مولده ﷺ
وقد ولد - ﷺ - عام الفيل حيث حاول أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة عندما بنى كنيسة باليمن ليحجها العرب بدلًا منها، وكان ذلك عام ٥٧٠ م أو ٥٧١ م (١)، وقد ولد - ﷺ - يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، أو التاسع على رأي بعض الدراسات الحديثة (٢)، وهذا أمر مجمع عليه (٣) إذ حادثة الفيل مذكورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
لا تكاد الروايات التاريخية تخرج عن الوصف القرآني إلا في تحديد جزئيات يسيرة رواها بعض صغار السن من الصحابة عمن عاصر تلك الفترة كابن عباس وعبيد بن عمير من الصحابة وغيرهما، فقد رأت السيدة عائشة ﵂ قائد الفيل وسائسه أعميين يستطعمان الناس بمكة (٤).
_________________
(١) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (٤٤٣/ ٩).
(٢) الباحث محمود باشا الفلكي فيما ذكره الخضري في محاضرات في تاريخ الأمم الإسلامية (٦٢/ ١)، كتاب محمود باشا: "نتائج الأفهام في تقويم العرب قبل الإسلام" (٢٨ - ٣٥)، ط بيروت.
(٣) تاريخ خليفة وكل كتب السيرة تذكر مولده عند حادث الفيل؟!.
(٤) ابن هشام "السيرة" (٧٥/ ١)، خليفة، "التاريخ" بسند حسن.
[ ١٤٩ ]
ذهب بروكلمان إلى التشكيك في مولده - ﷺ - حيث ذكره أنه قبل عام الفيل بعشر سنوات محيلًا ذلك على الأب هنري لامانس، حيث وصف "وات" نفسه هذا الهنري بشدة التطرف في تناول السيرة، وكتاباته وغيره تثير الغثيان (١)، وما ذلك منه إلا لسلب دعوى النبوة عنه - ﷺ - حيث لا يكون سنه عند الرسالة أربعين عامًا، والرسل تبعث في سن الأربعين؛ مما يدل على عدم صحة النبوة، هكذا بغير بينة ولا برهان يغير هذا المؤلف التاريخ ويخترع روايات لا أصل لها، ليصل بها إلى ضلاله كل ذلك باسم العلم (٢) وقد صح بما لا شك فيه أن رسول الله - ﷺ - صدع بالدعوة عند سن الأربعين، ولم يخالف في ذلك أحد من العالمين حتى جاء لامانس فاخترع هذا الكذب على الله وعلى التاريخ وعلى الناس (٣).
ولد رسول الله - ﷺ - يتيمًا، فقد مات والده وأمه حامل به، وهو المشهود الذي تقطع به الآية القرآنية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] وهو أبلغ اليتم وأعلى مراتبه (٤)، وبذا شاء الله تعالى أن ينشأ - ﷺ - كذلك ليتربى بعيدًا عن أبيه وأمه وجده، وأن يقضي معظم طفولته في بادية بني سعد مسترضعًا فيهم لإبعاد الريبة، وإيهام الناس أن نبوته إنما هي توجيه وإرشاد آبائه حيث مكانة جده العالية في مكة حينئذ.
وإنما يتمه كذلك أسوة في كل زمان ومكان ليعرفوا أن اليتم ليس بلاء يمنع صاحبه من الوصول إلى أعلى المراتب دنيا وأخرى، ولنفرض أن عبد الله أباه - ﷺ - بقى حيًا! فماذا عسى كان
_________________
(١) "وات"، "محمد في مكة" (٤٤)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ترجمة عبد الرحمن الشيخ، وحسين عيسى، مراجعة د. أحمد شلبي.
(٢) بروكلمان، "تاريخ الشعوب الإسلامية المعرب" هامش (٣٢).
(٣) انظر ابن سعد: "الطبقات الكبرى" طبعة الطبري (٢٠٢/ ٢)، ابن حزم: "جوامع السيرة"، تحقيق إحسان عباس وناصر الدين الأسد (٥)، وابن القيم "زاد المعاد" ط الرسالة (١/ ٨٤)، ابن سيد الناس، "عيون الأثر"، مجلد ١، (١١٠)، وغير ذلك.
(٤) انظر ابن كثير "السيرة النبوية" (٢٦٠/ ١).
