يرى وات أن النمو التجاري وتدفق الثروة كان لهما أثر سلبي على قيم الرحمة والكرم في المجتمع المكي مما انعكس على تصدع اللحمة القبلية، وكانت الحاجة ملحة للموافقة بين الازدهار المادي والنظام الأخلاقي الروحي البدائي الذي كان سائدا في المجتمع، ولتحقيق هذا الهدف تصور محمد ﷺ حلًاّ دينيًا للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، ولذا يقول إن: "إعلان الدين الجديد جاء ردًا على مرض العصر الذي سببه التطور الذي انتقل بالمجتمع المكي من حياة البداوة إلى اقتصاد حضري" (١) .
وتجد هذه الآراء طريقها إلى الموسوعة في الموضوع الفرعي التالي:
الدعوة النبوية والنشاطات الدينية المبكرة. يبدو أن محمدًا كان يمر بمرحلة من المزاج التأملي ويقال: إنه تبنى عادة قضاء الليالي في فترات متفرقة في غار في جبل في مكة. ولاشك في أن الفقر والنوازل في حياته المبكرة جعلته مدركًا للتوترات في المجتمع المكي. فمكة التي تقطنها قبيلة قريش التي ينتمي إليها بنو هاشم كانت مركزًا تجاريًا بنيت حول ملاذ محرم وهو الكعبة التي ضمنت أمن من يأتون للتجارة في الأسواق. وفي أواخر القرن السادس
_________________
(١) مونتقمري وات، Muhammad at Mecca، ص ١٦-٢٤.
[ ٢٦ ]
نشطت التجارة بقوافل الجمال بين اليمن ومنطقة البحر المتوسط (غزة ودمشق)، وجلبت البضائع من الهند وإثيوبيا إلى البحر المتوسط، وفرض كبار تجار مكة احتكارًا على هذه التجارة. ولهذا كانت مكة مزدهرة ولكن أغلب الثروة كانت في يد أقلية. ونتيجة لهذا تصدعت اللحمة القبلية فقد سعى التجار وراء مصالحهم الشخصية وأهملوا واجباتهم التقليدية نحو من هم أقل حظوظًا. وفي حوالي سنة ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولًا من الإله ([بالعربية] رسول الله) أو نبيًا (١) .
نحن لا ننكر وجود بعض أفراد في قريش استأثروا برؤوس الأموال دون غيرهم، واستحوذ عليهم الجشع حتى صاغوا من واقع مجتمعهم ومعاملاتهم المعيشية ما صاغوا وفقًا لما تقتضيه المصالح الاقتصاديةنهم أنهم صاغوا واقعه، وأن المجتمع المكي كان
_________________
(١) Prophetic call and early religious activity: Muhammad appears to have been of a reflective turn of mind and is said to have adopted the habit of occasionally spending nights in a hill cave near Mecca. The poverty and misfortunes of his early life doubtless made him aware of tensions in Meccan society. Mecca، inhabited by the tribe of Quraysh (Koreish)، to which the Hashim clan belonged، was a mercantile centre formed around a sanctuary، the Ka'bah (Kaaba)، which assured the safety of those who came to trade at the fairs. In the later ٦th century there was extensive trade by camel caravan between the Yemen and the Mediterranean region (Gaza and Damascus)، bringing goods from India and Ethiopia to the Mediterranean; and the great merchants of Mecca had obtained monopoly control of this trade. Mecca was thus prosperous، but most of the wealth was in a few hands. Tribal solidarity was breaking up; merchants pursued individual interests and disregarded their traditional duties to the unfortunate. About، as he reflected on such matters، Muhammad had a vision of a majestic being (later identified with the angel Gabriel) and heard a voice saying to him، “You are the Messenger of God.” This marked the beginning of his career as messenger (or apostle) of God (rasul Allah)، or Prophet (nabi) .
[ ٢٧ ]
فيه من الدنايا ما فيه، إلا أن اختزال رسالة محمد ﷺ في برنامج ضيق للإصلاح الاقتصادي والاجتماعي لضمان حق المستضعفين في توزيع الثروة، والقفز إلى هذه النتيجة، تفسير تلفيقي للأمور يقوم على فرضية أن هذا الدين مختلق وأن الوحي أتى من داخل النبي وهو أمر رددنا عليه في الشبهة الثانية، وإثبات أن الوحي من عند الله ﷾ هو إثبات أن محمدًا ﷺ لم يأت به من تلقاء نفسه.
إن أسباب إعلان الدين الجديد معروفة، فمنها: قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ يس: ٦]؛ وقول الحق ﷾:
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]، ويقول ابن كثير: "بعث الله محمدًا ﷺ في حين فترة من الرسل وطموس من السبل، وقد اشتدت الحاجة إليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إبراهيم الخليل، فبدلوه وغيروه واستبدلوا بالتوحيد شركا وباليقين شكًا، وابتدعوا أشياء لم يأذن الله بها فبعث الله محمدًا بشرع عظيم شامل كامل في الهداية والبيان لكل ما يحتاج إليه الناس من أمر معاشهم ومعادهم" (١) .
_________________
(١) ابن كثير، السيرة النبوية، ١/٤٧٨.
[ ٢٨ ]