ألم نشرح لك صدرك .. التعليق على «وات»
وإذا كانت سورة الضحى من أوائل ما نزل في سياق ثناء الله تعالى على النبي - ﷺ -، وفي سياق ما ذكرنا من معان يحملها هذا الثناء، فقد نزل الوحي بعد سورة الضحى بسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ تالية لها مباشرة في التنزيل على النبي - ﷺ - حيث عدت الثانية عشر في (ترتيب السيوطي) (١) بذكر الفاتحة، وهي تحمل أيضًا - علاوة على ما سنذكره في السيرة - تحمل ثناء بالغًا من الله تعالى على رسوله يدل على صحة الرسالة وصدق النبوة مع المعاني المهمة التي تضبط الدعوة، وتشرح الصدر، وتثبت الأقدام في تلك المرحلة الصعبة في مكة المكرمة.
وثناء الله تعالى عليه هو ما يهمنا ذكره الآن؛ لأنه مقامه، ولربطه بسورة الضحى إذ إن مضمون ألم نشرح شبيه بأنه حجة على مضمون سورة الضحى، تثبيتًا للنبي - ﷺ - بتذكيره سالف عنايته سبحانه به، وإنارة سبيل الحق، وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته، ما كان ليقطع عنه فضله، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض علمه النبي - ﷺ - علمًا لا شية فيه ولا ريب، أظهر كذلك بهذا التقرير عناية الله تعالى بالرسول - ﷺ -، ولطفه به، وإزالة الغم والحرج عنه، وتيسير ما عسر عليه، وتشريف قدره لينفس عنه، وكل ذلك يحمل بين طياته حجة لا تدفع أو تدفع، وبرهانًا لا يخبو على أن القرآن من الله جل وعلا، وأنه رسوله الصادق الأمين.
_________________
(١) محمد عزة دروزة، "سيرة الرسول - ﷺ -" (١٥٣/ ١) طبعة ثانية ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٥ م عيسى الحلبي وشركاه.
[ ١٨٣ ]
ونشرع في المقصود من السورة مما يتعلق بثناء الله تعالى على النبي - ﷺ -، تحليلًا وتفسيرًا.
إن أول ما يصادفنا لنلقي عليه ضوء التحليل هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
- فالاستفهام تقريري على النفي، والمقصود التقرير على إثبات المنفي وهو شرح الصدر، ثم إن ثبوت شرح الصدر بالاستفهام للإيذان بأن ثبوته من الظهور، بحيث لا يقدر أحد على أن يجيب عنه بغير بلى، فخطاب الله تعالى لنبيه - ﷺ - فيه تذكير إذن للنبي - ﷺ - بأمر يعرفه حق المعرفة، يحمل منة عظمى من الله جل وعلا له - ﷺ -، وسنعود إلى هذا الأمر بعد قليل إن شاء الله تعالى.
- ولكن لماذا يقرره ربه سبحانه بأنه قد شرح صدره؟ المتبادر من الفهم أن يقال لِمَ يضيق صدره؟ ألم نشرحه؟ وكأنه قد وقع له - ﷺ - من أسباب ضيق الصدر ما جعل المولى سبحانه يذكره - ﷺ - بهذه المنة، وتلك الفضيلة التي وسمه بها من قبل، لتحمله على سعة الصدر، والتحمل وكظم الغيظ، ولا بد أن ذلك الضيق حصل له من شدة أذى قوم يريد صلاحهم، وإنقاذهم من النار، ورفع شأنهم بين الأمم في الأولى والآخرة فقابلوه بذلك الإيذاء الشديد مما سطرته صادقة كتب السيرة والتواريخ، إذًا نحن أمام أمر الله المستفاد من هذه الجملة، وهو طالما قد شرح لك صدرك، فدم على دعوتك العظيمة نشيطًا واسع الصدر، غير ضائق ولا عابئ بأذاهم، غير ذي أسف ولا كمد (١)، وقد نزل عليه مثل ذلك - ﷺ - بعد هذه الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨].
- نلاحظ في الآية الكريمة - كما ذكرنا - أن شرح الصدر لا يمكن إنكاره، ولا يُرَدُّ على الاستفهام إلا ببلى، فهل هذا الجواب من الرسول - ﷺ - وحده، أو من كل من يسمع
_________________
(١) انظر الطاهر بن عاشور، "التحرير والتنوير"، (٤٠٨/ ٣٠)، وكذلك أبا السعود، "إرشاد العقل السليم"، (٨٨١/ ٥)، الألوسي، "روح المعاني" (٢٩٧/ ٣٠).
[ ١٨٤ ]
ساعتئذ هذا الاستفهام! لا يمكن الجواب في حق الرسول صلوات الله عليه إلا بنعم، لا خلاف فيها على أي معنى كان هذا الشرح، وإنما الأخذ والرد على الحاضرين من قريش وأهل مكة المعاندين للنبي - ﷺ -، والذين ذكَّر الله تعالى نبيه بقرآن يتلو عليهم فيه هذا الاستفهام الإنكاري، وفي شيء يتعلق بهم؛ وهو شدة إيذائهم له - ﷺ -، هل علموا هذا الشرح ومعناه هل وهم مسلمون به؟ هذا يجرنا إلى ما وعدنا به آنفا من تبيين معنى شرح الصدر الذي امتن الله به سبحانه على النبي - ﷺ -؛ لنستطيع أن نجيب على هذا السؤال فأقول:
ذكر العلماء أن الصدر المقصود به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك حيث هو محل أحوال النفس ومخزن سرائرها من العلوم والإدراكات والملكات والإرادات وغيرها، فعبر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفاتها، وذلك بأمرين بتأييدها بالقوة القدسية، والثاني: تحليتها بالكمالات الأنسية. (١)
وكلا الأمرين مشاهد في أحوال البشر، فكان شرح الصدر كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية؛ لأنه لما قرره سبحانه على شرح صدره - ﷺ - فكأنه أعطاه ما تطلع إليه نفسه من كل ما يشرح الصدر، فقيل له ألم نعطك ذلك؟ وإن مما تهفو إليه نفسه في مثل هذا الحال هو الكمالات النفسية العلية، وإعلامه برضى الله تعالى عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر والرفعة (٢).