[ ١٥٠ ]
يفعل لابنه؟ هل كان يمكن أن يهب له النبوة لو كانت كسبًا فكيف وهي اصطفاء؟ نعم الأب عنصر من عناصر شتى تؤثر في الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه. (١)
وكان من عجيب الشأن أن سمي محمدًا حيث وردت روايات ضعيفة عن أمه وجده أنهما اللذان سمياه محمدًا، ولكن عموم سنة العرب مغنيًا عن النقل، حيث قيام عبد المطلب بابن ابنه اليتيم، وسروره به، سلوى عن عبد الله بن عبد المطلب مما لا يحتاج إلى إثبات، خاصة وأن تسميته محمدًا أعظم وأشهر شيء في تاريخ الإنسانية إلى زوال الدنيا، وختنه وعمل له وليمة على عادة القوم، لم تصح بذلك روايات نعم مع أنه ثابت مشهور مما يحتاج معه إلى نظر وتأمل في إثبات التاريخ مع منهجنا الذي سرنا عليه في التدقيق وإخضاع السيرة للنقد الحديثى إن ذلك يحل مشاكل كثيرة في نقد الرواية، وإثبات التاريخ والسيرة وغيرها بذلك (٢).
إرهاصات مولده - ﷺ:
وهي إرادة الله تعالى في الأمور العظام التي يقضيها شرعًا وقدرًا أن يُوَطِّئَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها، وسنضرب لها أمثلة تبينها وتوضحها إن شاء الله تعالى (٣).
أولى هذه الأمور العظام في الدنيا والآخرة هي ولادته ﵊ وقد تناول كتَّاب السيرة من مسلمين ومستشرقين هذه الإرهاصات وغيرها كلٌ بحسب منهجه في
_________________
(١) انظر مهدي رزق الله "السيرة النبوية" (١٠٩)، وكذلك محمد الغزالي "فقه السيرة" (٥٩).
(٢) نقد الروايات، ضعفها مع اشتهار الوقوع، فهل للواقع، والشهرة، وموافقة عادات القوم وغيرها لها تأثير في تصحيح وقوع الحادثة بغض النظر عن السند؟!.
(٣) انظر ابن القيم، زاد المعاد، (٣٠٩/ ٣)، تحقيق شعيب الأرنؤوط، وعبد القادر الأرنؤوط، طبعة الرسالة.
[ ١٥١ ]
معالجة السيرة، لأن المصادر مثلًا هي التي تشكل الرؤية المعرفية للباحث، مع قيمة البحث، أو بالاعتقاد المسبق فيما يكتب حيث يصل بنتيجة بحثه إلى ما يصبو إليه مما كان يعتقد، أو بنظرته وآرائه المكونة ابتداء، مع يقينه بصحة الموضوع في الجملة، والأخير هذا فعل المسلمين من المدرسة العقلية، كـ"محمد الغزالي" في"فقه السيرة"، حيث تحمل من عوامل التهافت والسقوط أكثر مما تحمل من عوامل العقل والإقناع والثبات، وسنبين ذلك في هذا المبحث وغيره، أما الأولون فيمثلهم المستشرقون، إذ ناقشوا وكتبوا بمنهج آخر لا يمت إلى إثبات الوحي بصلة، ونفي علاقة السماء برسول الله - ﷺ - مما حوّل البحث إلى بحث مادي علماني وإن ادعوا التوحيد، وظهر بالتالي أن مقصود بحثهم هو الطعن في محمد والإسلام، وتجريده من صفات المرسلين ودعوة النبيين، ونسف النبوة عنه، والتشكيك في كل ما يدور حول ذلك، لابسين في ذلك سرابيل العلمية والإنصاف، وأمثلهم في هذا السوء هو "وات" الذي يسمي قول وبحث إخوانه من المستشرقين بالغثيان وشدة التطرف فجاء ليقول قولهم ويصل بنا إلى نتائجهم، ولكن بدون غثيان يذكر، أو شدة يلحظها غير المدقق والمحقق.
