وصفحاتها من قوله، «وربما»، «ومن المحتمل»، «ويمكن»، «ولعله»، ولو «افترضنا»، «ولا يمكن» فهل ربما ومن المحتمل ولا يمكن وغيرها، هل هذا بحث، أو هو تشويش وشغب على الحقائق يلويها بعيدًا عن الواقع الحق لها لتصل إلى بغيته لا إلى نتيجة البحث.
وهذا اللفظة التي وضعها في الجملة، وهي وقوله أحيانًا، أي كما يقال أحيانًا عن خديجة إنها ثرية ولها ثروة تجعلها من أصحاب التجارات إلى الشام وغيرها، فهذا ليٌّ صريح لعنق الحقيقة ورد كاذب للواقع، بل كان يقال عنها دائمًا إنها من أصحاب الثروات وإنها غنية وإنها تستأجر التجار ليتاجروا لها في مالها، ولم تسمع أن ذلك يقال أحيانًا، إنما كان ذلك
_________________
(١) "وات"، "محمد في مكة" (١٠٩)، هذه ترجمة شعبان بركات، أما ترجمة المصرية العامة للكتاب التي ننقل غالبًا منها فهي قول "وات"، وربما كان ذلك وسيلة للهروب من حرارة مكة في موسم متعب لمن كانوا لا يستطيعون الذهاب إلى الطائف.
[ ٢١٣ ]
دائمًا فقلبها بقدرة باحث ضال إلى أحيانًا يقال عنها إنها صاحبة ثروة، وهذا تغيير للتاريخ وقلب لحقائقه لم ينطق به لسان معاصر لها ولا من أتى بعد ذلك، وليس له وجود إلا في عقل "وات" الآسن وسنبينه من كلامه الآتي إن شاء الله حيث صدَّره بجملة لا قيمة لها في البحث، وهي ربما لم تكن، كيف يزيف الواقع ويُمسح بكلمة ربما، ثم يزداد إيغالًا في التضليل بقوله أحيانا، مع أنه الدائم، يقف الباحث المتجرد حائرًا في وصف هذا الهراء الضال.
ونواصل على مضض التعليق على بقية كلام مستر "وات"!، يقول: ولا يعنى عدم وجود أخبار عن أنه سافر إلى الشام مرة ثانية أنه لم يذهب.
وهذا هو التناقض الممل، والتزييف المتعمد، والجمل التي لا صلة بها بالبحث بل باستغفال القارئ.
إذ ما معنى هذا الخبط؟ لا يعني عدم وجود أخبار بالسفر أنه لم يسافر، فيرجع بنا:
أولا: إلى ربما ومن المحتمل إلى آخر ألفاظه.
ثانيًا: إن من قال إنه سافر، لم يقل على أقل تقدير إنه سافر مرة أخرى فمن أخبرنا بالسفر أخبرنا بعدمه بعد ذلك فمن أين لك هذا؟
ثالثًا: كفانا "وات" مؤونة الرد عليه لأن الاضطراب عادة المتناقضين فقال في السطر التالي مباشرة: مع الوضع في الاعتبار أنه من الممكن دائمًا أن يكلف آخرين بالإشراف على تجارته، فلما وضعنا أيها المستشرق في اعتبارنا أنه دائمًا من الممكن أن يكلف آخرين بما ذكرت أنتج لنا هذا الوضع أنه لم يسافر أبدًا بعد ذلك، لأن هذا ما يعنيه كلمة دائمًا التي ذكرتها.
[ ٢١٤ ]
وما زال "وات" مصممًا على أن يكون عنوان فضح المستشرقين أمثاله بكلامه الذي لا ندري له وصفًا فيقول: كذلك يجب أن نتذكر دائمًا احتمال أن التجار قد استبعدوه من مجالسهم، ومن معظم العمليات المربحة. ومع ذلك فمن المحتمل أنه لم يستبعد تمامًا، لأنه كان قادرًا على أن يزوج ابنته زينب لأحد أفراد عشيرة عبد شمس، وهو ابن أخت خديجة، والتي لاشك في أنه كان لها دور بارز في هذه الزيجة، كما أن خطبة ابنتيه الأخريين لابني أبى لهب، الذي ربما كان ينظر إليه على أنه الزعيم التالي لبنى هاشم، تدل على أن محمدًا - ﷺ - كان ينظر إليه أيضًا على أنه أكثر شباب بني هاشم رجاء (١).