هذا هو المعنى الأول لشرح الصدر، وقد فسره به ابن عباس ﵄ حيث قال شرح قلبه بالإسلام، وعن الحسن، شرح صدره أن مُلِئَ علمًا وحكمًا، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا المعنى أو هذا الوجه حمل شرح الصدر
_________________
(١) انظر أبا السعود، "إرشاد العقل السليم" (٨٨١/ ٥)، روح المعاني، (٢٩٨/ ٣٠).
(٢) انظر الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٤٠٨/ ٣٠).
[ ١٨٥ ]
كثير من المفسرين، ونسبه ابن عطية للجمهور.
الشرح الثاني: وهو جواز أن يجعل الشرح شرحًا بدنيًا، إذ لما كان الامتنان عظيمًا من الله تعالى على رسوله - ﷺ -، فلا مانع أن يشمل الشرح المعنوي والمادي معًا ليكتمل له الفضل - ﷺ - الذي قرره الله سبحانه عليه، والشرح البدني ابتداء ليس فيه غرابة هذه الأيام حتى يقع تحت طائلة الإنكار، إذ أطباء البشر يقومون به، وإن كان ابتداء وانتهاء ليس ثم شيء خارج عن قدرة الله وقوته.
ونلخص هذا الشرح ونبدأ بالإمام الترمذي - لأن الإمام الترمذي هو من ذكر شق الصدر في تفسير الآية - حيث أخرج حديث شق الصدر في تفسير هذه السورة (١)، فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره شقًا قدسيًا، وهو المروى مطولًا في السيرة والمسانيد (٢)، وفي الصحيحين أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في البخاري (٣)، وفي صحيح مسلم (٤) أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وقال أنس بن مالك - ﵁ - راوى الحديث: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره، وفي بعض الروايات أن النبي - ﷺ - كان بين النائم واليقظان (٥).
- والروايات مختلفة في زمان ومكان شق صدره الشريف - ﷺ - مع اتفاقها أنه كان بمكة.
- وإن اختلاف الروايات حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع (٦).
_________________
(١) الترمذى، السنن، باب (ومن سورة ألم نشرح) وقال حديث حسن صحيح (٣٣٥٧).
(٢) أحمد، المسند (١٦٩٩٠ - ٢٠٢١١ - ١٣٥٥٥)، ابن كثير، السيرة النبوية (١/ ٢٢٩).
(٣) البخاري، الصحيح (٣٨٨٧)، باب المعراج.
(٤) مسلم، الصحيح (٢٣٦).
(٥) البخاري، الصحيح (٣٢٠٧)، باب ذكر الملائكة صلوات الله عليهم، الصحيح (٢٣٨)، باب الإسراء برسول الله - ﷺ -.
(٦) الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير (٣٠/ ٤٠٩).
[ ١٨٦ ]
- وفي الصحيح عن أبي ذر - ﵁ - أنه كان عند المعراج به إلى السماء (١).
- ووقع له - ﵊ - أيضًا عند مجيء جبريل - ﵇ - بالوحي في غار حراء، وممن روى ذلك الطيالسي والحارث في مسنديهما، وكذا أبو نعيم ولفظه؛ أن جبريل وميكائيل ﵉ شقا صدره وغسلاه، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات.
- يقول العلامة الألوسي بعد تفسيره للآية: "نعم حمل الشرح في الآية على ذلك الشق ضعيف عند المحققين". (٢) ونقول نعم حمل الآية عليه بخصوصه لا غير ضعيف، أما أن يدخل في عموم المنة بشرح صدره الشريف فلا مانع أن يكون الرب جل وعلا قد جمع له - كما جمع له من قبل الأخلاق الكاملة - كافة كل شرح يكون سبب علوه ورفعته، وسبب صبره وتحمله، واستمراره في دعوته، ومن ثم بعد أن ذكر العلامة ابن عاشور مثل كلام العلامة الألوسي رحمهما الله، عقب بما يدل على أن الآية تفيده فقال ﵀: " وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان هذا الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مرادًا، وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في الأحكام، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته، وهو الباطن الحاوي للقلب." (٣)
- وعلى أي حال فإن كلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم في غاية العظمة لنفس النبي - ﷺ - إما مباشرة، وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى. (٤)
- وقد أيد سياق الآية الكريمة باستخدام الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿لَكَ﴾ ما سبق من ثناء، حيث اللام في قوله ﴿لَكَ﴾ للتعليل، وهو يفيد تكريمًا للنبي - ﷺ - بأن الله جل وعلا فعل ذلك لأجله، ومن وجهة أخرى يفيد زيادة الجار والمجرور، وتوسيطه بين الفعل
_________________
(١) البخاري، الصحيح (٣٤٩، ٣٣٤٢)، مسلم، الصحيح (٢٣٧).
(٢) الألوسي، "روح المعاني" (٣٠١/ ٣٠).
(٣) العلامة ابن عاشور "التحرير والتنوير" (٤٠٩/ ٣).
(٤) السابق.
[ ١٨٧ ]
ومفعوله بأن الشرح من أول الأمر من منافعه ﵊ ومصالحه، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف، مع استخدام طريقة الإبهام للتشويق، فإنه لما ذكر فعل ﴿نَشْرَحْ﴾ علم السامع أن ثم مشروحًا، فلما وقع قوله ﴿لَكَ﴾ قوي الإبهام فازداد التشويق، لأن ﴿لَكَ﴾ يفيد معنى شيئًا لأجلك، فلما وقع بعده قوله ﴿صَدْرَكَ﴾ تعين المشروح المترقب، فتمكن في الذهن تمام التمكن، وعلم منه كل تلك الأفضال (١).
- وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة للإيذان بعظمة ذلك الشرح وجلالة قدره ليظهر ما أشرنا إليه من قبل من دلالة الشرح على شيء عظيم بالغ العظمة للنبي - ﷺ -.
- نخلص مما سبق إلى وقوع شرح صدر عظيم لا يقادر قدره إلا الله للرسول - ﷺ -.