وباقي الكاتبين المسلمين فمدرستان:
الأولى: قبلت كل ما جاء في كتب المتقدمين من هذه الإرهاصات ودافعت عنها وبعضهم رد على المستشرقين في إثبات ذلك (١)، وقد جمعوا ما صح وما لم يصح من الروايات والآثار، حيث هالهم سوء صنيع هؤلاء، ومخالفتهم للعقل والواقع، وتشكيكهم فيما ارتضوا هم أنفسهم من مصادر السيرة الإسلامية حيث لا يملكون في بحثهم سواها، مع اختراعهم في آخر الزمان لأحداث لم تقع وبنوا عليها للأسف ما أرادوا التوصل إليه من نتائج.
_________________
(١) منهم عبد الله محمد الأمين في أطروحته للماجستير "الاستشراق في السيرة النبوية".
[ ١٥٢ ]
الثانية: وهي مدرسة جد حديثة تقوم على تمحيص الروايات، وقبول الصحيح، ورد الضعيف مهما كان مساعدًا في إثبات قضايا التاريخ والسيرة، إظهارًا للحق وإنصافًا للحقيقة، حتى وإن تهلل لها المستشرقون، لأن اعتقادهم في صحة منهجهم، وإثباته بالصحيح من القول ينتهي بهم إلى نزاهة النتيجة وقوة برهانها، وهي مغايرة تمامًا لنتيجة المستشرقين لأن هذه منبنية على التضليل مع الترصد وسبق الإصرار وغير ذلك، بل هي نتيجة معدة سلفًا بخلاف تلك.
قبل بداية البحث في هذه النقطة نذكر بما زدناه جديدًا في الرسالة من المقارنة مع القرآن الكريم لندلل على صحة ما نود الوصول إليه، وكان التأمل في هذه النقطة بالذات مثار عجب الباحث، إذ كانت وحدها كافية في إثبات إرهاصات المولد النبوي الشريف، بأكثر مما ادعى أصحاب المدرسة الأولى نفسها التي جمعت الغث والسمين، وبالتالي ردت على أصحاب المدرسة العقلية من المسلمين، ومتبوعيهم من المستشرقين (نسميها بالحق مدرسة الادعاء العقلي) وسيكون القرآن الكريم عمدتنا في السيرة مع ما صح من نقد الروايات بعد ذلك في هذه الرسالة بفضل الله تعالى، إذ هو الدليل والمدلول عليه.
ونبدأ بما روي عند ولادته - ﷺ - وما بعدها من إرهاصات، نذكرها بترتيبها الزمني بعد ذلك كما التزمنا، وكما هو يتناسب مع كُتَّاب السيرة.
لقد رويت قصص وأخبار حول صفة حمل أمه به، وأنها لم تر أخف ولا أيسر منه، وأنها رأت بشارة بجليل مقامه، وأُمرت بتسميته محمدًا، كما وردت أخبار ذكروها تفيد أنه "وقع حين ولادته معتمدًا على يديه، رافعًا رأسه إلى السماء"، وأنه ولد مختونًا، أو ختنه جبريل - ﵇ -.
ورويت روايات حول هواتف الجان في ليلة مولده، وتبشيرها به، وارتجاس إيوان
[ ١٥٣ ]
كسرى وسقوط أربع عشر شرفة من شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة. وهذه هي الأخبار الضعيفة والموضوعة مع الخلاف في صحة بعضها.
أما ما احتف بمولده - ﷺ - من صحيح الأخبار وحسنها، فمنها قوله هو - ﷺ -: «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، رأت أمي حين حملت بي كأن نورًا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام».
وإخبار يهود بليلة مولده وكذلك قصة الفيل توطئة وإرهاصًا لظهوره، حيث دفع الله تعالى نصارى الحبشة عن الكعبة دون حول من العرب المشركين تعظيمًا لبيته (١).
بقى النظر وتحليل هذه الأخبار ..
ذهب أصحاب المدرسة الإسلامية الأولى إلى ورود وصحة بعض هذه الروايات، خاصة بسبب وقوع الاجتهاد في التصحيح والتضعيف مع أصحاب المدرسة الإسلامية الثانية، مما جعلهم يحتجون بهذه الروايات على المستشرقين، خاصة وأن المستشرقين يعتمدون نفس المصادر، ومن ثم تجاهل "وات":
أولًا: هذه الأخبار كلها، وليس له من دوافع إلا أنه لا يمكن أن ينكر مصادره التي يتكأ عليها في أبحاثه.