ونبدأ بمقدمة كلامه التي عللها بالباقي من القول، حيث أوجب علينا دائما أن نتذكر احتمال أن التجار قد استبعدوه من مجالسهم ومن معظم العمليات المربحة.
وكذلك من المحتمل أنه لم يستبعد تمامًا.
ونحن معه في هذه الاحتمالات لنصل إلى الاحتمال الحق، فنقول له: يا مستر "وات" قد تذكرنا دائمًا أنه مستبعد، ثم ذكرتنا بالثاني أنه غير مستبعد تمامًا قد أمرتنا أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد، فليس ثم استثناء للاستبعاد فلا يمكن أن نقول بعد دائمًا هذه إنه غير مستبعد تمامًا، فلم أمرتنا أيها الفهامة بذلك الاستبعاد الدائم التذكر فإذا به غير دائم ولا تام، فأي الاحتمالين تريدنا أن نتذكر إلا أن تقصد الاحتمال الثالث وهو أنه مستبعد وغير مستبعد.
ولا نجد في هذا الكلام إلا الكوميديا التراجيدية ل "وات" المضحكة المبكية في آن واحد ثم نحن نذكرك بأن الاستبعاد وعدمه غير ثابت تاريخيًا، ولا هو واقع التجار أيامئذ، فلم نسمع أن التجار وقفوا لأحد أخذ تجارته إلى الشام أو غيرها فوقفوا له قائلين ارجع أيها
_________________
(١) " وات"، محمد في مكة (١٠٠)، ترجمة عبد الرحمن الشيخ وآخر .. الهيئة المصرية العامة للكتاب٢٠٠٢.
[ ٢١٥ ]
المستبعد، وها هي ذي خديجة كانت ترسل التجار ليتاجروا ويضاربوا لها في كل الأسواق المعلومة في ذلك الزمن شامية كانت أو يمانية أو غيرها.
ووصولًا إلى الاحتمال الحق الذي قامت عليه الحجة، وأيده البرهان، وسيكون من كلام "وات" نفسه للنزاهة العلمية، ونبدأ فنقول إن الاحتمال الأول قد زيفه "وات" نفسه فبعد أن أمرنا أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد، أنبأنا أنه ليس مستبعدًا تمامًا فمحا كلامه، فلم يعد التذكر الدائم للاستبعاد حقًا بل هو باطل منقوص مشكوك فيه، وكذلك الاحتمال الثالث أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد وغير مستبعد تمامًا فهذا كوميديا تراجيديا، فلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو أنه غير مستبعد، وهو الحق، وقد أقام "وات" نفسه البرهان والحجة على أنه لم يستبعد بهذه الوجوه التي ذكرها بنفسه.
الأول: أنه - ﷺ - كان قادرًا على أن يزوج ابنته لأحد أفراد قبيلة عبد شمس، وكأنه يريد أن يقول إن محمدًا - ﷺ - كان قد وصل إلى درجة من الغنى يصاهره بها أحد أفراد هذه القبيلة الغنية من التجار الأثرياء. فكيف يناسبهم وهم مستبعدوه؟
الثاني: يقول أن لخديجة دورًا بارزًا في هذه الزيجة لأنه ابن أختها، فكأنها هي الأخرى من الأثرياء اللاتي يتدخلن فتكون لهم الكلمة، ويمضي قولهم، وبالتالي يعود ذلك في هذا الحين على موقف سيدنا محمد - ﷺ - لأنه بلا أدنى شك رجل هذا الموقف.
الثالث: أن أبا لهب المفترض كما يذكر "وات" أن يكون زعيم بني هاشم، خطب ابنتين من بنات النبي - ﷺ - لابنيه، وما ذلك إلا لموقفه الحالي ومستقبله الواعد - ﷺ - في بني هاشم، ثم يريدنا "وات" بعد أن هدم كلامه بكلامه، وأظهر دجله وحيفه وظلمه، وعدم نزاهته وأمانته فيما يسميه بحثًا، أن نتذكر دائمًا أن محمدًا - ﷺ - كان مستبعدًا كما يدعي
[ ٢١٦ ]
ويفترض، نعم صحيح، ولكن في تاريخه الذي نسجه من وحى شياطينه.