- وأن هذا الشرح لصدره الشريف لا خلاف بين العلماء جميعًا أنه وقع معنويًا، وأنه وقع حسيًا عدة مرات، وإنما الخلاف بينهم في كون السورة تدل على الشرح البدني بالذات أو لا؟ فذهب المحققون منهم إلى ضعف ذلك، وذهب البعض إلى أنها تدل عليه، ومن ذهب إلى أن الشرح البدني معجزة خارقة للعادة - وهي كذلك - أكد على أن الآية تدل عليه، ونعود إلى السؤال المفترض أولًا، وهو هل المستمعون من قريش يجيبون ببلى عندما يقرع أسماعهم لأول مرة هذا الاستفهام الإنكاري ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ أم لا؟
فالإجابة أنه على القول الأول بأن الشرح هو المعنوي نجد أنفسنا مضطرين إلى أن نقول نعم! وذلك لما كانوا يطلقونه عليه - ﷺ - من حميد الصفات قبل البعثة حتى لقبوه بالأمين، وقد ازدادت أمام أعينهم تلك الصفات بعد البعثة خاصة ما يتعلق بشرح الصدر ككظم الغيظ، وتحمل الأذى، والعفو، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة مما لا يحصى وقائعه،
_________________
(١) انظر أبا السعود، "إرشاد العقل السليم" (٨٨١/ ٥)، الألوسي، "روح المعاني" (٣٠١/ ٣٠)، الطاهر بن عاشور، "التحرير والتنوير" (٤٠٩ - ٤١٠/ ٣٠)، برهان الدين البقاعي، "نظم الدرر" (٤٦٠/ ٨).
[ ١٨٨ ]
ولا يمكن إنكاره أو دفعه. (١)
أما الشرح البدني ..
فما وقع منه إلى وقت نزول الآية كان قبل البعثة، وأن يصل إلى علم أهل مكة فهذا أمر غير مستغرب ولا مستبعد؛ في مجتمع صغير على هذا النحو، وقد ذكرنا شيئًا من هذا في سورة الضحى، حيث تأخر الوحي على النبي - ﷺ - فإذا بهذا الأمر قد بلغ لكل أحد ساعتها.
فشيوع هذا الأمر بين أهل مكة حال طبيعي من أحوال البشر في نشر وانتشار مثل هذا الخبر، وإنما النقاش الآن في عدم الاهتمام الكافي به، وما يكون ذلك إلا لأنه خبر لا ينبني عليه ما يهم الناس وقتها، ولا هو مؤثر في حيز اهتمامهم وانشغالهم، أما وقد جاء خبر النبوة الصعب، فمن السهل التذكير بما كان مما له علاقة بما هم فيه من أمر الرسول - ﷺ - والرسالة، وهم يذكرون ذلك جيدًا لعدم دفعهم إياه، أو تكذيبهم به، التكذيب المتعلق فعلًا بعدم الوقوع، ليس الشغب والجحود والمكابرة.
فالقرآن الكريم خاطبهم إذن بأخبار وأحداث يعلمونها، وإلا فإن الكذب في خبر واحد في مثل هذا إنما ينسف الرسالة من أصلها، ويدلل على اختلاقها وأنها ليست من عند الله، وما كان المشركون حينئذ في حاجة لردها بالحديد والنار حيث اختاروا هذا الطريق.
_________________
(١) أخرج أبو يعلى في مسنده (١٥/ ١٤٦)، وابن حبان في صحيحة (٢٧/ ١٨١)، وأبو نعيم في الدلائل (١/ ١٨١)، وذكره الحافظ في الفتح (١١/ ١٧٥)، من حديث عمرو بن العاص قال «ما رأيت قريشًا أرادوا قتل رسول الله - ﷺ - إلا يوم أئتمروا به وهم جلوس في ظل الكعبة رسول الله - ﷺ - يصلى عند المقام، فقام إليه عقبة بن أبى معيط فجعل رداءه في عنقة، ثم جذبه حتى وجب لركبتة، وتضايح الناس، وظنوا أنه مقتول، قال: وأقبل أبو بكر يشتد حتى أخذ بضبع رسول الله - ﷺ - من ورائه وهو يقول: أيقتلون رجلًا أن يقول ربى الله؟ ثم إنصرفوا عن النبي - ﷺ - فلما قضى صلاتة مر بهم وهم جلوس في ظل الكعبة فقال: «يا معشر قريش، أما والذى نفس بيده ما أرسلت إليكم إلا بالذبح» وأشار بيدة إلى حقلة، قال له أبو جهل «يا محمد ما كنت جهولًا» وفي روايه «إنصرف يا أبا القاسم راشدًا فوالله ما كنت جهولًا» قال - ﷺ - «أنت منهم».
[ ١٨٩ ]
- والنبوة لها إرهاصات تسبقها تؤكد صدقها، يدلل عليها الواقع، والحوادث التاريخية، وسير الأنبياء، باستقراء ذلك كله، واطراده فيما جاء التاريخ به من وقائع صحت نسبتها إلى أولئك الذين ادعوا صلتهم بالسماء، وارتباطهم بالوحي، وإن ذلك من إرهاصاتها التي رأى المشركون غيرها في الرسول - ﷺ -، كالغمامة التي رأوها تظلله وخبر بحيرى الراهب (١) وغير ذلك، مما جعل يَقِر في وجدانهم مثل هذه الأمور الخارقة للعادة التي حدثت لرسول الله - ﷺ -، والتي ذكرنا أنها من عناية الله تعالى قبل البعثة بمن سيكون رسوله إلى العالمين.
ويمكن أن نصل بافتراضنا إلى أبعد من ذلك، وهو أن الشرح وَقِفَ علمه على الرسول - ﷺ -، وأن هذا ثناء بينه سبحانه وبين عبده لم يطلع عليه أحد، ليكن ذلك، ولكن يأتي السؤال ألم يواجه النبي - ﷺ - بذلك الناس جميعًا مخبرًا بهذا الخبر في جملة ما أنبأهم به، وكان داخلًا هذا الشرح في جملة ما تحدى به البشر إلى يومنا، وإلى قيام الساعة؟ لم ينكر ذلك معاصروه، ولا قاموا في وجهه جاحدين له، معترضين عليه، بين مكذب راد عليه ومصفق مستهزئِ به، بل سلموا ذلك الأمر يوم كانوا كفرة محاربين، وآمنوا وازدادوا تسليمًا بعد ذلك.
