المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
وننتقل مسرعين إلى: هذا الأساس الذي وضعه رسول الله - ﷺ -، عند وصوله إلى المدينة المنورة، بعد الهجرة مباشرة، لبناء المجتمع الإسلامي، وما كان ذلك إلا بتوفيق الله تعالى ورحمته.
وقد كان ذلك لقدوم المهاجرين من مكة إلى المدينة لايملكون شيئًا، تركوا أموالهم، وأولادهم وأرضهم وديارهم، نصرة لله ولرسوله - ﷺ - ولدينه، ولم يكونوا أهل زراعة، ومع ذلك أعطاهم الأنصارُ، - الذين هم أهل الأرض والعقار - الأرضَ، ليعملوا فيها بنصف ثمارها، ومنهم من أعطيت له منيحة محضة، واستغنوا عنها لما فتح الله عليهم خيبر (١).
وقد رد النبي - ﷺ -، - نفسُه - ما أعطوه من نخل عندما فتحت عليه قريظة والنضير (٢).
وكان ذلك دليل إيثارهم المهاجرين على أنفسهم، حتى وصل بهم الإيثار إلى أن قالوا للرسول - ﷺ -: «إن شئت فخذ منا منازلنا». فقال لهم خيرًا، وابتنى لأصحابه في أرض وهبتها لهم الأنصار، وفي أراض ليست ملكًا لأحد (٣).
_________________
(١) انظر النووى، شرح مسلم (١٣٦٥) كتاب الجهاد والسير باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم.
(٢) السابق نفس الباب. وانظر د. مهدى رزق الله، السيرة النبوية، (٣٠٠ - ٣٠١).
(٣) د. مهدي رزق، السيرة النبوية، (٣٠١)، ونسبه للبلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٢٧٠).
[ ٣٩١ ]
ولم تكتف الأنصار بذلك، بل بذلوا - طيعة - أنفسهم أموالهم للمهاجرين، فقالوا للرسول - ﷺ -: «اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل». قال: «لا» فقالوا «تكفوننا المؤونة ونشرككم في الثمر»، قالوا: «سمعنا وأطعنا» (١). وهذا منه - ﷺ - دفع للمهاجرين لاستكمال أجرهم وثوابهم، وألا يكونوا عالة يثقلون كواهل إخوانهم، ولئلا يظنوا بهجرتهم، وتركهم كلَ شيء، أنهم قد صار لهم الحق والعذر في أن يجلسوا ويستريحوا شيئًا ما، من عناء ما قاسوا، ولكنه كان - ﷺ - يُعِدّهم لإتمام جهادهم، والثبات على مبادئ البذل والتضحية، ومواصلة مسيرة الهداية، متقدمين فيها الصفوف.
ومن التطبيقات العملية، قصة عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، حيث آخى رسول الله - ﷺ - بينه وبين سعد بن الربيع - ﵁ -، فقال له سعد: «إني أكثر الأنصار مالًا، فأقسمُ لك نصفَ مالي، وانظرْ أيَ زوجتيَّ هويتَ، نزلت لك عنها، فإذا حَلَّتْ تزوجْتَها، فقال له عبد الرحمن: «لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟ فَدُلَّ على سوق بنى قينقاع إلى آخر الحديث، حيث تمكن من الزواج، ودَفْعِ المهر، وقال له الرسول - ﷺ -: «أَوْلِمْ ولو بشاة» (٢). ولم يكن سعد بن الربيع - ﵁ - منفردًا عن غيره من الأنصار، فيما عرضه على أخيه، كما يُظَنُّ، فقد طلبوا - كما أشرنا آنفًا - من النبي - ﷺ - أن يقاسموهم كل شيء، وأن يعطوهم منازلهم، فهو إذًا شأن الصحابة عامة في علاقتهم، وتعاونهم، مع بعضهم البعض، بعد الهجرة خاصةً، وبعد أن آخى النبي - ﷺ - فيما بينهم (٣).
