﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
أما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات: ١].
ونلاحظ ما يلي:
- افتتاح الآية الكريمة بالنداء، للتنبيه على أهمية ما يرد بعد ذلك النداء لتترقبه أسماعهم بشوق؛ لأن ما في حيزه أمر خطير يستدعي مزيد اعتنائهم بشأنه، وفرط اهتمامهم بتلقيه ومراعاته، وهذا يدل على إجلال الله تعالى لنبيه - ﷺ - وعلو منزلته عنده إذ أحاط أوامره للمؤمنين عند إظهار حقوق النبي - ﷺ - بهذه الآداب فما بالك بالآداب معه - ﷺ -، لقد أمر الله تعالى المؤمنين بالقيام بحقوقه في صورة لم تك لأحد من العالمين، وهذا منتهى الفخر، وغاية الشرف.
- ووصف المخاطبين بوصف الإيمان؛ لتنشيطهم للمسارعة إلى الامتثال لهذا النهي، لأن وصفهم بالإيمان يؤذن بأنه داع للمحافظة على هذا الخطاب ووازع من الإخلال به، وأن ما يحملهم على المبادرة لذلك علامة إيمانهم، ومن ثم كان دليلًا على المحافظة والمسارعة للقيام بحقوقه - ﷺ -، وأنه كلما ازداد الإيمان، زاد التفاني في القيام بهذه الحقوق والمثابرة على التخلق بها في معاملتهم معه - ﷺ -، وفيه أعظم الدليل على أنه ما نقص حق القيام بواجباته إلا من نقص الإيمان، ولذا وجب على المؤمنين في هذه الأيام تفقد إيمانهم فيما يتعلق بالرسول
[ ٧٦ ]
- ﷺ - إذ يخشى عليهم في هذه المحن أن يذهب إيمانهم لعدم المبالاة بحقوقه - ﷺ -، وله مزيد اتضاح عند قوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ [الحجرات: ٢].
أما قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ فقد جمع كل التقديم المناسب في حقه، إذ له ثلاثة معان:
الأول: لا تقدموا بمعنى لا تفعلوا التقديم كقولنا: فلان يعطي ويمنع، أي يفعل الإعطاء والمنع، ويكون ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل (١) فيكونون منهيين أبدًا عن فعل التقديم كائنًا ما كان بين يديه - ﷺ -، خاصة وأن التقدم حقيقته المشي قبل الغير.
الثاني: لا تقدموا أمرًا من الأمور، ويكون حذف المفعول للتعميم أي لا تقدموا أي أمر من قول أو فعل حتى تعلموا فيه حكم رسول الله - ﷺ -، فكأن المؤمنين مرتبطون برسول الله - ﷺ - لا ينفكون عنه في كل أحوالهم بخصوص الشرع وعمومه لأن ذلك هو فوزهم في الأولى والآخرة، لأنه كما بين بعد بأنه تقوى الله تعالى.
الثالث: بمعنى التقدم، ومنه مقدمة الجيش، وهو مضارع قَدم القاصر لا مفعول له فكان بهذا الأدب قد جمع له المولى سبحانه ما ينبغي له من أدب المؤمنين كافة معه، وقصر عليه وحده هذه الآداب كافة، لأنه عُلِم من حال البشر أن ذلك لم يكن إلا له - ﷺ - وللأنبياء من بعده، وحسبك بذلك شرفًا وعلو قدر، يوحي هذا العلو من الشرف بأنه لا يعطيه إلا مالك الملك - ﷾ -، إذ لو كان وهب هذه المنازل السابقة لبشر لكان أولى أن يلصقوها بأنفسهم، ويدعوها لذواتهم، ومع ذلك لا تلبث أن تفنى أو تنسى بمضي أصحابها، ولكن انظر إلى بقائها مع رحيل النبي - ﷺ - بغير سلطان يفرضها أو حاكم يجبر الناس عليها، وما ذلك إلا لكونها الرسالة الصادقة، والنبوة الموحى بها من الله - ﷻ -.
_________________
(١) تفسير أبى السعود (إرشاد العقل السليم) طبعة دار الفكر (٥/ ٦٠٧).