لقد أطلت شيئًا ما في هذا الموضوع؛ للنظر الموضوعي المجرد لقضية النبوة، إذ كل
_________________
(١) اخرج الترمذى (١٢/ ٦٨)، والحاكم في المستدرك (١٠/ ٨)، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، عن أبى بكر بن أبى موسى عن أبيه قال «خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي - ﷺ - في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت قال فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله - ﷺ - قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش ما علمك فقال إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبى وإنى أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة ثم رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل قال أرسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال فيء الشجرة عليه فقال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه».
[ ١٩٠ ]
ذلك يدلل عليها، وأن شيئًا من ذلك كله لا يمكن نسبته إلى الرسول - ﷺ - وما كان ذلك ليكون إلا من خارج محمد ﵊، وبقوةٍ قوى البشر بجانبها لا شيء، قوة من بيده الخلق والأمر، والملك والملكوت، بما لا يستطيع عاقل منصف عنده شيء من علم، أو تقدير للحقيقة إلا أن يسلم بنبوة الرسول - ﷺ -.
وهذا قطرة مما يرد به على "مونتجمري وات" وأذنابه ممن يدعون الحياد أو البحث العلمي، الذين ينفون هذه الروايات (١) وليس الإطالة الآن إلا لهذا الرد على ذلك الهجر وتلك الترهات، من براق القول الخادع، الذي لا يحمل تحته إلا عكسه مع سوء القصد، وفساد النية.
والآن نستكمل البحث مع "وات".
ونبدأ بالقول بملحوظات نسوقها إتمامًا لما سبق
- الملحوظة الأولى:
وهي أن "وات" قد بيض كتابه لذكر حديث ابن إسحاق بطوله، وبمنهج "وات" نفسه ما الدافع وراء ذلك؟ - وهو المختصر لمثله - بل للقرآن الكريم حيث يذكر في كثير من الآيات رقم السورة والآية فقط لا يذكر منطوقها، وله دافع وراء ذلك، وهو التلبيس على قرائه، وحذف ما يريد إخفاءه، وتقطيع أوصال النصوص وبترها؛ لينتقي منها ما يظن أنه حجته، أما هنا فأراد أن يطلع القارئ الأوروبي، المادي العلماني على مثل هذا الكلام، قائلًا بلسان حاله هذا محمد - ﷺ - وهذا دينه، ليقرر هذا القارئ من أول وهله رده للرسول - ﷺ - وللإسلام، ومن ناحية أخرى يتحصن هذا القارئ أمام استخدام العقل في فهم الإسلام،
_________________
(١) محمد في مكة (٣٣ - ٣٤).
[ ١٩١ ]
بتصيير هذه القصة حجر عثرة أمام تفكيره وفي كل مناقشاته، إذ يصبح سؤاله دائمًا ألم تذكر روايات الإسلام كذا وكذا عن محمد، وهذا من خبث مقصده ودوافعه في كتاباته عن الإسلام ونبيه - ﵊ - والرد سهل كما أشرنا لمن يعقل.
- الملحوظة الثانية:
أنه لم يقف به التعصب والانحياز السيئ عند هذا الحد، إنه قطع الطريق تمامًا على القارئ أو الباحث أن يفكر في كلامه مجرد تفكير فضلًا عن البحث أو التمحيص وذلك بأمرين مُلِئا غشًا وخداعًا وتدليسًا وكل ما يُستحى من ذكره.
الأمر الأول: بنفي صحة الروايات بحجة أنها غير حقيقية عند المؤرخ العلماني حيث يقول: "لا شك أنها غير حقيقية عند المؤرخ الذي لا يؤمن بالغيب" (١)، وهذا كلام في منتهى السقوط والتهافت لهذه الأسباب:
١ - أن صحة الروايات وعدمها ليست لغير المتخصصين في علم الرواية، إذ كيف يتكلم من لا يحسن فيما لا يحسن، إنه حينئذ يتكلم بالكذب، أي بالظن والتخمين - وهو أكذب الحديث - وهو علم خاص بالمسلمين لم تتكلم فيه ولم تبحثه أي أُمَّة غيرهم؛ حيث به حفظ الدين وكلام الرسول - ﷺ -، بالثقة عن الثقة إلى أن يؤدي آخر ثقة ما سمعه عن رسول الله - ﷺ - كما هو، واضعين نصب أعينهم قوله - ﷺ -: «من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار (٢)» فلا يقبلون أي رواية، خاصة رواية الكذابين وهذا العلم لا حظَّ لغير المسلمين فيه؛ لأن سلسلة الإسناد - حدثنا فلان حدثنا فلان إلى الرسول - ﷺ - تعتمد الإسلام والإيمان بنبوة محمد - ﷺ -، و"وات" يعلم ذلك جيدًا وأنه لا يزيد عن كونه مؤرخًا،
_________________
(١) محمد في مكة (٣٣ - ٣٤).
(٢) البخاري، الصحيح (١/ ١٠٦)، باب: إثم من كذب على النبي - ﷺ -.
[ ١٩٢ ]
لا علاقة له من قريب أو بعيد بالروايات وصحتها، وكل عمله أن يأخذ الرواية ليرى دوافعها وما تنطوي عليها، لا ليردها ما دام نص العلماء على أنها رويت بطريق صحيح، والذي لا يعرفه هو وأمثاله فضلًا عن أن يجيده، وهو لا يشك أنه لا يمت لذلك العلم بصلة، وتلك آراؤه وهذه كتبه لا ترى في أي منها كلمة واحدة نقلًا في هذا العلم.
