أ- السياسة التحريرية للموسوعة البريطانية:
لا شك أن مما ضمن هذا الاستمرار والحضور القوي للموسوعة البريطانية هي السياسة التحريرية التي انتهجتها منذ أول ظهور لها، ويلخص توم بانيلاس سياسة الموسوعة التحريرية كما يلي:
"هدفنا هو عرض جميع مجالات المعرفة الإنسانية متخذين موقفًا عالميًا شاملًا، أي أننا نشمل الثقافات الإنسانية الكبرى كلها دون محاباة لثقافة بعينها. فنحن نسعى بجدّ لنكون متوازنين في طرحنا على قدر يتوافق مع الطبع البشري، وسعيًا في هذا الاتجاه نقدم جميع الموضوعات، وبالنسبة للموضوعات
[ ٥ ]
التي يدور حولها الجدال ويختلف عليها العلماء فإننا نستنفد جهدنا في تلخيص جميع نقاط الجدال لقرائنا عوضًا من الانحياز إلى رأي دون آخر.
ويتم مراجعة وتقويم جميع موادنا دوريًا لتحديثها وتصحيحها ولمعرفة ما إذا كانت متوافقة مع آخر ما توصل إليه العلم، وتساعد شبكة من المستشارين العلميين تنتشر في جميع أنحاء العالم محرري الموسوعة في هذه المراجعات، وتعاد كتابة المادة إذا دعا الأمر لذلك، وإذا كان حجم التصحيحات كبيرا قد نكلف أحدا بكتابة مادة جديدة كليا" (١) .
إذًا فسياسة الموسوعة التحريرية هي الحيادية والشمولية والمراجعة والمتابعة المستمرة، ولكن إذا ما أردنا التجرد من هذا الرأي الصادر عن مدير العلاقات العامة في الموسوعة فإنه يمكن التعرف على كثير من معالم السياسة التحريرية للموسوعة البريطانية من خلال قراءة متأنية لسطورها. ولا حاجة للباحث لأن يذهب بعيدًا في البحث لكي يستشفها، وبخاصة مَنْ يريد قراءة مادة ما من مواد الموسوعة قراءة نقدية، خلاف ذلك الذي يريد الاطلاع لمجرد المعرفة، ويمكن توزيع سياسة الموسوعة على محورين عامين تنطوي تحتهما عدة عوامل.
أولا: اختيار المعلومة بدقة، وانتخاب صفوة من الكتاب المتخصصين. فعند تصفح مجلدات الموسوعة الموسعة يجد القارئ ملحقا بكل موضوع بحث قائمة ببليوجرافية موزعة حسب مواد الموضوع، مثلا تندرج تحت موضوع
_________________
(١) توم بانيلاس، مدير الاتصالات [العلاقات العامة] في الموسوعة البريطانية، في اتصال شخصي جرى بيننا عن طريق البريد الإلكتروني، بتاريخ ٢٣ يونيو ٢٠٠٣.
[ ٦ ]
"الإسلام" المواد: "الإسلام" و"محمد" و"القرآن" و"الحديث" و"اللاهوت والفلسفة" و"الصوفية الإسلامية" و"القانون الإسلامي" و"الأساطير والخرافات الإسلامية"، وتذيَّل كل مادة بثبت بأسماء المراجع والمصادر المهمة التي أخذت منها المادة المكتوبة في الموسوعة ويمكن البحث فيها للاستزادة عن الموضوع، وبالاطلاع على هذه القوائم يمكن لمختص في مجال مّا أن يتأكد من أن الكتابات التي رُجع إليها معتمدة في مجال تخصصها ولها قيمتها العلمية، وهي قد اختيرت من قبل أكاديمي بارز في مجاله، أو كاتب حاصل على أعلى الجوائز العالمية كما ذكر آنفا، وعادة ما يتخذ القارئ من هذه المصادر أول ما يرجع إليه للتوسع في بحثه.