[ ٧٧ ]
ويبين هذا قوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وإن المؤمنين لم يعرفوا مراد الله إلا من جهة الرسول - ﷺ -، ويكون المعنى: لا تقدموا بين يدي رسول الله - ﷺ - وإنما ذكر قبله اسم الله للتنبيه على أن التقديم بين يديه - ﷺ - إنما هو تقديم بين يدي الله تعالى، وتهجين هذا الفعل واستقباحه وهو أن تفعل بين يدي المعظم ما تقدم به فعلك أو قولك.
ويكون المقصود من الآية النهي عن إبرام شيء دون إذن من رسول الله - ﷺ - نفسه، ويحصل معنى آخر وهو الأمر باتباع رسول الله - ﷺ - في كل أمر من أمور المؤمن، ولا ينفرد عنه، وهو ما يبرهن عليه التركيب، إذ هو تمثيل بتشبيه حال من يفعل فعلًا دون إذن من الله ورسوله - ﷺ - بحال من يتقدم مماشيه في مشيه ويتركه خلفه، ووجه الشبه الانفراد عنه في الطريق، فهو أدب إذا باق إلى نهاية الدنيا مع النبي - ﷺ -.
ولا بأس من ذكر سبب نزول هذه الآيات الكريمات أولًا: لنبرهن به على ما كان عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - في التنافس على اتباع تعاليمه والتأدب بأحسن الأدب معه ليكون في ذلك قدوة للمصدقين بنبوة النبي - ﷺ - المؤمنين به، وعلامة بارزة على أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك طاعة لله - ﷾ -، عندما صدقوا بنبوة الرسول - ﷺ -، وأيقنوا بصحة الوحي وصدقه إليه - ﷺ - وهو ما يدل على أنه رسول الله حقًا. ثانيًا: لنمهد به للأدب الثاني وهو عدم رفع الصوت عنده وهذا السبب لنزول الآية له شقان:
الأول: المتعلق بالأعراب من بني تميم الذين نزلت الآيات لترشدهم مع التوبيخ إلى أصول الأدب مع الرسول - ﷺ -.
الثاني: وهو المتعلق بالخيرين أبي بكر وعمر ﵄.
وسنقتصر على ما رواه البخاري في صحيحه؛ لأنه أيا ما كان السبب فهو يدور حول أدب التعامل مع النبي - ﷺ -، والتحذير الشديد من مخالفة ذلك، روى البخاري بسنده إلى ابن
[ ٧٨ ]
الزبير - ﵁ - قال: "قدم ركب من بني تميم على النبي - ﷺ -، فقال أبو بكر: أمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، قال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي
(أو إلى خلافي)، قال عمر: ما أردت خلافك أو إلى خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما في ذلك فنزل: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ١، ٢].
جعلت هذه الآية توطئة للنهي عن رفع الأصوات عند رسول الله، والجهر بالقول، وندائه من وراء الحجرات؛ لأن من خصه الله تعالى بهذه الحظوة والمرتبة العالية من جعل إبرام العمل بدون أمره كإبرامه بدون أمر الله حقيق بالتهيب والإجلال أن يخفض الصوت عنده.
ومن ثم جعلت هذه الآية في صدر السورة مقدمة على توبيخ وفد من بني تميم حين نادوا النبي - ﷺ - من وراء الحجرات حيث ذلك من قبيل رفع الصوت عنده، وإن مماراة أبي بكر وعمر ﵄ كانت في نفس قصة بني تميم فكانت الآية تمهيدًا لقوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ (١)
وباستكمال تحليل الآية الكريمة نصل إلى ختامها في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾.
أما العطف في قوله ﴿وَاتَّقُوا﴾ فهو تكملة للنهي عن التقدم بين يدي الرسول - ﷺ - ليدل
_________________
(١) انظر أبا السعود "إرشاد العقل السليم" (٦٠٧/ ٥)، والطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢١٧/ ٢٦)، والفخر الرازي "التفسير الكبير" كل ذلك بتصريف.