ثانيًا: أنه أعتمد المنهج الانتقائي فما يشعر من بعيد أنه يؤيد دعواه - ولو كان غير صحيح - يذكره ويبني عليه قصصه الكوميدية والتراجيدية، كتفسير آيات سورة النجم، وما ينكر دعواه ويغلق قضيته إما أن يتعامى عنه أو يشكك في صحته، ومن هذا تلك الإرهاصات عند ولادته الشريفة - ﷺ - لأنه بإثباتها يثبت ما سعى حثيثًا في كل أبحاثه، بل
_________________
(١) ابن القيم، "زاد المعاد" (٧٦/ ١)، القسطلاني، "شرح المواهب اللدنية" (١٣٠/ ١).
[ ١٥٤ ]
بطول حياته وعرضها أن يدحضه، وهي دعوى نبوة النبي - ﷺ -.
كان رد أصحاب المدرسة الأولى مع ذلك قويًا (١).
أما أصحاب مدرسة التدقيق في قبول الروايات فيكفيهم ذلك الصحيح، وإن كانوا يعتقدون بوقوع إرهاصات عمومًا تمهيدًا لمجيء النبي - ﷺ -؛ لأن تلك سنة الله تعالى في إرسال رسله، ثم هم يؤمنون بمحمد نبيًا ورسولًا بما لا يحتاج معه إلى تأكيد.
ومعركتنا العقلية والعلمية إذًا والتي سنطيل القول فيها، هي مع العقلانيين
- زعموا - ومتبوعيهم من المستشرقين لتبين الأساس الحق لهذه القضايا عمومًا.
زعم الشيخ محمد الغزالي، وهو مؤمن بالرسالة والوحي الإلهي لرسول الله - ﷺ - أن محمدًا ولد بمكة ولادة معتادة، لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يستلفت النظر.
وقال أيضًا: (وقد روى البعض أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة إلخ).
(وهذا تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقًا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه).
(ورسالته أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي).
(ومحمد غنى عن هذا كله، فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها). (٢)
_________________
(١) عبد الله النعيم، "الاستشراق في السيرة النبوية"، (٦٠).
(٢) انظر محمد الغزالي، "فقه السيرة"، (٥٨ - ٥٩).
[ ١٥٥ ]
وهذا الملخص هو اعتقاد الشيخ في هذه القضايا وأشباهها، مع زيادة تعبيرات طفيفة لدوافع ذلك هنا أو هناك، وكل ذلك لا يزيد عن كونه التأثر بعقدة الخواجة بل هو كلامه خاصة عند تفسيره الإنشائي بأسلوبه الخطابي لعلم النبي - ﷺ - بما أطلعه عليه سبحانه من الغيب، وبما أيده به من معجزات.
ونحن نرد عليه ردًا لمن تبع من المستشرقين دفاعًا عن السنة، وبالتالي عن الإسلام وإن كان لا يحتاج دفاعًا خاصة من أمثالنا، إذ هو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد يرى بعض في ذلك إظهارًا للتلبيس في ثوب العقل، والتضليل في سربال العلم، وإن كان هو لا يقصد ذلك، وقد وجدنا مغبة ذلك وعاقبته في مسلمين بكل سهولة يدفعون الدين، ويردون السنة بدعوى مخالفتها للعقل، وإن فلانًا قد قال، ورد ذلك، وإن ذلك مخالف للعقل، ولا يمكن أن يأتي الإسلام بهذا أو أن يأمر بذاك إلى آخره مما صار الدين معه متعلقًا بعقول الناس وأصبح التشريع أصولًا وفروعًا موكولًا إليها، لا إلى الله ورسوله - ﷺ - مما سهل الغزو الفكري لأهل الكفر، وصارت التبعة والعمالة الفكرية لهم فيما ذهبوا إليه، حيث وفر ذلك عليهم الغزو العسكري، وإن كان فقد سبقه الاستسلام الفكري والخواء الروحي، حيث دمرت حصون المسلمين من الداخل.
نعود لنناقش الشيخ من كلامه هو أولًا، ثم نبين كيف عالج القرآن الكريم هذه القضايا.