وعلى الرغم من هذا الإيثار، فقد أراد الرسول - ﷺ - أن يوجد تشريعًا يعالج للمهاجرين أوضاعهم الاقتصادية، فكان أن شرع نظام المؤاخاة في السنة الأولى من الهجرة، حيث آخى
_________________
(١) البخاري (٢٣٢٥).
(٢) البخاري، فتح الباري (٢٠٤٨).
(٣) انظر د. البوطى، فقة السيرة، (١٥٨).
[ ٣٩٢ ]
بين المهاجرين والأنصار على الحق والمواساة، والتوارث بعد الممات دون ذوى الأرحام (١).
وروى أنس بن مالك - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - حالف بين قريش والأنصار في داره (٢).
وروى البعض أن المؤاخاة كانت في المسجد (٣).
ومن الجدير بالذكر أن موضوع المؤاخاة قد تم مرتين، مرة في مكة، والأخرى بعد الهجرة إلى المدينة، كما ذكره ابن عبد البر في سيرته (٤).
وذكر ابن حجر، أن من أغراض المؤاخاة، أن بعض المهاجرين كان أقوى من بعض، بالمال والعشيرة والقوى، فآخى بين الأعلى والأدنى، ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، ومِثْلُ هذا مؤاخاته - ﷺ -، لعلى بن أبى طالب - ﵁ -، لأنه هو الذى يقوم به من عهد الصبا، قبل البعثة، واستمر إلى ما بعدها، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة، لأن زيدًا مولاهم، فقد ثبتت أخوتهما وهما من المهاجرين (٥).
وقد آخى النبي - ﷺ - بين أصحابه بعد وصوله المدينة، ليذهب عنهم وحشة الغربة، ويستأنسوا من مفارقة الأهل والعشيرة، ويشد بعضهم أزر بعض، فلما عز الإسلام، واجتمع الشمل وزالت الوحشة، واستطاعوا أن يقوموا بحياتهم وعيشهم، أبطل الله التوارث بالمؤاخاة، وأبقى أخوة الإيمان كما قال تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ
_________________
(١) البخاري، فتح الباري (٤٥٨٠)، وكذا تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٥).
(٢) البخاري، فتح الباري (٢٢٩٤)، ومسلم (٢٥٢٩)، وذكره ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٤٥)، وابن سعد، الطبقات، (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩).
(٣) لا تعارض بين القولين، كما ذكر شارح البخاري، الفتح (١٥/ ١٣٠). لأن المؤخاة لم تتم مرة واحدة، بل حسب من يدخل في الإسلام، أو يقدم المدينة، وما في الصحيح يقدم على غيره، حيث ذكر مسلم أن ابتداء المؤخاة كان في دار أنس بن مالك - ﵁ -.
(٤) ابن عبد البر، الدرر في اختصار المغازى والسير، (١٠٠)، تحقيق د. شوقى ضيف القاهرة سنة ١٣٨٦هـ - ١٩٦٦ م.
(٥) ابن حجر، الفتح (١٥/ ١٢٩).
[ ٣٩٣ ]
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾ [الأنفال: ٧٥].
وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب: ٦]. ومن ثَمَّ أُلْغِىَ ذلك بعد بدر أو بعد الأحزاب أو أحد (١).
وقد ذكر ابن عباس - ﵄ - أن ما ألغاه الإسلام من نظام المؤاخاة هو الإرث فقط، أما النصر والرفادة والنصيحة، وأن يوصى لبعض المتآخين بشئ من الميراث فكل ذلك باق (٢)؛ بدليل مؤاخاته - ﷺ - بين سلمان الفارسى وأبى الدرداء وغيرهما - ﵃ -، وسلمان إنما أسلم بعد أحد وقبل الخندق.