[ ٧٩ ]
على أن ترك إبرام شيء دون إذن الرسول - ﷺ - من تقوى الله وحده، وأن ضده ليس من التقوى، ليرد ذلك قول مدعي التقوى اليوم، وأنها في القلب يريدون بذلك هدم الإسلام بالتحلل من اتباع النبي - ﷺ - والتزام تعاليمه والاقتداء به، فيه الرد إذًا عليهم بأن ما فيه (هم) مضاد للتقوى، وهم ليسوا منها في شيء.
وكانت جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقوى الله (١)، وهي كناية عن التحذير من المخالفة لكون الله تعالى سميعًا بما يقولون عليمًا بما يدبرون من مخالفته ليرعوي ولينزجروا بذلك، ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر.
وجاء الأدب الثاني الذي انتظمته الآيات الكريمات، وهو عدم رفع أصواتهم فوق صوت النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ وذلك في مجلسه وحضرته إذا كلم بعضكم بعضًا.
وقد تحصل من هذا النهي معنى الأمر بتخفيض الأصوات عند رسول الله - ﷺ - وكان الصحابة عنوان هذا الاحترام والأخذ بأحكامه، فما كان يفد أحد من البادية على رسول الله - ﷺ -، إلا نبهوه على هذا الأدب.
قال صفوان بن عسال - ﵁ - في حديثه الطويل -: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، إذ ناداه أعرابى بصوت له جهورى: يا محمد فأجابه رسول الله - ﷺ - نحوًا من صوته: هاؤم! فقلنا له: ويحك! اُتغضض من صوتك، فإنك عند النبي - ﷺ -، وقد نهيت عن هذا . (٢)
_________________
(١) التحرير والتنوير (ابن عاشور) الدار الجماهيرية، المجلد (٢٥ - ٢٦/ ٢١٩).
(٢) رواه الترمذى (٣٤٥٨)، وقال هذا حديث حسن صحيح، وقد أقتصرنا على موضع الشاهد.
[ ٨٠ ]
ونعود إلى تحليل الآية:
- الآية في النهي عن التجاوز في كيفية القول عند النبي - ﷺ - بعد النهي عن التجاوز في القول والفعل، كأنه تفصيل لشيء من مفردات النهي الأول وضرب المثل له.
- وإعادة النداء مع قرب العهد بالنداء الأول للمبالغة في إيقاظ المؤمنين وتنبيههم، مع إظهار الاهتمام بهذا الغرض الجديد، والإشعار باستقلال كل من الكلامين لأنه كان يمكن أن يكون السياق: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ولا ترفعوا أصواتكم ولكن حتى لا ينغمر الغرض الثاني في الأول، إذا هذا الثاني من آداب سلوك المؤمنين في معاملة النبي - ﷺ -، والتي تدل بدلالة الفحوى على ما هو آكد من المعاملات مع النبي صلوات الله وسلامه عليه من باب الأولى، لذلك أفرد بالتنبيه مرة أخرى (١).
- وحقه - ﷺ - ألا يرفع عنده الصوت حيًا ولا ميتًا، فكان عمر - ﵁ - يزجر من يرفع صوته عند مقام النبي - ﷺ - تأدبًا بهذا الأدب، وسلوكًا لهذا الواجب وكذا لا يرفع الصوت على سنته ميتًا، فما دام قد تحقق من كون الأمر سنة من سنته فمن واجب التأدب أن يقول قول المؤمنين المتقين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥]. (٢)
- والرفع مستعار لجهر الصوت جهرًا يتجاوز معتاد الكلام، وهو إما من تشبيه جهر الصوت بإعلاء الجسم في أنه أشد بلوغًا إلى الأسماع كما أن إعلاء الجسم أوضح له في الإبصار، أو من تشبيه إلقاء الكلام بجهر قوي بإلقائه من مكان مرتفع كالمئذنة، فالأول على سبيل الاستعارة المكنية والثاني على طريقة الاستعارة التبعية.
_________________
(١) انظر أبا السعود "إرشاد العقل السليم"، والطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢١٩/ ٢٦).
(٢) انظر ابن القيم "بدائع التفسير"، وغيره.