يقول الكلام في الإرهاصات تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقًا إيذانًا بزوال الظلم
وهذا كلام متهافت مغالط للواقع للأسف، فبحثنا هل حدثت إرهاصات عند مولده أو لا؟ ولم نقل هل كان مولده إيذانًا بزوال الظلم أم لا؟ لأن هذا رجم بالغيب ادعيته
[ ١٥٦ ]
وأنت المنكر لعلم الغيب للرسول فضلًا عن غيره.
ثانيًا: من الذي أدرى الموجودين أيامها أن هذا المولود الذي ولد ولادة عادية سيزول الظلم على يديه، ومن كان يستطيع أن يدعي ذلك إلا ضاربو الودع الذين يمقتهم الشيخ، أي بعد أن زال الظلم بدينه ودعوته وجهاده في سنين طويلة تجيء لتقول كان مولده كذا، تراك لو كنت موجودًا حال مولده كنت ستقول بأن هذا الآتي إلى العالم سيدك معالم الظلم، على أحسن الأحوال ستجد من يردك تكذيبًا لك.
ثم يواصل مسلسل الإنشاء بأن رسالته أخطر ثورة وهي ألفاظ غريبة على الحس الإسلامي نفسه بعد ذلك، وهو كلام في غير محله، يراد به كلامٌ في محله ولو قلنا بقولك لكان أصحاب الإرهاصات أقوم قيلًا، لأنهم لو قالوا هذا المولود الذي صاحبته هذه الإرهاصات سيكون له شأن، لكان لهم دليل على قولهم يوم لم يكن لقولك شبهة دليل.
وتستحكم عقدة الخواجة بقوله محمد غني عن هذا كله، فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
إن النصيب الضخم له من الواقع المشرف هنا أشبه بكلام "وات" عندما أراد أن ينفي عنه - ﷺ - أنه أرسل لكسرى وقيصر للدخول في الإسلام فيقول: (إن مثل هذا الحكيم والسياسي الداهية لا يمكن أن يدعو قيصر الروم والإمبراطور الفارسي للدخول في الإسلام) (١). وهو يحاول بذلك هدم فكرة عالمية الدعوة.
هذه المقولة تُشعر أيضًا بعدم دخول النبوة واصطفائها في حسابه وإن البشر العاديين يمكن أن يكون لهم نصيب ضخم إذًا ما الفارق؟!
_________________
(١) انظر عبد الله النعيم "الاستشراق في السيرة" (٤٥).
[ ١٥٧ ]
ثم نعود فنسأل متى عرفت هذا النصيب الضخم ومن الذي أدراك به، وبحثنا هل حدث ذلك عند ميلاده أم لا؟ إن الذين نقلوا لك هذا النصيب الضخم هم في مجملهم من نقلوا هذه الإرهاصات فلماذا التحكم؟ وما التحكم إلا بالهوى المغلف بالعقل المدعوم بعقدة الخواجة.
ونعود إلى القرآن الكريم لنبين أن الإرهاصات العظيمة مع مولد عظماء الدنيا والآخرة هي إرادة الله تعالى المتبعة، وأن ذلك واقع لا خلاف عليه، وما يمكن ليقع ذلك في خلقه سبحانه عبثًا لا حكمة فيه أو لا معنى له، وإن ذلك الواقع الذي ذكره القرآن الكريم مع بعضهم لا شك وقع مع سيدهم وسيد البشر سيدنا محمد رسول الله - ﷺ -، ونذكر اثنين من رسل الله وقع في ميلادهم شيء من عظيم الإرهاص، عيسى وموسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ندلل بهما على ذلك.
ونبدأ بعيسى - ﵇ - لقرب عهده من النبي - ﷺ -، ولكثرة المنتسبين إليه اليوم ولنرد من خلاله على "وات" حيث يدعي هنا التوحيد، حتى إذا جاء لرسول الله - ﷺ - انقلب التوحيد إلى مادية وعلمانية، وهي إحدى أسس "وات" (١) وغيره في التعامل مع السيرة، ونحن نغفل من بحثنا من اتسموا بالوقاحة والتدني الخلقي.
أوائل الآيات التي نشير إليها هي في سورة مريم لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي
_________________
(١) وهي تعامل "وات" المادي والعلماني مع السيرة، بعد أن أشرنا إلى الهدم والبناء وإلى التشكيك.
[ ١٥٨ ]
إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم: ١٦ - ٣٤].