وأما حكمة نسخ التوارث - علاوة على ما ذكرنا - أن الروح الإسلامية غدت العصب الطبيعي للمجتمع الإسلامي، في ظل الأخوة الإسلامية العامة، وما يترتب عليها من مسؤليات مختلفة، فلا يخشى على هذا النظام من التقصير أو التمييع أو التفكك، فلا غرو ولا ضرر في أن تعود قرابة الرحم كما كانت؛ وإن أصبح ذلك أثرًا بعد عين، فقد ذهبت هذه القضية مع ما ذهب من كثير من أخلاق، ومحاسن، وآداب الإسلام، التي كانت السبب في ثباته وبقائه، وكانت سر حيويته وقوته، وانتشاره وعدالته، وسر علو المسلمين وحضارتهم.
مما سبق، يتضح لنا أن وحدة الأمة، وتساندها، لا يمكن أن يتم، إلا بعامل التآخى والمحبة، فتنهض حينئذ هذه الأمة، وتأخذ في أسباب الرقى والتقدم، لأن أي أمة لايجمعها هذا العامل لايمكن أن تتحد حول مبدأ ما، وما لم يكن الاتحاد حقيقة قائمة فلايمكن أن تتألف منها دولة.
_________________
(١) د. أكرم العمرى، المجتمع المدنى، ص ٧٨، ونقله عن لباب النقول، ص ٢٦٠، والشوكاني، فتح القدير، (٢/ ٣٣٠ - ٣٣١).
(٢) البخاري (٤٥٨٠)، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣].
[ ٣٩٤ ]
إن التآخي لابد أن يكون مسبوقًا بعقيدة يتم الالتقاء حولها والإيمان بها، لأن التآخى بين مختلفى العقيدة وَهْمٌ، خاصة عندما تحمل العقيدة أصحابها على أنماط وطرائق وسلوك في الحياة يميزها عن غيرها.
ومن ثم قدم النبي - ﷺ - العقيدة، التي جاءت من عند الله تعالى، لتقوم أخوة المؤمنين على ما التقت أفئدتهم عليه، بتلك العقيدة، وفي سبيلها يموتون ويستشهدون، فيقفوا بذلك جميعًا، صفًا واحدًا، أمام الله تعالى، عبودية له، واظهارًا للخشوع عنده، والالتزام بتعاليمه، لا اعتبار بينهم لغير التقوى.
إن قيام مبدأ التعاون والتناصر، يطبق ميزان العدل والمساواة، وإن المجتمع السليم، هو الذي يقوم على أساسٍ من العدالة، في الاستفادة من أسباب الحياة والرزق، وإن أول من يضمن سلامة هذه العدالة، وتطبيقها، هو التآخي والتواد، ثم تليها ضمانة السلطة والقانون، فإذا لم تتحقق تلك المباديء، حل محلها الأحقاد والضغائن، بين أفراد المجتمع، والتى تنبيء عن الظلم والطغيان، المؤدى إلى الفتن والضعف والزوال.
من أجل ذلك اتخذ رسول الله - ﷺ -، - بأمر الله تعالى - من هذا التآخى بين المهاجرين والأنصار، أساسًا لأعظم نظام إجتماعى في العالم، ثم تدرجت هذه المباديء إلى شكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكن أساسها الأول، الذي لولاه ما قام هذا المجتمع، هو تلك الأخوة العظيمة، المؤسسة على عقيدة الإسلام الخالد، لما كان لها من أعظم الأثر الإيجابي والتطبيقي المستمر في شد أزر المجتمع، وتثبت دعائمه وأركانه (١)؛ ويوم أن أحس الناس بفقد ذلك الميزان للعدالة، وضعفت مقومات الأخوة، بدأ التفكك يأخذ في أركان المجتمع الإسلامي، إثر تلك الموجات الساخطة التى بدأت تهل على دولة الإسلام.