[ ٨١ ]
ويكون قوله ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ترشيح لاستعارة ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾، وهو فوق مجازي ويكون موقع قوله: ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ موقع الحال من أصواتكم، أي متجاوزة صوت النبي - ﷺ - أي متجاوزة المعتاد في جهر الأصوات إذ ذلك جهر النبي - ﷺ - ولا شك أنه نهي مخصوص بغير المواضع التي يؤمر فيها بالجهر، كالأذان وتكبير العيد، وما أذن فيه النبي - ﷺ - إذنًا خاصًا كإذنه للعباس يوم حنين (١) وهذا يدل على علو مكانة الرسول - ﷺ - إذ يأمر المولى - ﷾ - عباده بمراعاة النبي - ﷺ -، وحسن معاملته إلى درجة ألا يرفع أحد صوته عنده، فما بال المؤمنين المتقين بغير ذلك من الآداب، قد جمعت له كل وسائل الأدب إذًا على أكمل الوجوه واتمها ظاهرًا وباطنًا، حيًا وميتًا، مرتبة عظيمة تلك التي أنبأنا الله تعالى عن رسوله - ﷺ - لم يبلغها أحد من الخلق طرًا، والمقارنة بين ما أمر الله به، وبين ما وصلنا إليه في معاملتنا للرسول - ﷺ - مما يدعو إلى الأسى والحزن، والخوف من عقاب أليم ينزل لا يبقي ولا يذر، كما أكد سبحانه بقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣]، وإن نظرة لما هبطنا إليه في سلم العلو والحضارة ليخبرنا بالبون الشاسع بيننا وبين رسول الله - ﷺ - الذي كان الاقتداء به سببًا للعلو والمجد وانتشار الهداية والنور ورفع راية الحق والعدل، والرحمة والمساواة، والسمو المادي والأخلاقي الذي لم يعهد مثله من قبل.
إن ما سبق من الكلام في الأدب الثاني مع رسول الله - ﷺ - إنما كان بعدم رفع الصوت في مجلسه وحضرته، وبالتالي يأتي الأدب الواجب المتعلق بمكالمته ومشافهته إذ هذا لصيق الصلة بذلك، حيث كانت مجالسه مجالس الهداية والتعليم والإرشاد والرحمة ونزول السكينة وغيرها من سبل الرشاد مما يستدعي أن يخاطبه الصحابة رضوان الله عليهم سؤالًا
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير"، (٢٢٠/ ٢٦).
[ ٨٢ ]
واستفهامًا واستفتاءً واسترشادًا، هل ترك الله جل وعلا لهم مخاطبة النبي - ﷺ - بأي قول أو بأي هيئة بغير أن يبين لهم السلوك الواجب في ذلك تعظيمًا لأبهة النبوة وإظهارًا لعظم المكانة وتبجيلًا له - ﷺ - ليعلموا بخطابه أنهم يخاطبون المهيب العظيم المتدثر بالنبوة والذي تقديره وإعزازه من تقدير مرسِله وتوقيره - ﷾ -؟ نعم بين لهم ذلك وأوضح لهم في نفس الوقت جزاء المخالفة لذلك وعاقبته المخزية في الأولى والآخرة هذه بداية حروف الأدب الواردة في القرآن الكريم: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢].
بين هذا الجزء من الآية شقين من الكلام؛ الأول حقه - ﷺ -، والثاني العقاب المترتب على المخالفة والتقصير في هذا الحق.
لما عطف هذا النهي - عن الجهر - على الجهر بالصوت عند خطابهم الرسول - ﷺ - دل على أنه جهر آخر للتغاير بين مقتضى قوله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ ومقتضى قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ خاصة وقد تعدى الفعل ﴿تَجْهَرُوا﴾ باللام في قوله ﴿لَهُ﴾، فدلت اللام هنا على أن هذا الجهر يتعلق بمخاطبته، وزاده وضوحًا التشبيه في قوله: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾. (١)
ومعنى الكلام المعظم: ولا تجهروا له بالقول إذا كلمتموه كالجهر الجاري فيما بينكم، بل اجعلوا صوتكم أخفض من صوته ﵊، وليس غض الصوت فقط هو المطلوب وإنما ما يدل عليه من الأدب في المحادثة كالتعهد في مخاطبته اللين القريب من الهمس، كما هو الدأب عند مخاطبة المهيب المعظم، محافظة على مراعاة أبهة النبوة وجلالة
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢٢١ - ٢٢٢/ ٢٦).
