وهذا أوان البحث في سيرته العطرة - ﷺ -، وقد اعتمدت على النقد التاريخي الذي سبق إليه المسلمون في تمحيص صحة الأخبار ونقدها، مع مقارنة تلك الأخبار بالوارد في القرآن الكريم، مع الدراسة النصية والتحليلية لهذين المصدرين، لاستنباط ما تشير إليه النصوص في كلٍّ، مع الاتكاء على التفسير الموضوعي لآيات القرآن الكريم فيما يعد جديدًا - في ظني - لبحث السيرة، مع إضافة جديد آخر كرر بعد ذلك وهو دراسة ما حدث للأنبياء من قبل، وما وقع لهم ليكون دليلًا صادقًا فيما يمكن أن يقع للرسول - ﷺ - وأصحابه.
ركزت على نقد "مونتجمري وات" (١) - في النقد التاريخي، وبينت خطأه وخطله لتكون إضافة تتسم بالجدة، ليكتمل بذلك هذا التصور لرسالة حديثة في بحث السيرة، حاولت أن تلم بعناصر البحث كافة - ما وسعها الجهد - وتوفرت لها الطاقة.
وقد اختار الباحث هذا (العنوان) لهذا المبحث، لكون كثير من الكاتبين في السيرة من مسلمين ومستشرقين، جعلوه عنوان هذا الجزء من حياته، وما شمل من سيرته - ﷺ - وليكون متناسبًا أو موافقًا لهم، خاصة مع المستشرقين منهم، في الرد عليهم وتبيين الحق فيما انتهوا إليه، مما يخالف ما انتهيت إليه، معتمدًا على التحليل التاريخي الذي زعموا، ليظهر بذلك عدم الإنصاف وضعف الأمانة العلمية فيما وصلوا إليه، أو بتحري الدقة - كما سيتضح - فيما أرادوا أن يصلوا إليه.
_________________
(١) تم ترجمته في الباب الأول.
[ ١٤٥ ]
وإن هذا الفصل كسابقه يأخذ التنزل التاريخي للقرآن الكريم في الاعتبار وذلك أدعى لمواءمة هذا التدرج في السيرة من المولد إلى البعثة وليوضح تلك العلامات البارزة وغير البارزة في سيرته - ﷺ - كما يقولون.
من الجدير أن أقول - بحق هنا -: إنني لم أمتثل لعقدة الخواجة التي روج لها في بلاد الإسلام ذيول المستشرقين والمستغربين في دراسة السيرة وغيرها من علوم الإسلام، ولكنني ملت إلى الحق والإنصاف - واضعًا نصب عيني البحث ما وصل إليه المسلمون من صحيح الأخبار، آخذًا بها، ضاربًا عرض الحائط بما يخالفها مما لا وجه له من كلام المستشرقين خاصة إذا كان يظهر العلم والأمانة، ويبطن التعصب الذميم، والتحامل الفج، مع سوء التوجيه للأخبار والمواقف، والتطاول وعدم الأدب مع القرآن الكريم والرسول المعظم - ﷺ -، مع نقد هذا الكلام وهذه الآراء في نفس الوقت نقدًا نزيهًا، يرمي إلى تبيين الصواب ودحض الخطأ والباطل.
ثمة عنصر جديد آخر قد أضيف إلى البحث، وهو الاستدلال بما وقع للأنبياء وأتباعهم على كون مثله يمكن أن يحدث للنبي - ﷺ - وأصحابه، إذ إن الله قد أمره بأن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، كما سنبين ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى، علاوة على أن قصصهم كان عبرة لأولي الألباب، وبالتالي فمن باب الأولى أن تكون سيرته العطرة كذلك، ومن ثم كان إثبات أن مثل هذه الأحداث قد وقعت للنبي - ﷺ - وأصحابه مما لا جدال فيه، ودليله كما يبدو إجمالًا الآن، وتفصيلًا بعد ذلك في غاية القوة. وفيه كذلك رد من القرآن الكريم نفسه على نفاة تلك الوقائع أو الاعتراض تاريخيًا أو غيره على صحة هذه الأحداث.
ونبدأ بعرض السيرة النبوية، مع ما ذكرنا:
[ ١٤٦ ]