_________________
(١) انظر: د. البوطي، فقه السيرة، ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٣٩٥ ]
النظرة القرآنية لسيرة مبدأ الأخوة في الإسلام:
ونذكر بعض الآيات القرآنية الكريمة، تبين موضوع الأخوة، وما ينبغى أن نستفيده منها؛ - على سبيل الاختصار، حيث أبرز القرآن الكريم جوانبه كافة، وشَرْحُ ذلك كله يخرج بنا عن حد المقصود -، وهذا ما اخترناه من الآيات الكريمات:
- قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾ [الحجر: ٤٧ وهي مكية].
- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
[البقرة: ١٧٨].
- قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
- قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الحشر: ٨].قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا﴾ [الحشر: ١٠].
- قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
- قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].
[ ٣٩٦ ]
- قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].
- قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃﴾ [التوبة: ١٠٠].
ونظرة إجمالية على هذه الآيات الكريمات، مع مراعاة الترتيب الزمنى للنزول، نراها تبين، وتؤكد المعاني التالية:
١ - إن ما يجمع المؤمنين، ويربط بينهم، ويُوجِدُ تلك الحقوق لكل أحد، هو الإيمان بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا، لا شيء غير ذلك، وعظم ذلك بأسلوب القصر، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، وهذه العقيدة والأخوة الإيمانية أظهرت الآيات بها دلائل في غاية الأهمية.
أولها: أن تلك الأخوة، وهذا التآلف، الذي لم يحدث في تاريخ البشرية، نعمة محضة من الله تعالى، لم يستطع أحد، ولن يستطيع أن يوجدها، فضلًا عن أن يضعها في القلوب، لذا قال جل وعلا: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. بل أكثر من ذلك شأنًا، ما ذكرته الآية الأخرى، وهو أن هذه الأخوة، بزغت وأشرقت، من جوف ليل العداء الدامس، حيث يقول سبحانه: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ثم بَيَّن الصورة المقابلة وجلاها، فنفى الولاية بين المؤمنين وبين غيرهم، حتى لو كانوا آباءهم أو إخوانهم، ليؤكد - بما لا يتطرق إليه الاحتمال - أن الأخوة توجد حيث يوجد الإيمان، فقال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣].
[ ٣٩٧ ]
ثانيها: أن هذه الأخوة - بالتالي - لا تحدها أرض، ولا يقيدها زمن، بل كل مؤمن أخٌ لبقية المؤمنين في سائر بقاع الأرض، وأخٌ لمن كان يترضى عليه، ويدعو له، وأخٌ لمن يكون كذلك، وقد رأينا انجذاب المؤمنين، لمن كان من السالفين منهم، ومحبتهم لهم بغير صحبة، ولا رؤية، وهذا يؤكد ما ذكرناه من عالمية دعوة الإسلام، وشمولها، بما لا يدع ذرةً لتَشَكُّكٍ، أو مجالًا لريب، أو ثغرةً لمستشرق، إلا ثغرات الهوى، وعدم الحياد والإنصاف، والإعراض عن العلم وقواعده، فيما يتعلق بالإسلام وتعاليمه.
وجاء في سياق ذلك، الآية التي تمهد الطريق لكل أحد، لكي يكون أخًا للمؤمنين، في بقاع الدنيا كافة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]. ولايعقل أن يكون ذلك للعرب خاصة، فإن أي تائب من الشرك، أقام الصلاة وأدى الزكاة، تشرف وتمتع بإخوة الدين، لا يقف أمامه عائق من وطن، ولا زمن، وهذا يدل على أن كل كافر - في أي بقعة من المشرق - إذا أسلم، صار أخًا لكل مسلم - في مغارب الكون وأقاصيه شمالًا وجنوبًا -.