[ ٨٣ ]
مقدارها.
وهذا ما يدلنا عليه تأكيد سابق في سورة النور لتوضيح هذا الأدب وهو في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ حيث إن الآية ذكر لها المفسرون تفسيرين ما يعنينا هنا هو: اعتبار إضافة ﴿دُعَاءَ﴾ إلى ﴿الرَّسُولِ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله، المقدر الفاعل ضمير المخاطبين، والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسول، فالمعنى نهيهم أن يدعوا الرسول - ﷺ - كما يدعو بعضهم بعضًا، وقدر الالتفات من الغيبة إلى الخطاب للمسلمين، حيث الخطاب: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾، ليكون حثًا على تلقي هذه الجملة بنشاط فهم، فنهاهم أن يدعوا الرسول - ﵊ - عند مناداته كما يدعو بعضهم بعضًا في اللفظ أو في الهيئة؛ فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا: يا محمد، أو يا ابن عبد المطلب، ولكن يا رسول الله، أو يا نبي الله، وأما في الهيئة فبأن لا يدعوه من وراء الحجرات، وأن لا يلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم كما جاء في السورة التي معنا نتكلم فيها عن آداب مخاطبة النبي - ﷺ -، وهي سورة الحجرات. لأن كل هذه الأخلاق من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول - ﷺ - فهذا أدب المسلمين، وسد لأبواب الأذى عن المنافقين. (١)
بيد أنه لا يسعنا مع ما وصلت إليه أحوال المسلمين اليوم إلا أن نشير إلى ما كان عليه أصحاب النبي - ﷺ - من الاستجابة لهذه التوجيهات والعمل بمقتضاها مسارعة لرضا الله تعالى، وتعظيمًا لأوامره، والتي تظهر أول ما تظهر في محبتهم لرسوله وتعظيمهم له - ﷺ -.
كان أول المسارعين إلى ذلك أبو بكر وعمر ﵄، ونذكرهما بالذات أولًا لكونهما خاصة الخاصة عند رسول الله - ﷺ -، ولورود ذكرهما في أسباب نزول الآيات التي
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٣٠٩ - ٣١٠/ ١٨).
[ ٨٤ ]
نحن بصددها.
أما ما ورد عن أبي بكر - ﵁ - فعن أبي هريرة: أن أبا بكر قال بعد نزول هذه الآية: «والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله». (١)
وزاد أنه - ﵁ - كان يرسل إلى الوفود إذا قدموا على رسول الله - ﷺ - من يعلمهم كيف يسلمون، ويأمرهم بالسكينة والوقار عند رسول الله - ﷺ -.
أما عمر - ﵁ - ففي صحيح البخاري: قال ابن الزبير: فما كان عمر يسمع رسول الله - ﷺ - بعد هذه الآية حتى يستفهمه. (٢)
وكان على هذا الأدب أصحاب النبي ﵊ حيث كان يأتي الأعرابي فيرفع صوته بحضرته فيعلمونه ويرشدونه بقولهم اخفض صوتك إنك عند رسول الله - ﷺ -. (٣)
مضى على تلك الأخلاق الحسنة الأجيال الفاضلة التي علت ودانت لها الدنيا، حتى ظهرت هذه الأخلاق الآثمة من الكفرة ومدعي الإسلام، تتنقص الرسول وتسيء إليه، وترفع صوتها فوق صوته، بل ترد قوله، وتمجد قول غيره وتعظمه وتنعق به، وتسير وراءه، وهنا مكمن الخطر، وموضع الزلل، وهو الشق الثاني في الآية الكريمة، الذي يبين عاقبة
_________________
(١) رواه الحاكم (٣٧٢٠) وقال على شرط مسلم ووافقه الذهبي (٥٠١/ ٢)، والبزار (٤٥)، (١١٠)، والبيهقي (١٥٢٠) (١٩٧/ ٢)، انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢٢٠/ ٢٦)، وأبا السعود "إرشاد العقل السليم" (٦٠٨/ ٥).
(٢) البخاري (٤٨٤٥)، (٦٨٧٢)، والترمذي (٣٢٠٩)، وأحمد (١٥٧٧٣)، (١٥٧٤٦)، وإرشاد العقل السليم، والتحرير والتنوير (المصدران السابقان).