ولكن عندما نقرأ القوائم الملحقة بموضوع الإسلام نجد أنها كلها كتابات مستشرقين معروفين من أمثال نودلكه ووات وآربري، وأن الزاوية التي تناول منها كُتَّاب المواد، أو وجهوا من قبل فريق التحرير إلى تناول الموضوع منها، زاوية مجحفة في حق الإسلام وتاريخه. وسنتابع هذه السياسة التحريرية عن كثب في تحليل مادة "محمد: النبي ورسالته".
ثانيًا: الموضوعية، وهي بناء المعلومة على الحقائق وتجريدها من الرأي والرؤية الشخصية للباحث. ويكاد يكون هناك إجماع عام في الدوائر العلمية، - خاصة بعد الازدهار الكبير الذي تشهده النزعة النسبية في الجامعات الغربية، التي ترى عدم إطلاق الحقائق وبخاصة فيما يتعلق بوقائع التاريخ (١) - على أن الموضوعية شيء نسبي، ورغم أن الموسوعة البريطانية تبدو للقارئ غير
_________________
(١) السؤال الذي يطرح هو: من يكتب التاريخ؟
[ ٧ ]
المتمرس - الذي يبحث عن معلومات خلفية - ذات صبغة موضوعية حول موضوع ما، إلا أن غطاء الموضوعية ينكشف سريعا أمام من هو على علم بالموضوع المطروح وبخاصة فيما يتعلق بطروحاتها عن الإسلام، وذلك من خلال اختيار مراجع تكشف لنا الدراسات الاستشراقية الإسلامية أنها عمد في هذا المجال، وأنها شكلت النظرة الغربية وربما العالمية التشكيكية غير المستساغة للإسلام، وهي وإن كانت تبدو أعمالًا علمية رصينة تستحق الرجوع إليها واقتباس طروحاتها، إلا أنها أحادية النظرة تفتقر إلى العلمية والموضوعية ويعوزها كثير من الإنصاف.
ومما يزيد من فرص قبول مادة الموسوعة والتأثر ببعض أفكارها اللغة التي كتبت بها تلك المواد، فهي رغم أنها قد صيغت بلغة يرى العقل الغربي أنها هي لغة العلم والموضوعية بعينها، تبدو كأنها لا تعطي تقريرًا نهائيًا ورأيًا حاسمًا بل قلما يجد القارئ فرصة كافية لكي ينفك من تأثيرها القوي وآرائها شبه النهائية، كما أنه ربما يعجز معها عن تكوين رأيه الخاص عن الموضوع المطروح، وبالرغم من هذا فمحصلة ما يكتب عن الموضوع وآرائه هي التي قد يخرج بها القارئ الذي يرى أنها هي بعينها رأي أهل العلم الذين يستحقون ثقته بهم.
ومن ملامح هذه اللغة ما يظهر جليًا طريقتهم في النقاش والجدال التي تهدف إلى إقناع القارئ بوجهة نظر الكاتب، وهذه الطريقة تختلف بين الثقافات، ولاسيما الثقافتين العربية والإنجليزية الغربية. وهناك أسلوبان أساسيان لطريقة النقاش (١) وهي: (١) الجدال المستمر (through-
_________________
(١) باسل حاتم وإيان ميسون، The Translator as Communicator، ص ١٢٦-١٢٧.
[ ٨ ]
argumentation) والجدال المناقِض (counter-argumentation)، ووفقًا للأسلوب الأول يطرح المجادل رأيًا ويستمر في دعمه حتى النهاية.
ويرى كثير من منظري الاتصال بين الثقافات أن أسلوب الجدل المستمر هو الأسلوب السائد في الكتابات العربية، ولكن هذه النظرة بدأت تتغير نتيجة لتأثير حركة الترجمة الواسعة التي تشهدها الثقافة العربية.