ثالثها: بينت الآيات الكريمات - في جملة ما بينت -، المساواة والعدل كمظهر تام الوضوح، لتلك الإخوة في الحقوق والواجبات، لافرق في ذلك بين جليل وحقير، ولا ذكر وأنثى، ولا أحمر وأسود، ولا حر وعبد، كلهم تجمعهم أخوة الإيمان والمحبة والتآلف؛ والتفاضل بينهم إلا بالتقوى، «لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى» (١)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
وقد ذكرت تلك الآية الكريمة، - التي أوردنا في صدر الكلام - صورة حية لهذه الأخوة، - التي وصى الله تعالى بها، بسبب الإيمان -، لأولئك الذين لاحقوق لهم في عالم
_________________
(١) رواه أحمد (٢٢٣٩١).
[ ٣٩٨ ]
اليوم إلا الملاجيء، ودور الفشل، التي تساعد في إخراج طفل لا قيمة له، وهي قوله تعالى - عندما أُلغى في الإسلام عادة التبني -: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. وهو تشريع، يوجب لغير معلومى الآباء - فما بال الباحث بمن علم أبوه وفُقِد - يوجب لهم هذه الحقوق المترتبة على أخوة الإيمان، التى شرعها لهم، كما شرعها لأعلى منهم منزلة اجتماعية أو مادية.
وهذا أعلى تشريع وصل إليه العالم، وهو تشريع لم يصل إليه مُشَرِّعُو حقوق الإنسان، والحقوق المدنية وغيرها، وإن كتبوا مثله حقوقًا، فإن الواقع ناضح بممارسات فاضحة في هذا المجال، لا حصر لها! لا تخطئُها الأعين، بل هي صارخة، فاقئة لكل الأعين، صاخة لكل الأسماع، تهز الوجدان والضمائر الحية، وتدميها، لم تكن في تشريع الإسلام ولا تطبيقه.
ونواصل تلك السيرة، لذلك الصرح الإيماني، الذي رعاه القرآن الكريم، وطبقه
النبي - ﷺ -، وأصحابه، وعليه، وبه ارتفعت راية الإسلام، حيث التضحية، والبذل، ومحبة كل أحد لأخيه ما يحب لنفسه، بل إيثاره عليها.
نعود إلى النظرة الإجمالية، فنشير إلى سيرة الحقوق، - التي أخذت سنين - تنزيلًا وتطبيقًا، مع آيات قليلة، انتخبناها وافية بالغرض؛ لأنها تدل على ما وراءها:
٢ - إن الحقوق التى شرعها الإسلام للمسلمين، بإخوة الدين، تدرجت من حفظ الحقوق التي لا تنازل عنها، في الدم والعرض والمال، وصولًا إلى البذل والإيثار، الذي يقدم فيه المؤمن أخاه على نفسه، بدءًا بعدم التحقير لأي معروف يبذله لإخوانه، ولو كان في نهاية القلة (١)، مرورًا بتفريج الكربات، والتيسير للمصائب العسيرات، وستر العورات، والمساندة والمواساة في السراء والضراء.
_________________
(١) شيء من الأحاديث التى تدل على ذلك. قوله - ﷺ -: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق» رواه مسلم (٢٦٢٦).
[ ٣٩٩ ]
وتسعفنا الآيات، في الحقوق الأولى بذكر أدناها، تشديدًا على أعلاها، ونذكر في ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
وقد جاء قبلها عدم السخرية، أو سوء الظن به، أو التجسس عليه، مع ترك التفاخر والتنابز بالالقاب، وبالتالي، ما يكون أكثر من ذلك في عرضه فهو حرام، وكذلك ماله ودمه، قال - ﷺ - توضيحًا لذلك: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه» (١).
فما بالك بأزيد من ذلك، بل ما الظن بضربه وسفك دمه! ومع ذلك ذكر القرآن الكريم، أنه يمكن أن يحدث ما يعكر صفو هذه الأخوة، بل يجرحها، وإن أعظم الجروح لها هو القتل، ومع ذلك - حتى إن وقع خطأ - لا ينفى الأخوة ولا يهدمها، بل أبقاها الشارع، وندب معها إلى العفو والإحسان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولاشك أن الأخوة المذكورة هي أخوة الإيمان، اشارة للإحسان، والفضل، والمعروف.