٢ - ثم ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي كيف تأخذ هنا بقول المؤرخين العلمانيين، وأنت تتدعي التوحيد (١)، لا شك لأنك لو لم تنقل رد العلمانيين ما كان عندك من رد تدفع به تلك الإرهاصة من إرهاصات النبوة ولكنت سلَّمت فيها بنبوة النبي - ﷺ -، وهدمت حينئذ دعاويك كافة في ذلك، أو على الأقل سلمت بأمر من أمور السماء المؤيد للنبي - ﷺ - وبالتالي فلا التوحيد المزعوم اتبعت، ولا الإنصاف والحياد التزمت، فكيف تقبل منك أدنى كلمة؟ قد تقول أنا رددت الرواية تاريخيًا، قلنا أخذت برأي العلمانيين يا أيها الموحد؛ لأنه ليس لك إلا منهجهم لرد الرواية، إذ ليس لك منهج آخر ترد به الرواية صحيحة كانت أو ضعيفة.
٣ - اتبع "وات" منهج الانتقاء تأريخًا ورواية، كما ذكرنا في عناصر منهجه فهو يأخذ من المناهج والروايات ما يؤيد قوله، حتى لو كان مخالفًا لما اختطه لنفسه، وهو أن يكتب كموحد، ويأخذ الروايات الضعيفة والمردودة، ويترك الصحيحة مادامت تؤيد ما ذهب إليه، كل ذلك حدث هنا كما ترى، معرضًا عن الحق والنزاهة العلمية، وإلتزام الحياد، واضعًا تحت قدميه كل ذلك.
الأمر الثاني: الذي قطع به طريق البحث، وهو التشكيك واللمز، مع قلب الحقائق التاريخية الثابتة، وتغيير الزمن الذي وقعت فيه، وهذا من عجيب البحث.
_________________
(١) محمد في مكة (٤٠).
[ ١٩٣ ]
يقول "وات" عن الروايات التي نحن بصددها عندما قرر أنها ليست حقيقية عند المؤرخ العلماني قال: "لأنها تحاول وصف وقائع يمكن نسبتها لفترات لاحقة من حياة محمد، لكن المؤكد أن هذه الروايات تعبر عن شيء بالنسبة للمسلمين المؤمنين، وبالتالي فهي حقيقية بالنسبة له، ومناسبة لإطالة حياة نبيهم" (١).
وانظر إلى التشكيك، والإفك وقلب الزمان.
المصادر التي ليس له سواها في سيرة النبي - ﷺ - تذكر لشق الصدر وغيره زمن الرضاع والصبا، ثم يأتي "وات" فيقول هذه يمكن أن تكون بعد أن أصبح نبيًا، أي غير تاريخ الواقعة حوالي أربعين عامًا هكذا؛ حتى يستطيع بذلك التشكيك والتضليل، علاوة على اللمز في أنها تطيل حياة نبيهم، وكأنهم كانوا يسمرون بها في مجالسهم ليس لهم غيرها لتطيل هذه الحياة، مع ذكره أن محمدًا في المدينة انشغل انشغالًا شديدًا بإعداد هؤلاء لما يود أن يقوم به (٢).
هذه رواية شق الصدر للرسول - ﷺ -، وقفنا فيها طويلًا شيئًا ما حيث ذكرنا ما ورد فيها نقلًا وصحة ذلك عقلًا، وأخذنا ورددنا ممجوج الآراء السمجة التي رأينا، وأما غيرها من الآراء فهي لا تعدو هذيانًا، جعلت "وات" نفسه الناصح الأمين للمستشرقين يصفها بالغثيان وشدة التطرف (٣) لأنها لا تحمل آراء بقدر ما تحمل سخائم القلوب المريضة التي ظهرت على الألسنة القبيحة بنفس نتن تلك القلوب، وهو يعلمهم كيف يردون بإلباس
_________________
(١) محمد في مكة (٣٣ - ٣٤) الطبعة الإنجليزية، عبد الرحمن الشيخ، وآخر (٩٤).
(٢) محمد في المدينة (٤) تعريب شعبان بركات، منشورات المكتبة العصرية – صيدا – بيروت.
(٣) محمد في مكة (٨٢)، حيث وصف كلام المستشرقين في العلاقة بين المصادر اليهودية والمسيحية وتعاليم الإسلام، أما شدة التطرف فقد وصف بها آراء "لامانس" نفس المصدر، (٤٤)، وهي أوصاف هينة من "وات" لا تعبر عن الحقيقة أو شيء منها عند هؤلاء الكتاب المستشرقين الذين يشكلون جزءًا هامًا من مراجعه المعتمدة.
[ ١٩٤ ]
هذه السخائم والنقائص ثوب العلم والحياد؛ ليصلوا إلى مطلوبهم بغير ظاهر الشتم والقبائح والمنكر.
قصة بحيرى الراهب:
وننتقل إلى الحادثة الثانية التي نفاها "وات" مع قصة شق الصدر في قرن واحد متعللًا بأن العلمانيين المؤرخين لا يقبلونها، وقد أورد متنها من إبن إسحاق مع سياق شق الصدر ومن ثم كان ردنا فيها عليه واحدًا، وإن كنا سنزيد شيئًا قليلًا هنا.
وأفردناها هنا لاتصال سيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
كانت كفالة الرسول - ﷺ - عندما ولد يتيمًا لجده عبد المطلب، تحت رعاية أمه آمنة بنت وهب (١).
وكانت وفاة والده عبد الله بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، عندما أرسله والده عبد المطلب إليها ليشتري منها تمرًا (٢).
وكانت حادثة شق الصدر السبب في إعادة حليمة السعدية للرسول - ﷺ - إلى أمه لأنها خافت عليه، ورغبت في إنهاء مسؤليتها عنه، مع حبها له، وتعلقها به، وببقائه عندها (٣).
ظل الرسول - ﷺ - في رعاية أمه – آمنة – وكفالة جده عبد المطلب بعد إرجاع حليمة له من حضانتها في بادية بني سعد.
_________________
(١) محمد بن رزق بن طرهوني، صحيح السيرة (السيرة الذهبية)، حواشي، ١٣، ١٤١، وغيرها.
(٢) ابن عبد البر، الاستيعاب (١٤/ ١)، وروى ابن إسحاقعن شيخه الواقدي قصة أخرى.