ونحن فقط نقرأ النص نتلمس فيه مواضع الإرهاص، مع المقارنة عند الضرورة ببقية النصوص، إذ ليس المقصود تفسير هذه الآيات إلا ما يتعلق بالسيرة ولولا إقرار هذا الأساس الثابت في فهم سيرة النبي - ﷺ -، لم يكن لهذه القصة بنا تعلق.
إن أول ما يصادفنا في الآيات الكريمات هو تمثل الملك - روح القدس - المعبر عنه بروحنا (١) بشرًا وفيها أن الله جل وعلا يمكن أن يرسل لامرأة فضلًا عن رجل يوحي إليه بملك، وأن يكون الملك هو جبريل ويأتي في صورة الإنسان السوي، يخاطب فيها الإنس جهارًا بما شاء من أمر الله، أو أن يوقع بهم مراد الله تعالى، وفي حق مريم يقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾، أفلا يُعد مجيء جبريل على هذا النحو إرهاصًا يبشر بعيسى وإيذانًا بحلوله هذا العالم، حيث يؤكده أنه جاء ليهبها الغلام الزكي - ﵇ -، فهو توطئة لمجيء السيد المسيح وقد هالها ﵍ وكبر عليها أن تلد لغير زوج وهي من هي شرفًا وطهرًا وقنوتًا لله تعالى، وكان رد جبريل - ﵇ - الذي يجب أن يصفع به في وجه العلمانيين والماديين والعقلانيين، (كذلك قال ربك هو علي هين)، فمثل هذه الإرهاصات وغيرها يعد بعيدًا في نظرهم العقلي القاصر سهل على أمر الله، لا راد لقوله ولا معقب لحكمه، إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
_________________
(١) التحريم: ١٢.
[ ١٥٩ ]
وأن ما يقع فهو الدليل بين يدي الآية العظيمة التي ستملأ الدنيا بعد ذلك:
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾، بين يدي النبأ العظيم الذي له حكمته، والفعل المبين الذي يدل به الرب على رسالته ونبوته - ﵇ -، وهو أمر قد قضى رحمة بالحكمة لا عبث فيه ولا لهو به.
ثم بعد ذلك يظهر من يرفع عقيدته ليقول لقد كانت ولادة محمد ولادة معتادة، ليس فيها وفيها، لا تفرق عن أي ولادة، وكأنه لو قال صاحبت ولادته مجيء جبريل، وحدث وحدث سيكفر بالله، ويمرغ بكرامة العقل التراب، ماذا تساوي تلك الإرهاصات في قوة الله وقدرته وعلمه وحكمته حتى يجادل فيها، وتنفي معانيها، إنها كانت لحكمة كما أراد الله الأولى معرفتها، بدلًا من التشكك في قوته التي لا تقهر، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، وما هي إلا عقدة الخواجة والتبعية.
ونذكر هنا ما لا يصح بعد ذلك أن يغيب عن الذهن، بل يثبت في ذكر الباحث وغيره ويكون منه دائمًا على ذكر، ما وقع في سيرة النبي - ﷺ - من مثل ذلك، وأنه ليس خارجًا عن علم الله تعالى وقوته وحكمته وقدرته، وتمام رحمته، ومثاله الذي سيصادفنا توًا هو شق صدره الكريم - ﷺ - في ديار بني بكر عندما كان عند مرضعته حليمة السعدية وغير ذلك من المرات التي حدث له فيها ذلك.
ترى بعدما حدث مع مريم - ﵍ - يمكن أن ننكر شيئًا من ذلك؟! بل أكثر منه وأعظم، وإن حدوث ذلك من المعتاد في أفعال الله تعالى، وأن الصحيح مقابلته بالتسليم، وفهم غايته وسمو وجاهته ووجهته، لا أن يتبع فيه الباحث وغيره المبشرين الذين كل همهم نفي الوحي وإلغاء النبوة ووصم النبي - ﷺ - بما لا يعقل رفعًا لثقة المسلمين عن دينهم، ورمي الصادق الأمين بالكذب.
[ ١٦٠ ]
فكانت القاعدة أن ما ثبت صحيحًا عنه - ﷺ - وجب تلقيه بالقبول والإذعان، فكل ما حدث له إذًا - ﷺ - إلى أن لقي الله تعالى لا يخرج عن أمر الله وقدرته وحكمته ورحمته إلى آخر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، مما يعد التشكيك فيه أو الرد له، إنما هو رد لما هو آت عن الله جل وعلا وتشكيك فيه.