(٣) انظر أبا السعود "إرشاد العقل السليم" (٩٢/ ٣).
[ ٨٥ ]
الجهر له كالجهر لغيره بمعتاد القول، فكيف بما هو أشنع وأسوأ، وهو ما جلاه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾.
وهذا العقاب الشديد معناه أن التقصير في هذا الأدب مع رسول الله - ﷺ - يؤدي إلى الكفر الذي تحبط به الأعمال، ومعنى كلام الله تعالى: أن الجهر بالقول له يفضي بكم إن لم تكفوا عنه أن تحبط أعمالكم، ويكون التقدير عند البصريين لا تجهروا له بالقول خشية أن تحبط أعمالكم، وتقدير الكوفيين بتقدير ﴿لَا﴾ النافية فيكون أن لا تحبط أعمالكم. (١)
والحَبَط: تمثيل لعدم الانتفاع بالأعمال الصالحة بسبب ما يطرأ عليها من الكفر مأخوذ من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها واعتلت أو ربما هللت، وقد جاء في الحديث ما يدل عليه في قوله: (وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطًا أو يلم)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] (٢).
ومما سبق يتضح شيء من المقصود من القيام بسلوك واجب الأدب، وحسن المعاملة التي تحقق بها الصحابة رضوان الله عليهم، خشية أن يحل عليهم عذاب الله أو تصيبهم الفتنة من الوقوع فيما يحرجه - ﷺ -، فيغضب له الرب، فيعد لهم هذا السيئ من العذاب، ومن ثم جاء التحذير من الله لمن بعدهم إلى أن تقوم الساعة أن يقعوا في ذلك أو أن يتساهلوا فيه ويستمرئوه وأنهم إذا وقع منهم ذلك مهما كانت لهم من أعمال صالحة - يظنون - فإنها لن تجديهم نفعًا، بل هي هباء قد ذهب منثورًا، وهو حال الذين يزعمون اليوم أنهم مسلمون صادقون، فكيف بحال من يبطن الكفر ويدعي الإسلام، إن مآل إليه حال المسلمين اليوم
_________________
(١) المفردات حَبِطَ، انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢٢١/ ٢٦).
(٢) الحديث البخاري (١٣٧٩).
[ ٨٦ ]
ليدلنا على صحة الرسالة، وصدق النبوة إذ أخبر القرآن بذلك، وليس الكلام في إحباط الأعمال من شأن البشر، وما كان ليقال، ويخبر به إلا من لدن حكيم خبير، حيث لما ظهرت ما حذر منه من أسباب تؤدي إليه.
إن ظاهر الآية التحذير من حبط جميع الأعمال، لأن الجمع المضاف من صيغ العموم ولا يكون ذلك الحبط إلا في حالة الكفر، لأن من الأعمال الإيمان، فمعنى الآية: أن عدم الاحتراز من سوء الأدب مع النبي - ﷺ - بعد هذا النهي قد يفضي بفاعله إلى إثم عظيم، يأتي على عظيم من صالحاته، أو يفضي به إلى الكفر.
قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" أي يكون ذلك سببًا إلى الوحشة في نفوسكم فلا تزال معتقداتكم تتدرج القهقري حتى يؤول ذلك إلى الكفر فحبط الأعمال.
يقول الإمام ابن عاشور في "التحرير والتنوير" تعقيبًا على كلام ابن عطية: لأن عدم الانتهاء عن سوء الأدب مع الرسول - ﷺ - يعود النفس بالاسترسال فيه، فلا تزال تزداد منه، وينقص توقير الرسول - ﷺ - من النفس، وتتولى من سيء إلى أشد منه حتى يؤول إلى عدم الاكتراث بالتأدب معه وذلك كفر، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ لأن المتنقل من سيء إلى أسوأ لا يشعر بأنه آخذ في التملي من السوء بحكم التعود بالشيء قليلًا حتى تغمره المعاصي، وربما كان آخرها الكفر حين تضري النفس بالإقبال على ذلك. (١)
على عكس ذلك كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يشعرون بالمخالفة اليسيرة ويستعظمونها، ويحزنون لوقوعها منهم حتى ولو بغير قصد وعمد؛ خوفًا من أن يتنزل عليهم غضبه، أو يحل عليهم عذابه، لذلك عظم الله قدرهم، ورفع منزلتهم وأثابهم أجزل
_________________
(١) الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢٢١ - ٢٢٢/ ٢٦).