والجزء الأخير الذي لابد من ذكره في زواج النبي - ﷺ - من خديجة، كما ذكره "وات"، هو قوله: فإن لدينا الكثير من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن خديجة ﵂ قد أدركت بعضًا من قدرات محمد - ﷺ - الروحية، وأنها انجذبت إليها.
ونقول: بعيدًا عن قدراته الروحية - ﷺ - فهذه آيات أخرى ذكرنا شيئًا منها نقلًا عن كُتَّاب السيرة، ومصادرها، وسنذكر غيضًا من فيض في الباقي من البحث إن شاء الله .. ولكن العجيب أن "وات" يتكلم عن القدرات الروحية التي نفاها فيما سقنا من قصص في شق الصدر وإظلال الغمامة، وحديث بحيرى الراهب، وأنه بعد لم يكن قد بدأ التحنث والتعبد في غار حراء حتى نقول قد حصل شيئًا روحيًا من تلك الخلوات والرياضات النفسية والتأملات الروحية والأفكار العقلية، فما الذي قلب عقله فجأة ليثبت للنبي - ﷺ - قدرات روحية جاذبة، خاصةً أنه لا يؤمن بالوحي للنبي - ﷺ - وإنما بمخزون اللبيدو الذي ادعاه، ولم يذكرنا كعادته بالاحتمالات التي حصل بها هذه القدرات الروحية في تلك المرحلة المبكرة من سني عمره الشريف - ﷺ -، ولم يبين لنا بربما ومن الممكن ويحتمل وغيرها كيف راقبت خديجة هذه القدرات الروحية، كيف تتبعت محمدًا - ﷺ - سفرًا وحضرًا في دروب مكة وأنديتها حتى اكتشفت الروحية هذه ورأتها فيه وتيقنت أنها روحية حتى اطمأنت إليها فطلبت الزواج منه، ومنذ متى سمعنا في البيئة العربية بهذه القدرات الروحية التي تنجذب إليها النساء وكما يذكر "وات" التاجرات في القرن السادس الميلادي، وهل كانت النساء التاجرات العربيات يبحثن عن أصحاب القدرات الروحية للزواج منهم أو هو منهج الإسقاط حيث تسقط ما علمته في القرن العشرين على بيئة القرن السادس التي لا علاقة لها به ثم ما هي القدرات الروحية وعلاماتها التي ظهرت على سيدنا محمد - ﷺ - في هذه المرحلة، وكان عند خديجة سابق علم بهذه
[ ٢١٧ ]
العلامات، وأخذت تبحث عنها حتى تميزتها في رسول الله - ﷺ - (١).
ألم تطبق من قبل ومن بعد المنهج المادي على مثل هذه الأحداث التي تريد نفيها، وبها تنفى نبوة الرسول، وكمالها وجلالها وجلال رسالة الرب ﷾، فتأتى هنا وتثبتها وما تريد إلا أن تخفي من طرف خبيث صفاته وأخلاقه وشيمه وكمالاته التي لا توجد في مثله حتى حملت خديجة على طلب الزواج منه فتخفيها بأمور روحية أنت تنفيها من أصلها، ثم بعد ذلك تعاود الكرة لتنفى هذه أيضا مرة أخرى كما طمستها من قبل فيتم لك الأمران لا أخلاق، ولا نبوة، وإنما هو مشروع عربي إصلاحي، الدين عنصر من عناصره، وهو ديدنك في كتاباتك كافة، إن المرء ليضرب كفًا بكف لمثل هذا، وأعجب منه أن يصدقه أحد للأسف ظانًا منه أنه وأمثاله من منصفي المستشرقين، بل إن الاستشراق لم يصنع أو يولد للإنصاف بل لمحاربة الإسلام، فأنى ينصفون، ومدّعو الإنصاف والحياد والعلمية منهم أخبثهم وأمعنهم تضليلًا وأشدهم فسادًا وإفسادًا في الدين والعقل والفكر، لم تغز أراضى الإسلام إلا بهم، ولكنها لم تغز بالشتّامين الوقحين منهم لأن ذلك منهم حاجز يحجب عنهم قبول الناس لكلامهم.