(٣) مسند أحمد (١٨٤، ١٨٥/ ٤)، وسند الدارمي (٨، ٩/ ١)، ومستدرك الحاكم (٦١٦/ ٢) ويؤيده مرسل الزهري في مصنف عبد الرزاق (٣١٧، ٣١٨/ ٥).
[ ١٩٥ ]
وعندما بلغ من العمر ست سنين توفيت والدته آمنة بـ"الأبواء" (١)، وهي راجعة به إلى مكة بعد زيارته لأخوال أبيه في المدينة المنورة، بني عدي بن النجار.
وحملته مولاته حاضنته أم أيمن إلى جده عبد المطلب بمكة فأحاطه بعنايته وبلغت به شفقته عليه، ومحبته له مبلغًا عظيمًا حتى إن عبد المطلب أرسل محمدًا في طلب إبلٍ له، ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد أبطأ عليه، فجعل عبد المطلب يطوف بالبيت وهو يرتجز:
يا رب رد راكبي محمدًا يا رب رده واصطنع عندي يدًا
فلم يلبث أن جاء محمد - ﷺ - والإبل، فاعتنقه، وقال: يا بني لقد جزعت عليك جزعًا، لم أجزعه على شيء قط، والله لا أبعثك في حاجة أبدًا، ولا تفارقني بعد هذا أبدًا.
توفي هذا الجد الشفوق عبد المطلب وللنبي - ﷺ - ثمانى سنوات، فأوصى به جده إلى عمه أبي طالب أخي أبيه.
وكان أبو طالب قبل البعثة وبعدها شديد العناية بابن أخيه - ﷺ -، فكان لا ينام إلا ومحمد إلى جنبه، ولا يخرج إلا معه، وقد صح ذلك في رحلته إلى الشام ومقابلته لبحيرة الراهب، وظل يحوطه بعنايته إلى أن توفي قبل الهجرة بثلاث سنين.
وكان في صباه - ﷺ - يرعى الغنم، وقد ثبت أنه عمل في رعيها لأهل مكة مقابل
_________________
(١) الأبواء: قرية نت أعمال الفُروع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، معجم البلدان (١/ ٧٩)، معجم البلدان (١/ ٤٤)، باب الهمزة والباء وما يليها وانظر طرهوني، صحيح السيرة، (١٥٧/ ١)، وحواشيه في تصحيح هذه الروايات وتحسينها.
[ ١٩٦ ]
قراريط (١)، وقال في ذلك ﵊: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» وكان يرعى غنم أبي طالب، وكان في ذلك يساعده لكثرة عياله، ومراعاة لحاله.
وإن من أبرز الحِكَمِ في رعي الغنم كما قال ابن حجر (٢): "قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسابق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المجاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأُمَّة " ثم قال: "وفي ذكر النبي - ﷺ - لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنته عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء".
وقد تجلى في ذلك إحساسه الدقيق، مع ذوقه العالي - ﷺ - إذ إنه ما إن أنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل عليه ليرفع شيئًا من مؤنة الإنفاق على عمه، وقد اقتضت حكمة الله أن نفهم أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بجهده وعرقه وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لمجتمعه من نفع قدر طاقته.
وأصحاب الدعوات لا قيمة لهم إذا كان كسبهم من عطايا الناس وصدقاتهم، بل يجب ألا يكون لأحد عليه منة تمنعه من القيام بدعوته والصدع بكلمة الحق (٣).
_________________
(١) رواه البخاري (فتح الباري ١٤١/ ٤، ٤٣٨/ ٦)، وصحيح مسلم بشرح النووي ٥ - ٦/ ١٤، وقد ذكر ابن حجر أن للعلماء قولين في معنى قراريط، أولهما: القيراط جزء من الدينار أو الدرهم، وثانيهما: أن قراريط اسم موضع بمكة.
(٢) ابن حجر، الفتح، (٥٤٥٣)، مهدي رزق الله، السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية، (١٢٤).
(٣) البوطي، فقه السيرة، (٥٤ - ٥٥).
[ ١٩٧ ]
بناء على ما تقدم جاءت قصة بحيرى ..
فمن محبة أبي طالب للنبي - ﷺ - وظهور هذه الصفات النبيلة فيه، اصطحبه أبو طالب في سفرة تجارية له إلى الشام، وكان ثمَّ راهب يدعى بحيرى في طريقهم، فلما حلوا رحالهم نزل إليهم، وكان قبل ذلك لا يكلمهم ولا يلتفت إليهم، وصنع لهم طعامًا، وأخبرهم أن رسول الله - ﷺ - هو سيد العالمين، وأشار إلى الغمامة التي تظله، وفيء الشجرة الذي مال عليه، ونظر خاتم النبوة بين كتفه الشريف، وعرفه بأوصافه المبشر بها عنه في كتبهم، وأمر وليه أبا طالب أن يرجع به خوفًا من يهود ومن الروم (١).
ونميل للحق مع من ذهبوا لتصحيح هذا الحديث من العلماء نظرًا للردود العلمية التي فيها مقنع كاف بذلك، وردود - حسب نقد الروايات الشديدة عند علماء المسلمين – قوية على حجج أولئك الذاهبين إلى إنكار الرواية من العلماء.