نعم تحتاج أمور الشريعة إلى مهرة في الكتاب والسنة ومقاصد الشرع ليكون زمام العلم والفهم والتوجيه والإرشاد بأيديهم بعيدًا عن عبث العابثين والأدعياء الجاهلين ليظهروا نور الشريعة المشرق وبعدها عن أي اضطراب وتناقض.
نستكمل نظر بقية آيات قصة عيسى - ﵇ - إجلاء لبعض العبر التالية لما ذكرنا، بقول الحق تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي ﴾.
إن مناداة هذا المولود لأمه لحظة ولادته بما يثبت قلبها، ويذهب حزنها، ويقويها على ما ستواجه من قومها في شرفها وسمعتها، أليس هذا إرهاصًا بأن لهذا المولود شأنًا، يواجه به الدنيا، مستندًا لخالقه، هذا المولود الذي ليس لها فيه أي اختيار إلا البكاء لمنع مجيئه، وإلا كونها المبتلاة بحمله ليس إلا، والتي تتمنى من كل قلبها حال المخاض أن تموت ولا تراه.
أي عقل يدعي عدم إرهاص ذلك الأمر، وأنه إيذان بحدث جليل يملأ الدنيا ويكون علامة من علاماتها البارزة والشاغلة إلى يوم القيامة، إن الآيات تصحبنا مع المولود ليواصل كلامه لأمه بأنه سيتصدى هو لما يعترضها من متوقع المحن، وسيتكفل بالتوضيح والشرح والرد، إظهارًا لمن هو، ليس دفاعًا عن أمه، كأنها لا تحتاج إلى دفع ومناقشة، وإنما تصوم هي عن الكلام لينطق هو، تعرض هي عن من يقابلها من القوم ويتصدر هو، ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا
[ ١٦١ ]
كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ ، ونلتقط كلامه من آخره، إذ لم يبرئ أمه من شيء، بل كان قوله وبرًا بوالدتي يحمل أعظم معاني التبرئة فإذا به لم يشر إلى براءة أمه مع التقديس لها، والرحمة بها، إن هذا المعجز في كل شيء بار بوالدته، وهذا دليل براءتها، إذا لو كانت متهمة لنطق بإتهامها كما نطق في غيره، لأن الملهم والحامل والقاضي له بذلك هو الله ليس من نفسه أن يتكلم بما شاء، بل بما أراد الله ﷾ أن يجريه على لسانه، لأن الله ما يقول إلا الحق وما يسكت عن باطل فضلًا عن أن يقره، أو يقف بجواره، إن ما أجري على لسانه وبدنه وحاله وقلبه هو فعل الله ومراده إلى أن رفعه إليه، إنه ما كان يتكلم أو يفعل إلا ما يمليه عليه ربه، ما ينطق عن هوى، ودليله أنه ما كان ليتكلم حين تكلم في المهد إلا بكلام الله، فلما صار نبيًا هل كان يتكلم أو يمر أو يجري على قلبه ولسانه غير مراد الله؟ لا يمكن، وما كان.
تلك حال النبي - ﷺ - من باب الأولى إنه جاء ليبلغ كلمة الله تعالى، فما كان ليقول غيرها، وما كانت عناية الله إلا أن ترعاه، صبيًا وليدًا تدل عليه، وتشير إليه، وشابًا كهلًا، ورسولًا نبيًا إلى أن يلقى ربه، ليس له من نفسه، ولا من كلامه وفعله حظ أو نصيب؛ إذ كل ذلك توجيه الله سبحانه له، لذا يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠].
فمفتاح شخصية الرسول إذًا أنه يقول عن الله ويجاهد لتتحقق كلمة الله، ويأخذ أهبته، ويستعد بكل سبب من الأسباب المشروعة للتبليغ عن الله لا يبالي بشيء ولا يروعه شيء ولا يوقفه شيء، لأن مصدر كل ذلك هو الله جل وعلا، فلا يمكن أن يزيد على قوله أو ينقص أو يخفي، أو أن يعصي في شيء، نحن نؤمن به إذًا لأنه مصطفى من الله تعالى الاصطفاء الذي يرهص له، ويلازمه، ولأن كلمة الله هي المقولة على لسانه.