وكذلك أمر أمرًا قويًا، بألا نترك الخصومات، لتقوض جوانب الأخوة، ولم يتركها حتى جعلها تشريعًا، لا يجوز التفريط فيه، أو التغافل عنه، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠]. وهنا نستشعر هذا المعنى، وهذا الموقع الجليل للصلح، وهو أنه إذا قام المؤمنون المهتمون بأمر إقامة هذا الدين، من الأئمة والعلماء، وأهل الفضل، في فض كل خصام، وإحلال الصلح محل البغضاء، والفرقة، والشحناء، والتدابر، والتربص، وغيرها، وأزيد منها، من أمور السوء بين المسلمين؛ فليتصور المرء حينئذ، قوة
_________________
(١) رواه البخاري (٦٢٨٨)، ومسلم (٢١٨٤).
[ ٤٠٠ ]
هذا المجتمع وصفاءه، وتراص أفراده جميعًا على كلمة سواء، توحد صفهم، وتقوي بنيانهم، وتجعلهم كالجسد الواحد، والبنيان المرصوص، يستطيع أن يبني نهضته، وأن يرفع رايته، وأن يصمد لأعدائه، وأن يواصل سيرته شامخًا مستعصيًا، على كل عوامل الهدم والفناء.
قال تعالى أيضًا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١]. فجعل الإيمان ملهبًا لهم، للمسارعة إلى ذلك؛ إذ هو من أهم مميزات الإيمان وعلاماته، وجعله كذلك محور اهتمام المؤمنين جميعًا، عندما أورد الخطاب بصيغة الجمع: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١].
ونصل إلى الصورة التى جَلَّى القرآن الكريم جوانبها لكل المؤمنين، إلى قيام الساعة، وهي صورة المؤمنين أنفسهم، وارتباطهم، فقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ٨ - ١٠].
ذكر صاحب الظلال، في الصور الثلاث، التي أبرزت فيها الآيات الملامح المميزة للمهاجرين والأنصار، والذين جاءوا من بعدهم، ما أبرز خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان.
الصورة الأولى: هي صورة صادقة، تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين، أخرجوا إخراجًا من ديارهم وأموالهم، أكرههم على الخروج الأذى، والاضطهاد، والتنكر من قرابتهم وعشيرتهم، في مكة، لا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله، وقد خرجوا تاركين
[ ٤٠١ ]
ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا، لا ملجأ لهم سواه، ومع أنهم مطاردون قليلون، كان خروجهم نصرة لله ولرسوله، بقلوبهم وسيوفهم، في أحرج الساعات وأضيق الأوقات ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ الذين قالوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وصدقوها بعملهم، فكان الصدق مقصورًا عليهم، بضمير الفصل مع علو المكانة، بالإشارة البعيدة إليهم؛ فهم صادقون مع الله في أنهم اختاروه، وصادقون مع رسوله - ﷺ - في أنهم اتبعوه، صادقون مع الحق في أنهم كانوا صورة منه تدب على الأرض، ويراها الناس.
والصورة الثانية: لأولئك الأنصار الذين تبوأوا الدار والإيمان، كذلك صورة مضيئة، صادقة، تفردت بصفات بلغت الآفاق؛ ولولا أنها وقعت بالفعل لحسبها الناس أحلامًا طائرة، ورؤى مجنحة، وأمثلة عليا، قد صاغها خيال مخلق.
وقد تبوأوا الدار - دار الهجرة، المدينة - قبل المهاجرين، وتبوأوا الإيمان فيها، كأنه منزل لهم؛ وكلمة دار هي أقرب ما تصور موقف الأنصار من الإيمان، أي: لقد كان دارهم ووطنهم، الذي تعيش فيه قلوبهم، وتسكن إليه أرواحهم.