[ ٨٧ ]
المثوبة في الدنيا والآخرة، فكانوا خير أمة أخرجت للناس، هذا ثابت بن قيس بن شماس
- خطيب رسول الله - ﷺ - وكان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت، لما نزلت هذه الآية افتقده النبي - ﷺ - فأخبر بشأنه فدعاه فسأله، فقال يا رسول الله: أنزلت عليك هذه الآية وأنا رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال له رسول الله - ﷺ -: «إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة» (١) وهكذا كانوا في عموم حالهم مع ربهم ورسولهم وقرآنهم ودينهم اعتقادًا وأخلاقًا وسلوكًا ودعوة.
تصديقًا لمثل ذلك، جاءت الآية التالية لما سبق تبين عظيم البشريات وأجمل العواقب لمن كان في سلوكه على مثل هذا النهج الحسن فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾ [الحجرات: ٣].
ونحلل هذه الآية الكريمة نختم بها بعد الترهيب المخوف السابق، بالترغيب المُطَمئِن للنفس، الباعث فيها لروح الرجاء الدافع بالمرء إلى أقصى درجات المحبة لرسول الله - ﷺ -، لتتفجر منه أقوى طاقات الاتباع والسلوك والاقتداء والتأدب معه - ﷺ -، مع بذل النفس والمال، وهجرة الأهل والوطن لنصرته والذود عنه.
إن أول ما يصادفنا في الآية هو:
- افتتاحها بحرف التأكيد، فالكلام استئناف بياني لأن التحذير في قوله تعالى ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ يثير في النفس سؤالًا عن جزاء من حاله ضد هذه الحال المخزي الذي حبط عمله.
_________________
(١) انظر أبا السعود "إرشاد العقل السليم" (٦٠٨/ ٥)، وحديث ثابت - ﵁ - عند أبي يعلي (٣٨٤٦)، والطبراني (١٣٠٥) وهو حديث حسن.
[ ٨٨ ]
- فجاء هذا الاستئناف بالتأكيد ب ﴿أَنْ﴾ للاهتمام بمضمونه من الثناء عليهم وجزاء عملهم.
- وتفيد الجملة تعليل النهيين ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ و﴿وَلَا تَجْهَرُوا﴾ بذكر الجزاء عن ضد المنهي عنهما، وأكد هذا الاهتمام باسم الإشارة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ مع ما في اسم الإشارة من البعد الدال على بعد مكانتهم وعلوها، والتنبيه على أن المشار إليهم جديرون بالخير المذكور بعد اسم الإشارة، لجل ما ذكر من وصفهم قبله. (١)
- والغض حقيقته: خفض العين، أي لا يحدق بها إلى الشخص، وهو هنا مستعار لخفض الصوت والميل به إلى الإسرار، والامتحان: الاختبار والتجربة، وهو افتعال من محنة، إذا اختبره.
- واللام في قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ لام العلة، أو لام الاختصاص، ويكون التقدير على الأولى: امتحن الله قلوبهم لأجل التقوى، لتكون فيها التقوى، فيكونون أتقياء، يقال: امتُحِنَ فلان للشيء الفلاني كما يقال: جُرِّب للشيء، ودُرِّبَ للنهوض بالأمر، أي فهو مضطلع به، فيكون قد ضَرَبَ قلوبهم بضروب المحن، والتكاليف الشاقة لأجل التقوى، فإنها لا تظهر إلا بالاصطبار عليها، وكل ذلك موافق لما عليه المتقون المحمودون في علاقتهم بالنبي - ﷺ - في كل زمان ومكان، صابرين على تكاليف التقوى يقومون بها بخالص المحبة متقبلين لنتائجها، لأن كل ذلك في رضا الله، ووقوع ذلك منهم يدل عليه جواز أن يجعل الامتحان كناية على تمكن التقوى من قلوبهم، وثباتهم عليها، بحيث لا يكونون في
_________________
(١) انظر لما سبق أبا السعود "إرشاد العقل السليم" (٦٠٨ - ٦٠٩/ ٥)، الرازي "التفسير الكبير"، والطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٢٢٢ - ٢٢٣/ ٢٦).
