حفظ الله تعالى لنبيه ﷺ قبل البعثة
إن رجوعًا إلى حادث شق الصدر، وما سبقه من إرهاصات عند مولده - ﷺ - وما تبعه من وقائع خارجة عن العادة حدثت للنبي - ﷺ -، خاصة في سفره إلى الشام ليدل دلالة قاطعة على عناية الله به، ورعايته إياه، وأنه كما قيل لموسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] فهو إذًا - ﷺ - يصنع على عين الله تعالى، لنفسه وما يريده له، وما يأمره به ويطلبه منه، ومن ثم كان منطقيًا أن نراه - ﷺ - محفوظًا عن رجس الجاهلية وأقوال الكفرة، وأفعالهم وصفاتهم، خاصة ما يكون منها متعلقًا بعبادتهم أو معبوداتهم، وكذلك مما يؤكد عليه في هذا المقام أنه كان معصوما قبل البعثة بما يشين بعد البعثة، وهذا يوافق العقل.
وعليه نشير إلى أمور وقعت له في سيرته المشرفة - ﷺ - نستدل بها ونعلق عليها تدل على هذه الصيانة من الله تعالى، وكيف أنه لم يصدر من المشركين مع شدة الأذى، وتلمسهم أي صغيرة ينفذون بها إلى شينه، لم يصدر منهم ما يعيرونه به، أو يلمزونه به، بل على العكس كان يحظى في تلك الأخلاق بكامل الاحترام قبل البعثة وبعدها، إلا ما كان منهم قبل إيمان من آمن من مجابهة الرسالة والرسول - ﷺ -.
من هذه الأمور التي عصم منها وهي تشير إلى ما وراءها، فنبدأ بها لذلك.
[ ٢٠٤ ]
الأمر الأول: وهو أن الله عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس، والسمر واللهو كما يلهو أمثاله في صباه أيام كان يرعى الغنم في مكة. (١)
الأمر الثاني: ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل عند نقله الحجارة مع عمه العباس عند تجديد قريش لبناء الكعبة، فقد اقترح عليه العباس - ﵁ - أن يرفع إزاره، ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة، مادام بعيدًا عن الناس فلما فعل خر مغشيًا عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره (٢) والعري لم يكن مستنكرًا إذ كان هناك من يطوف بالبيت عريانًا، وقد استمر ذلك حتى منعه النبي - ﷺ - بعد فتح مكة في حجة الصديق سنة تسع للهجرة، حيث أمر الصديق بإبلاغ الناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان (٣).
وقد علق شارح البخاري الحافظ بن حجر على هذا الحديث بقوله: "وفي الحديث أنه - ﷺ - كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها". (٤)
وبالنظر في الأمرين يتجلى بوضوح ما كان من تربية الله له، وبحفظه من تلك القبائح التي تُعد في نظر المعاصر لها من الأمور العادية، بل والناظر لها الآن، وهذا يدلنا على حفظه لما هو أكبر منها، فإذا كان محفوظًا في الصغير فمن باب الأولى أن يكون محفوظًا في الكبير.
_________________
(١) اختلف العلماء في تصحيح هذا الخبر، فصححه الحاكم في المستدرك (٢٥٤/ ٤)، والذهبي وغيرهما، وضعفه الإمام بن كثير في البداية والنهاية (٢٨٧/ ٢)، وكذا الشيخ الألباني في تخريجه لفقه السيرة لمحمد الغزالي (٧٢)، وقال الحافظ بن حجر: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٩/ ٩) رواه البزار وإسناده ثقات كما ذكر ذلك محققًا دلائل النبوة لأبي نعيم (١٨٦/ ١).
(٢) البخاري (٣٥١)، ومسلم (٥١٥) من حديث جابر ﵁.
(٣) البخاري (١٥١٧) ومسلم (٢٤٠١) عن أبى هريرة ﵁.
(٤) ابن حجر، "فتح الباري" (٤٧٥/ ١).