والآن نعرج على بعض الآيات القرآنية – كما هو منهجنا في هذه الدراسة – ثم نعود إلى مناقشة "وات"، وهذه الآيات هي دراسة شيء ما جاء في القرآن الكريم يؤيد هذه الجزئية،
_________________
(١) - اختلف العلماء في هذا الحديث قديمًا وحديثًا، فقد حسنه الترمذي وصححه الحاكم (٦١٦/ ٢)، والألباني في حاشية فقه السيرة للغزالي (٦٨)، ودفاع عن الحديث النبوي (٦٢ - ٧٢)، قال "وإسناده صحيح كما قال ابن الجزري"، ومحمد الصادق عرجون، محمد رسول الله، (١٦٩ - ١٧١/ ١)، وشعيب وعبد القادر الأرناؤوط على حاشية زاد المعاد (٧٦/ ١)، وابن القيم صاحب الزاد (٧٦/ ١)، وابن حجر، وقال: "رجاله ثقات، وليس فيه سوى هذه النقطة – أي ذكر أبي بكر وبلال – فيحتمل أن تكون مدرجة فيه منقطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته" نقلًا عن شرح الزرقاني على المواهب اللدنية (١٩٦/ ١). وأنكر هذا الحديث الإمام الذهبي وغيره وقال: "وهو حديث منكر جدًا" تاريخ الإسلام السيرة، (٥٧)، وترى مما سبق الإطالة فيه مدى النزاهة والحياد والعلمية في النقد، وليست لكونها تثبت نبوة النبي مثلًا - ﷺ - يصححونها، أو لأنها مما يرد به على النصارى فيدافع عنها، ولم يكن قول أحدهم إذ عرض عليه أن يقول دعها نرد بها عليهم وإنما كان قولهم هو موضوع، لأنهم يراعون بعلمهم وجه الله تعالى، وكما لا يكذبون عليه - ﷺ - لا يكذبون له، وإنما رائدهم ما صح عنه فيسلمون به، خلافًا لهؤلاء المستشرقين في افتراء الأقاويل، وتصحيح الأباطيل ليصلوا إلى النتيجة المحسومة عندهم سلفًا.
[ ١٩٨ ]
ويكمل صورة السيرة، لتكون قرآنًا وسنة، مع مسح رأى المستشرقين الذين أرادوا تشويهها.
وسنقتصر هنا على آيتين كريمتين تؤيدان القصة، ومن ناحية لو لم تكن القصة موجودة لكانتا مع غيرهما من الآيات التي أرجأنا ذكرها لمكان آت كفيلة بتوضيح أو رسم هذا الجانب من سيرته المشرفة كسيرة قرآنية، نسوق الآيتين أولًا ثم ننظر في تحليلهما ودلالتيهما:
الأولى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]
الثانية: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الأنعام: ٢٠]
بالنظر في تحليل وتفسير الآيتين رأيناهما يستدلان على أن المقصود بهما هو النبي - ﷺ - ولكن من وجهين لا كما يبدو من أول وهلة؛ ففي الآية الأولى الضمير المنصوب في
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عائد على النبي - ﷺ - لما علم من الكلام السابق، وتكرر خطابه فيه من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤].
فالإتيان بالضمير بطريق الغيبة من الالتفات، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صدقه، أو يعرفونه بصفاته وأخلاقه وزمانه ومبعثه ومهاجره إلى آخره معرفة لا تقبل اللبس كما يعرفون أبناءهم معرفة جلية متحققة، وأن معرفة هذا الحق ثابتة لجميع علمائهم، كمعرفة الأبناء بسبب تعلق الآباء بهم، فيكون التملي من رؤيتهم كثيرًا فتتمكن معرفتهم تمام التمكن.
وهؤلاء الذين آتاهم الله الكتاب ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم أحبار اليهود والنصارى
[ ١٩٩ ]
الذين أوتوا علم التوراة والإنجيل كبحيرى هذا وغيره.
وقوله تعالى: "وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون"، وهم معظم الذين أوتوا الكتاب، ثم بقي فريق آخر يعلمون الحق ويعلنون به، وهم الذين آمنوا بالنبي - ﷺ - من اليهود قبل عبد الله بن سلام الحبر اليهودي الذي أسلم، وتميم الداري النصراني الذي أسلم أيضًا.
ودلت الآية على أنه لا يعبأ ولا يلتفت لهؤلاء الذين لا يعلمون الحق فضلًا عن أن يكتموه إذ لم يدخلوا في قوله: "الذين آتيناهم الكتاب" [الأنعام: ٢٠]، ولا يشملهم قوله: "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم".
أما الآية الثانية:
فالضمير في قوله: "يعرفونه" عائد إلى القرآن الكريم؛ إذ لم يسبق ذكر للنبي - ﷺ -، وهو المخاطب، بل جرى ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: "لأنذركم به ومن بلغ" في قوله تعالى: "قل الله شهيدٌ بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن" [الأنعام: ١٩].
وقد جاءت جملة: "الذين آتيناهم الكتاب" مستأنفة، انتقل بها أسلوب الكلام من مخاطبة الله تعالى المشركين على لسان الرسول - ﷺ - إلى إخبار عام كسائر أخبار القرآن الكريم، وهذا الانتقال ليثبت استشهادًا جديدًا على صدق القرآن الكريم وهو الآية المعجزة العامة الدائمة المتضمن صدق من جاء به وهو النبي - ﷺ - وذلك بعد شهادة الله في قوله: "قل الله شهيد بيني وبينكم".
وقد كان المشركون يقدرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم، وربما اتبع بعض المشركين دين أهل الكتاب كورقة بن نوفل إلى أن بعث النبي - ﷺ - فكانت شهادتهم عند المشركين موثوقًا بها إذا أدوها ولم يكتموها.
[ ٢٠٠ ]
وفي الآية بالتالي تسجيل على أهل الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس وفي ذلك دعوة لإسلامهم، ولذا ختمت الآية بقوله تعالى: "الذين خسروا أنفسهم" من المشركين، ويصح أن تكون بدلًا من "الذين آتيناهم الكتاب" الخسران المبين بعدم إسلامهم، فكلاهما هالك برد الحق أو كتمه بعد شهادة الله، وشهادة الأحبار والعلماء من أهل الكتاب.
وإن من دواعي إسلامهم الأكيدة أنهم يعرفون هذا الكتاب، وأنه الحق من ربهم، ومن حقه وما تضمنه صدق رسالة محمد - ﷺ - وصدق ما جاء به حيث بشَّرت كتبهم به أيضًا وبصفاته وغير ذلك - ﷺ - يعرفونه معرفة أبنائهم، معرفة التحقق والجزم، إذ لا يضل المرء عن معرفة شخص ابنه وذاته إذا لقيه، وأنه هو ابنه المعروف (١)، وما ينكر ولده حينئذ إلا جحدًا وعنادًا وغيرهما، وهو في قرارة نفسه يعلم أنه ابنه بلا شك.