[ ٨٩ ]
حالٍ ما غير متقين، وهي كناية تلويحية لكون الانتقال بعدة لوازم وفي هذه المعاني درس المسلمين اليوم.
- ويجوز أن يجعل فعل ﴿امْتَحَنَ﴾ مجازًا مرسلًا عن العلم، أي علم الله أنهم متقون، وعليه تكون اللام من قوله ﴿لِلتَّقْوَى﴾ متعلقة بمحذوف حال من قلوب، أي كائنة للتقوى، فاللام للاختصاص وهو القول الثاني.
- أو هو سبحانه علم كون هذه القلوب مفعمة بالمحبة لرسوله تستحق ذلك بفضله، فأخلصها للتقوى كامتحان الذهب لتمييز إبريزه من خبثه، وهذا من فضل الله تعالى ومنته على أولئك المستجيبين لله وللرسول إذا دعاهم لما يحييهم، ويكون فيه فوزهم في الآخرة، ورفع رايتهم في الدنيا.
- وجملة "لهم مغفرة وأجر عظيم" جعلت جزاء للغاضين أصواتهم، الملتزمين بالشرع المؤدب مع رسول الله - ﷺ -، في مقابل عقاب أولئك المنحرفين عنه المتعاملين معه على هذا الحال النكد، فهؤلاء لم يغفر لهم؛ لأنهم كفروا بذلك الفعل، وذلك شرع الله القائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾ [محمد: ٣٤] وبالتالي حبط عملهم فلم يستفيدوا منه بشيء على عكس أولئك المؤمنين المتقين، حيث غفر لهم ما يمكن أن يفلت منهم من تقصير بمقتضى البشرية، وأثيبوا على عملهم الصالح، وخص منه سلوك الأدب مع الرسول - ﷺ - بالأجر العظيم مبالغة في تقدير عملهم هذا وتنويهًا برفعة قدره، وعلو شأنه.
- والجملة ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ للمفسرين فيها إعرابان، الأول: أنها خبر إن، وذهب الزمخشري إلى أن خبر أن هو اسم الإشارة مع خبره، وجعل جملة ﴿لَهُمْ﴾ مستأنفة.
فعلى القول الأول فإن ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هو المقصود من هذا الاستئناف، وما بينهما
[ ٩٠ ]
اعتراض للتنويه بشأنه.
وفي القول الثاني نختم بكلام الزمخشري ذاته حيث يقول في "الكشاف": (وهذه الآية بنظمها الذي رتبت عليه من إيقاع الغاضين أصواتهم اسمًا لـ ﴿إِنَّ﴾ المؤكدة وتصيير خبرها من مبتدأ وخبر معرفتين معًا، والمبتدأ اسم الإشارة، واستئناف الجملة المستودعة ما هو جزاؤهم على عملهم، وإيراد الجزاء نكرة مبهمًا أمره؛ ناظرة في لدلالة على غاية الاعتداد والارتضاء لما فعل الذين وقروا رسول الله - ﷺ -، وفي الإعلام بمبلغ عزة رسول الله - ﷺ - وقدر شرف منزلته.) (١)
وهذا الوعد والثناء يشملان ابتداء أبا بكر وعمر إذ كان كلاهما يكلم رسول الله - ﷺ - كأخي السرار (٢)، والباقي كل حسب سلوك واجب الأدب معه ولا تعليق بعد هذا الكلام إلا بالأسى والحزن مرة أخرى لما وصل إليه حالنا، وما ينبغي للمؤمنين فيه من معاودة الكرة بالرجوع إن كانوا صادقين إلى محبته وسنته وتعظيم قدره، ورفع راية شريعته، ليعود إليهم مجدهم، ﴿إِن اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١].
_________________
(١) الزمخشري محمود جار الله "الكشاف" (٦/ ٣٦٤).
(٢) انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٦/ ٢٢٣).
[ ٩١ ]