[ ٢٠٥ ]
فوجدنا مكانة النبي - ﷺ - الأدبية في المجتمع القرشي لا يدانيها مكانة سموًا وعلوًا تدل على ما وصل إليه توفيق الله له، وحفظ الله إياه، ومن ذلك اختلافهم في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة، إذ انتهوا بالرضا بتحكيم أول داخل من باب بني شيبة، فإذا هو رسول الله - ﷺ - فقالوا: «أتاكم الأمين» (١)، أما ما كان من عبادة قريش ووثنيتها، فكان يفيض عن عرفة في الحج، كما ذكره جبير بن مطعم حين رآه واقفًا بعرفة فقال: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا؟!! (٢)
علي حين تفيض الحمس، وهم قريش من مزدلفة، وكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم وبيوعهم ونكاحهم (٣) وهذا من توفيق الله له قبل البعثة أما أصنامهم فلم يمس صنمًا فضلًا عن الطواف به، أو السجود له والاعتكاف عنده، فيذكر مولاه زيد بن حارثة - ﵁ - أنه كان يطوف مع الرسول - ﷺ - أي قبل البعثة بالبيت العتيق، فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه رسول الله - ﷺ - عن ذلك، ثم عاد زيد لمسها ليتأكد من الأمر، فنهاه ثانية فانتهى حتى كانت البعثة، وقد حلف زيد بن حارثة بأن رسول الله - ﷺ - ما مس منها صنما حتى أكرمه الله بالوحي (٤). وكذلك ما كان يأكل ما ذبح على النصب، حيث التقى بزيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد الحنفاء الذين تركوا دين قريش بأسفل مكة، وقدمت للنبي - ﷺ - سفرة فخشي أن يكون مما ذبح على النصب فأبى أن يأكل، ولم يكن يعلم ذلك عن رسول الله - ﷺ -، وقد بين شراح الحديث أنه ما كان يأكل ما يذبح على النصب (٥)، وهذا قليل من كثير في سيرته وأخلاقه ومعاملاته قبل البعثة مما يبين الإعداد الإلهي له - ﷺ - لتحمل هذا العبء
_________________
(١) أحمد، "المسند" (٤٢٥/ ٣)، والحاكم، "المستدرك" (٤٥٨/ ٣).
(٢) البخاري (١٥٥٣)، ومسلم (٢١٤٢).
(٣) البيهقي، "دلائل النبوة" (٣٧/ ٢).
(٤) الطبراني، "المعجم الكبير" (٨٨/ ٥)، والبيهقي، "دلائل النبوة" (٣٤/ ٢) والحاكم في المستدرك وحسنه الذهبي في السيرة النبوية من تاريخ الإسلام راجع د. أكرم العمري، "السيرة النبوية الصحيحة" (١١٧/ ١).
(٥) صحيح البخاري (فتح الباري ١٤٢/ ٧، ٦٣٠/ ٩).
[ ٢٠٦ ]
الضخم من تبليغ رسالة الله تعالى، والقيام بمشاقها.
وكان منطقيًا كما رأينا أن تتم العناية به - ﷺ - والصيانة له على أحسن حال وأتم وجه، وكان متسقًا ومتوافقًا تمام الاتساق والتوافق في كل هذه الأخلاق الحسنة وغيرها مع الإرادة الربانية التي اختارته؛ إذ ما سمعنا عن مثل ذلك لغيره، لو كانت الأمور بالتدريب والمجاهدة ورياضات النفوس، أو بالثقافة التي يدعيها "وات" لكان لغيره خاصةً الحنفاء ومن تنصر كورقة اليد الطولى إذ كان يقرأ ويكتب من الكتاب العبراني ما شاء الله له، وعلى علم بحال قومه وزاد بعلمه بأحوال النصارى واليهود من حرف منهم وزاغ، ومن بقى على الدين الأول، فلا مرد لذلك، ولا مرجع له إذن إلا اتصال الأرض بالسماء لإعداد هذا النبي المنتظر.
وإن بيئة تساوى الجميع فيها مع محمد - ﷺ - ولم تكن بالعالية كالملأ المكي، ولا المتدنية كالمقابل لهم، لم تكن لتخرج هذا الشخص العظيم الذي علا الجميع بغير محاولة منه بما هم مشتركون فيه.
إن ذلك دليل خارج عن نطاق البشر، ويستدل به ويبرهن على نبوة ذلك الأمين الصادق - ﷺ -.
[ ٢٠٧ ]