أما الجدال المناقض فيعمد بداية إلى ذكر الرأي المخالف ربما بشيء من التقدير ثم دحض هذا الرأي بهدوء وتقديم الدلائل المنطقية على موقف المجادل، وعادة ما يقدم المجادل بهذا الأسلوب تنازلًا مراوغًا (false concession) أو اعترافًا بوجاهة الرأي الآخر؛ لكي يوحي للقارئ بأنه فهم الرأي الآخر، ولكن بعد تفكير عميق وبحث واستقراء للواقع وصل إلى نتيجة مخالفة، وهذا الأسلوب هو المتبع غالبًا في الأوساط العلمية الغربية، والموسوعة البريطانية لا تشذ عن طوق هذه اللغة العلمية، فتحت العنوان الفرعي "الشخصية والإنجازات" الذي كتب عن نبي الرحمة نبينا محمد ﷺ تبدأ الموسوعة بالآتي:
"ورغم الإجحاف في حقه كثيرًا من قبل علماء أوربا القرون الوسطى
- الذين لا تزال آراؤهم تحتفظ ببعض التأثير - أصبحت النظرة لمحمد أكثر موضوعية في القرن التاسع عشر فبعض الأدلة ضده، مثل تواطئه في بعض الاغتيالات وإقراره اغتيال بعض رجال قبيلة يهودية، أمور تاريخية لا يمكن تكذيبها".
فالموسوعة بعد أن تورد تنازلًا مراوغًا يرهف إليه سمع القارئ تذكر من الإجحاف ما قالت إنه شيء لا يحتفظ إلا بقليل من التأثير في الوقت الراهن.
ومن مظاهر هذه اللغة العلمية أيضًا اعتماد لغة التحاشي hedging»،
[ ٩ ]
وهي لغة يحاول بها الكاتب تحاشي التصريح بالحقائق، وإعطاء انطباعٍ بعدم الوضوح والتأكد، وتوظف هذه اللغة بالاعتماد على وسائل عدة منها صيغة المبني للمجهول مثل: يُقال، ويُعتقد، والقارئ لا يعرف من الذي يقول أو يعتقد أهو الكاتب نفسه أم أحد العلماء المتخصصين؟ وعبارات مثل: يبدو وربما، وصفات وتقديرات مثل: قليل، إلى حد بعيد، بشكل ما، وخلافها. ورغم أن هذه اللغة هي اللغة السائدة في المراكز الأكاديمية الغربية إذ تعد حجر زاوية في أي أطروحة دراسات عليا يراد أن يكتب لها تجاوز المناقشة بنجاح، إلا أن مجرد ذكر القول المُضعَّف يُرجِّحه على غيره دون التزام بما فيه من فكر، ومن مزايا لغة التحاشي أيضًا جعلها الكاتب يبدو أقل تسرعًا وأكثر روية في قراءة معطيات الواقع، وكذلك إعطاؤها انطباعًا بالتشكيك في الموضوع المطروح، وكل هذا يعتمد على الحالة الخاصة معرض الحديث وهذا ما سنناقشه في الموضوع التالي.
وبالإضافة إلى هذا تتميز لغة الموسوعة البريطانية بالسهولة والسلاسة في صياغة الفكرة في عبارات يسهل تحليلها في ذهن القارئ وفهمها، بغض النظر عن مستواه الثقافي، فهي تستخدم الكلمات المتداولة وتتحاشى الألفاظ الغريبة والمتخصصة، وتتميز جمل مواد الموسوعة بالقصر إذ تشكل في جملتها وحدات معنوية «semantic chunks مما يجعل القارئ ينخرط في القراءة ويتتبع الأفكار المطروحة دون تشويش.
وهناك عدة وسائل لغوية أخرى توظفها الموسوعة في توجيه ذهن القارئ للخروج بقراءة معينة سنناقشها حين ورودها في الموضوع التالي.
[ ١٠ ]