ويورد د. فاروق عمر فوزي قول تور أندريه وهو يشكك في الثقة بالمعلومات التي وصلتنا عن محمد ﷺ قائلًا: "لا نعرف بالضبط متى ولد محمد؟ وأكثر ما جاءنا عن حياته الأولى معلومات أسطورية" (ص ٥١)، وتعليقًا على هذا يقول د. فاروق عمر فوزي: "وهكذا يفاجئ المؤرخ المتخصص بتاريخ الإسلام وبعد كل التقدم الذي حصل في تحقيق ونشر المخطوطات العربية وفي طريق البحث العلمي في التاريخ وفي تفسير التاريخ وفلسفته، يفاجئ المؤرخ بفرضيات وتفاسير تعود به إلى تصورات المبشرين المتطرفين في العصور الوسطى" (١) .
_________________
(١) فاروق عمر فوزي، الاستشراق والتاريخ الإسلامي، ص ٥١-٥٢.
[ ٢٠ ]
ويجد هذا المنهج السقيم طريقه إلى الموسوعة في عدة أماكن ويظهر التشكيك في أمور نعدها من المسلمات، ومن أمثلة ذلك:
*محمد (الاسم كاملا، أبو القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم) ولد في مكة سنة ٥٧٠م تقريبًا بعد موت والده عبد الله (١) .
*وفي حوالي ٥٩٥م في إحدى هذه الرحلات كان مسؤولًا عن تجارة امرأة ثرية وهي خديجة من بني أسد، وبهرها لدرجة أنها عرضت عليه الزواج. ويقال إنها كانت في الأربعين، ولكنها ولدت لمحمد على الأقل ولدين ماتا صغيرين وأربع بنات وأشهرهن فاطمة زوجة ابن عم محمد، علي (٢) .
يقول وات: "بولغ كثيرا في عمر خديجة، وتذكر المصادر أسماء سبعة أطفال ولدت لمحمد، ولو كان الأمر كما يذكر ابن سعد أنها أنجبتهم على فترات منتظمة، مما يجعل عمرها ثمانية وأربعين قبل ولادة الطفل الأخير، وهذا ليس أمرًا مستحيلا ولكنه من الغرابة بمكان بحيث يستحق الإشارة إليه، أنه أمر يمكن اعتباره معجزة" (٣) .
ورغم اعتراف وات بأن ولادة المرأة في سن الثامنة والأربعين "ليس أمرًا مستحيلا" إلا أنه يلقي بظلال من الشك على هذا الاحتمال، ويقول: بأنه
_________________
(١) Muhammad: in full Abu al-Qasim Muhammad ibn 'Abd Allah ibn 'Abd al-Muttalib ibn Hashim born c.، Mecca، after the death of his father، 'Abd Allah.
(٢) About، on such a journey، he was in charge of the merchandise of a rich woman، Khadijah of the clan of Asad، and so impressed her that she offered marriage. She is said to have been about، but she bore Muhammad at least two sons، who died young، and four daughters، of whom the best known was Fatimah، the wife of Muhammad's cousin 'Ali
(٣) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ٣٨.
[ ٢١ ]
معجزة، وهذا ما يعرف بالتنازل المراوغ أو بمنهج البناء والهدم (١)، وهو ليس إلا تلاعبًا بالألفاظ وتدليسًا كلاميًا، فكم من امرأة ولدت بعد الخمسين، فإن كانت هذه "معجزة" في رأي وات فهي معجزة لا تستحق كثيرا من الاهتمام.
*ويقال: إن المكيين خططوا لقتل محمد قبل أن يرحل (٢) .
*يستبعد وات محاولة اغتيال الرسول ﷺ التي تعرض لها قبيل هجرته التي حيكت في دار الندوة، إذ يقول "ليس هناك شك في أن هذا الاجتماع قد عقد، وأن الحاضرين أدركوا أن محمدًا يهيئ مشاريع معادية لهم، كما يقول ابن إسحق، وتوضح الحوادث التي وقعت فيما بعد أن النية لم تنعقد على قتل محمد ؛ لأن الاتفاق على ذلك لم يكن بالإجماع، ولربما كان قرب وقوع الخطر هو الذي عجل برحيل محمد، ومن الصعب التأكد من طبيعة الخطر الذي كان يهدد محمدا وأتباعه، فلقد أضيفت أشياء كثيرة على قصة الهجرة، حتى إن المصادر الأولى نفسها لم تخل من الإضافات، ولا يستبعد أن يكون محمد قد رُجِم في مكة بعد الاجتماع" (٣) .
يثير كلام وات هذا تساؤلات أكثر مما يجيب عنها: إذا كان يقطع جازما أن الاجتماع قد عقد، فلماذا عقد هذا الاجتماع؟ ثم لماذا يستبعد مشروع الاغتيال، بحجة أن هذا لا يتم في اجتماع؟ ألا يتم اتفاق كهذا في اجتماع
_________________
(١) عبد الله محمد النعيم، الاستشراق في السيرة النبوية، ٤٥ – ٤٧.
(٢) The Meccans are said to have plotted to kill Muhammad before he could leave.
(٣) مونتقمري وات، المرجع السابق، ص ٢٧٣.
[ ٢٢ ]
للملأ من أهل مكة؟ لقد أخبرنا العزيز الحكيم بما تم فعلا في هذا الاجتماع في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ([الأنفال: ٣٠]، وإذا كان يعترف بأن هناك خطرًا يهدد محمدًا ﷺ وأتباعه، فما هو هذا الخطر؟ ولماذا لا يكون الخطر هو محاولة الاغتيال؟ وكيف يفترض احتمال رجم محمد ﷺ دون دليل؟ أو يشكك وات في المصادر الأولى بحجة أنها "لم تخل من الإضافات" ثم يأتي باحتمال لا نعرف من أين أتى به؛ ليوهم القارئ بأنه لم شتات ما بَعثر.
[ ٢٣ ]