وإن محبتهم للمهاجرين عند استقبالهم لهم، بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، - لم تعرف البشرية كلها حادثًا مثله -؛ ولم يروا أو يحسوا بموجدة في صدورهم، على أولئك المهاجرين الذين قاسموهم كل شيء، من تفضيل في بعض المواضع، أو مال يختصون به في فيء، فلم يكن في نفوسهم أدنى حسد أو ضيق، بل الإيثار على النفس مع الحاجة، هي القمة العليا التى بلغها الأنصار، وكانوا كذلك في كل مرة، وفي كل حالة، بصورة خارقة لمألوف البشر، مع التوقى من الشح المعوق عن كل خير، لأن الخير بذل في صورة من الصور، بذل في المال، وبذل في العاطفة، وبذل في الجهد، وبذل في الحياة عند الاقتضاء، لا يمكن لشحيح أن يصنع خيرًا، فهو يهم كل مرة بالأخذ، ولا يهم مرة بالعطاء، فإذا كان المسلم معطيًا، باذلًا، كريمًا، فهذا هو الفلاح.
[ ٤٠٢ ]
ونصل إلى الصورة الثالثة، التي بينت هذه السيرة المترابطة للمؤمنين، من يوم أن جاء الإسلام إلى نهاية الدنيا، وكان الأولون من أصحاب النبي - ﷺ - وتابعيهم بإحسان، المثل المدهش لها، وهي الصورة الرضية النظيفة الواعية، التى تبرز أهم ملامح التابعين، بل تبرز أخص خصائص الأمة المسلمة على الإطلاق، في جميع الأوطان والأزمان، والتى وضحت لنا ألوهية هذه الدعوة وربانيتها، فهؤلاء القوم صنع الله، إذ لو كانوا تربية شخص فمن الذى ربى من بعدهم، وإذا كانت تعاليمه، فما الذي حملهم عليها، وربطهم بها، وأقام الوازع في نفوسهم من مخالفتها، ومن الذى جعل الأول والآخر والقريب والبعيد على نفس النهج.
هؤلاء الذين جاءوا من بعد المهاجرين والأنصار، سمة نفوسهم أنها تتوجه لربها طلبًا للمغفرة، لا لنفسها فقط، بل لكل من سبقها بالإيمان، وتتوجه لربها كذلك بطلب براءة القلب من الغل للذين آمنوا كافة.
تتجلى إذن من وراء تلك النصوص، طبيعة هذه الأمة، وصورتها الوضيئة، في هذه الحياة، وتظهر الآصرة الوثيقة، التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها، في تضامن وتكافل وود وتعاطف، بل بشعور بوشيجة القربى العميقة، التى تتخطى الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب، ليذكر المؤمن بالحب أخاه، بعد هذه القرون المتطاولة، في إعزاز وكرامة وشوق، كذكره الحي أو أشد (١).
إنها كتيبة واحدة على مدار الزمان، واختلاف الأوطان، تحت راية الله تغذ السير صعدًا إلى الأفق الكريم.
تلك صورة الأخوة كما ذكرها القرآن، وبين فيها القول، وفصل وأبدى وأوضح،
_________________
(١) انظر سيد قطب، في ظلال القرآن (٦/ ٣٥٢٦ - ٣٥٢٧)، باختصار.
[ ٤٠٣ ]
لتكون السيرة المنيرة، التى وضحها الرسول - ﷺ -، قولًا وتطبيقًا. لتأتى الآية الأخيرة، في ترتيب تلك الآيات الكريمات، - التي انتخبناها دليلًا ونبراسًا لسيرة الأخوة في القرآن الكريم - وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
لتبين عظيم عاقبتهم، وحسن جزائهم، الذى أعده الله لهم، جراء ما قدموا مجتمعين إلى يوم القيامة صفًا واحدًا، إنه أعظم الجزاء وأجله، رضا الله عنهم، ومجاورتهم له في جنته - ﷾ - خالدين فيها أبدًا، وهو الجزاء الحامل على المسارعة إلى تحقيق هذه الأخوة، وملازمتها في كل زمان ومكان.