بهذا العرض الموجز للآيتين الكريمتين وهما قليل من كثير يتبين كيف وضح القرآن الكريم تمام التوضيح صورة النبي - ﷺ - في الكتب السابقة وجلاها على أبهى سيرة وأحسنها ليقطع العذر وليقيم الحجة.
وكانت الآيتان الكريمتان مما توافق فيه قصة السيرة – قصة "بحيرى" الراهب - مع القرآن الكريم، فثبتت قرآنًا وسُنَّة.
ونلاحظ أن الرواية كانت والنبي - ﷺ - يبلغ من العمر اثني عشر سنة، ولم يكن ثَمَّ نبوة ولا وحي ولا قرآن، فعندما يأتي القرآن بمثل ما أتى به ذلك القصص فلا شك أن ذلك القصص صحيح، وجاء القرآن الكريم ليؤكده ويثبت وقوعه.
_________________
(١) انظر لما سبق بتصرف كبير الطاهر بن عاشور "التحرير والتنوير" (٣٩ - ٤٠/ ٢)، (١٧٠ - ١٧٢/ ٧).
[ ٢٠١ ]
نعود لنناقش "وات" حيث ذكرنا قوله بعدم صحة القصة، مع قصة شق الصدر تاريخيًا، وأنه احتج بالعلمانيين في إنكار ما يود إنكاره وتضطره نتيجة البحث المسبقة إلى نفيه، وقد نفاه هنا بما لا يعتقده حيث يدعي أنه يكتب كموحد، ومعنى ذلك أنه إذا لم يسعفه التوحيد، أسعفه الكفر! للأسف! فكلاهما حق عندما ينظر إلى الإسلام، وكما وعدنا سنزيد ردًا قليلًا هنا حيث رددنا هنالك عقب قصة شق الصدر ردًا مطولًا، أما ما نزيده هنا:
فأوله: أن إنكار "وات" للقصة فإنه لما تحمله من مضامين دينية، إذ هي اعتراف مسيحي بنبوة النبي - ﷺ - من حبر من أحبارهم، أو راهب من رهبانهم انتهى إليه علم النصارى، وهو ما سعى "وات" في كل كتاباته لنفي نبوة الرسول - ﷺ - بل حاول كذلك في كل كتاباته أن يثبت التأثير المسيحي اليهودي على تعاليم الإسلام، وأنه ليس إلا خليطًا منها متوائمًا مع البيئة العربية كما أشرنا من قبل (١).
الملحوظة الثانية:
وهي قضية "وات" أيضًا، وهي التأثير اليهودي - المسيحي على تعاليم الإسلام، فقد ذكر بعض المستشرقين هذه الأضحوكة، وهي أن الرسول - ﷺ - في هذه الرحلة تلقى علم التوراة من بحيرى في هذا اللقاء العابر، ومأدبة العمل هذه، وهو في سن الثانية عشر على الأكثر، بعد أن تأكد بحيرى أن محمدًا - ﷺ - هو سيد العالمين، ورحمة الله للعالمين، كيف لغلام في الثانية عشر من عمره أن يتلقى علم التوراة، ويكون له أثره عليه وعلى تعاليم دينه في ساعة من الزمان، وهم يأكلون، ليس هناك إذن أسوأ من الاستخفاف بالعقل وقلب الحقائق بسبب التعصب الأعمى.
_________________
(١) انظر عبد الله النعيم "الاستشراق في السيرة النبوية" (٦١ - ٦٢).
[ ٢٠٢ ]
ذكرت القصة أن الراهب لم يبق محمدًا معهم إلا حال تعرفه على أوصافه، وأنه النبي المبعوث، ثم ناشد عمه أبا طالب أن يرده سريعًا إلى مكة؛ خشية من إيذاء اليهود والروم له، فلم يبقه في الركب معهم حتى نقول جلس عنده أو قابل غيره بل أمر برجوعه توًا إلى مكة، وأين قوله «هذا رحمة الله للعالمين»، «وهذا سيد العالمين»، وبعد ذلك يجلس ليعلمه التوراة، أبعد أن علم نبوته، يقول له هيا لأعلمك ما لن يعلمه الله لك؟! أو ما سوف يعلمه الله لك بعد سنين متطاولة، هذه عجائب المخلوقات ولولا أن هذا الكلام قد قيل ما سودنا به تلك الأسطر.
ومحمد - ﷺ - في هذه الفترة – تنزلًا معهم – هؤلاء المتعصبين – لا يعرف القراءة ولا الكتابة فكيف تعلم؟ وإن عرفها لم تكن الكتب السابقة قد ترجمت للعربية، فإنها لم يترجمها أصحابها إلا قريبًا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى بقرون طويلة، الكلام كثير في الرد عليهم وأما مقصودهم ففي النهاية هو رد أصول الإسلام إلى التوراة، فأين ذلك في تعاليمه؟ وهل حارب اليهود وأجلاهم عن المدينة، وأبقى تعاليمهم في كتابه وسيرته، إلا إذا كان مؤدى تلك التعاليم أن هؤلاء قوم لا بد أن يقاتلوا، وأن يجلوا عن المدينة، وعن جزيرة العرب، وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنهم قوم بهت وسوء، لا عهد لهم ولا ذمة، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما أخفت صدورهم أكبر، وودوا لو تكفرون، كانت فرية إذن أن رسول الله - ﷺ - قد تأثر بهؤلاء، والعجب أن يأتي مدعو العلم والمنهجية ليرددوها بكل برود تقليدًا لأخلاق أسلافهم تلك، وما استحيوا أن يرددوا كذبًا ممجوجًا يعلمونه، ولكنهم استخفوا بعقول مريضة، أو عقول ممسوحة، أو عقول لا تفكير فيها ولا نظر لها، كل ذلك ليحموا بني جلدتهم ويحصنوهم ضد الإسلام ويعموا على أبصارهم وعقولهم حتى لا ترى النور، مع تشكيك المسلمين في دينهم. (١)
_________________
(١) وات، محمد في مكة (٤٠).
[ ٢٠٣ ]