[ ١٦٢ ]
وذلك ما قاله عيسى - ﵇ - في المهد. إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا. ومن ثم صح أن إتباع النبي - ﷺ - إتباع لله، وبيعته بيعة لله، وطاعته طاعة لله، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، إن مفتاح شخصيته هو النبوة التي ثبتت له بلا مرية ولا شك وكل شيء يقع منه يفسر بحساب النبوة، لا بتدابير البشر وحدها، وإلا ما الفارق بين من يوحى إليه وهو مرتبط بأمر السماء، وبين سائر البشر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].
فإذا صح عندنا بالواقع والعقل وغيرهما أنه نبي تغيرت الحسابات، وتبدلت الموازين، وصرنا إلى حال جديد، وسرنا في طريق آخر له قيمه وأخلاقه واعتقاداته ومعاملاته وبدأنا في دفع ضريبة هذا التمسك بذلك الطريق.
إذا نظرنا إلى كلمات أخرى تفسر النبوة في قصة عيسى - ﵇ - رأيناه يقول: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وهو يجلي هذه البركة التي سمعنا عنها في سيرة النبي - ﷺ - ويصدقها، إن قصة رضاعه في ديار بني بكر وما حدث بمجيئه من خصب بعد الجدب، وري بعد الظمأ، وشبع بعد الجوع، وطيب عيش بعد اللأواء والجهد حتى كان البدو يقولون لأولادهم ارعوا في المكان الذي ترعى فيه حليمة، من عظم ما رأوا من البركة، ليدلنا على كلمات الله التي نطق بها عيسى - ﵇ -، وتحققت في موصولي الأرض بالسماء من أنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد - ﷺ -.
إن حلول بركته - ﷺ - التي ينفي لها "وات" وأمثاله القصة من أولها أو يشكك فيها ليس إلا لنفي النبوة، ومع ذلك فقد صرحت بها كلمات الله التي فاه بها عيسى - ﵇ - عن الله جل وعلا في المهد بما لا يمكن تكذيبه أو دفعه أو تأويله.
[ ١٦٣ ]
ومن ثم إذا صادفنا شيء صحيح من ذلك في سيرته - وهو كثير - فدليل صدقه موجود في قصة عيسى - ﵇ -، وأصل وجوده عمن بيده ملكوت كل شيء سبحانه، ولا يكبر عليه شيء.
وتواصل الآيات حديثها بهذا القول الجامع: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣]
إنَّ أهم اللحظات التي تمر على المرء هي لحظة ولادته، ولحظة موته، ولحظة بعثه فإن وفق ونجا ختمت له بخاتمة السعادة في الآخرة، وكان في دنياه على رعاية الله وحفظه وعنايته، فما أحرى الأنبياء أن يحوزوا في ذلك الدرجة الأعلى، ومن ثم كان قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخره تنويه بكرامته عند الله، أجراه الله على لسانه ليعلموا أنه محل العناية من ربه وجيء بالسلام معرفًا باللام على الجنس مبالغة في تعلق السلام به، حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه.
وإن كان يجوز جعل اللام للعهد أي سلام إليه، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته، ومن هذا القبيل السلام على رسول الله - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ومؤذن كلامه بالتعريض بما سيقوله اليهود طعنًا فيه وشتمًا له في أحواله الثلاثة إذ قالوا: ولد من زنا، وقالوا: مات مصلوبًا، وقالوا: يحشر مع الملاحدة والكفرة لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة. (١)
نكتفي من قصة عيسى - ﵇ - بهذا المقدار الذي يبين قضية النبوة والاصطفاء، وعناية الله تعالى ورعايته لمن يجتبيهم، وإظهار الإرهاصات بين يدي مجيئهم إلى الدنيا، وتجلى كلام
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، (١٠١/ ١٦)، دار سحنون للنشر والتوزيع، تونس.
[ ١٦٤ ]
الله تعالى على لسانهم وأفعالهم، وإلى آخر ما ذكرنا لنعود إلى سيرة النبي - ﷺ - نوضح جوانبها على المنهج الذي أخذنا به أنفسنا في تلك الرسالة.
[ ١٦٥ ]