٣ - ونعود إلى ثالث الملاحظات، على آيات الأخوة وسيرتها القرآنية، وهي ملحوظة لابد منها في الدراسة القرآنية، وهي أن كل هذه الآيات مدنية، ولم تأت آية واحدة مكية، تشير إلى لزوم الأخوة، أو توصى وتأمر بها، ولاشك أن لها أسبابًا، وفي ظن الباحث، أن ما توصل إليه من أسباب - إذ لم تذكر أيٌ من المصادر التي اطلع عليها شيئًا من ذلك - تتلخص فيما يلى:
- أن أي أقلية توجد في مكان، يربط بينها رباط العقيدة، أو الجنس، أو غيرها، تستشعر فيما بينها التآلف والمواساة، والقيام بمساعدة بعضهم بعضًا، خاصة عند استشعار الخوف من وقوع مكروه لهم، يهدد حياتهم، أو أموالهم، أو غير ذلك، فيبذلون فيما بينهم ما يدفعون به أي خطر يتهددهم، ويتحدون أمام أي عدو يحاول استباحتهم، ويصير حينئذ ولاؤهم المتضح في التناصر والمعونة لمجموعتهم أو جماعتهم، بل إنهم يمكن أن يتعاهدوا على الموت جميعًا، في سبيل الذود عن بقائهم، وحماية أرواحهم، وأولادهم، وأموالهم.
[ ٤٠٤ ]
ولذلك رأينا الصحابة الأولين في مكة، لا ينقصهم التكافل والتراحم والمحبة والمودة، وإن كانوا لا يستطيعون في أحوال كثيرة أن يوقفوا، أو أن يقفوا أمام طوفان الظلم، الذي يغشى معظمهم، ومع ذلك لا ينفكون عن مواساة إخوانهم، وجدانيًا، وأن يشاركوهم الشعور بما هم فيه؛ إذ لم يتمكنوا أن يدفعوا عنهم شيئًا.
إن المحنة التى حصرتهم، لاشك جمعتهم في خندق واحد، يدفع كل عن إخوانه، كما يدفع عن نفسه، ويقف فيه عاري الصدر، محتملًا الأذى في سبيل بقاء هذه الجماعة المؤمنة، التي تعبد الله تعالى، حفاظًا على الدعوة، وتضحية بالنفس فما دونها، رخيصًا في سبيل دينه، ينتظر موعود الله بالنصر أو الشهادة، خاصة عندما باشر الإيمان شغاف قلوبهم.
- إن وجود القائد - ﷺ - يشاركهم، ويقاسمهم ذلك كله، وفي نفس الوقت يبث في قلوبهم ونفوسهم روح الإيمان، كان له أعظم الأثر في التحامهم وتوادهم وتراحمهم وتعاطفهم. خاصة عندما يكون - ﷺ - القائم بالمواساة، والتعاطف، مع الضعيف الفقير قبل القوى المليء.
فكان واقعهم كفيلًا بقيام تلك الصورة الفريدة، من صور الأخوة والمحبة، لذا لم يكن ثَمَّ تشريع قرآني بها، إذ يكفى فيها واقع السنة العملى، فلما هاجروا إلى المدينة، ودخل في الإسلام من لم يعايشوا تلك المرحلة، ويتحملوا مشاقها، نزلت التشريعات والوصايا، تأمر بذلك وتبشر به، وإن كانت النواة القدوة قد تعمقت جذورها، وقويت ساقها، مثالًا حيًا وواقعًا حقيقيًا، سرعان ما يدور في فلكه، الآتي الغريب، عن هذا العلو السامق، ليكون أحد لبناته التى تقوى البنيان، وتشد من أزره: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
[ ٤٠٥ ]