يزعم المستشرقون أن الوحي إنما هو استشعار داخلي ولكنه صادق، فهم لا يشككون بصدق شعور النبي ﷺ بالنبوة، ولكنهم يظنون إنما هو استشعار داخلي وقناعة ذاتية دون أن يكون هناك شيء خارجي اسمه الوحي (١)، وأن كلمة "الوحي" لا تعني تلقي النص من الله ﷾ بل تعني اقتراحًا أو إشارة suggestion أو تكلم ذهني intellectual locution.
وفي حوالي ٦١٠م بينما كان يتدبر في أمور كهذه تراءى لمحمد مخلوق ذو أبهة (قيل فيما بعد إنه الملك جبريل) وسمع صوتا يقول له: "أنت رسول الإله". وشكلت هذه بداية مهنته رسولًا من الإله ([بالعربية] رسول الله) أو نبيًا. ومن وقت لآخر تلقى، على فترات متتابعة، حتى موته "وحيًا"،
_________________
(١) أكرم ضياء العمري، "موقف الاستشراق من السنة والسيرة النبوية"، ص ٦٠.
[ ٢٣ ]
أي رسائل كلامية اعتقد أنها أتت مباشرة من الرب. وأحيانًا بقيت هذه في ذاكرة محمد وأصحابه وأحيانًا كتبت. وفي حوالي ٦٥٠م جمعت وكتبت في القرآن (أو Koran كتاب الإسلام المقدس) في الصيغة التي بين أيدينا. ويؤمن [يعتقد] المسلمون بأن القرآن وحي إلهي كتب من كلام الرب نفسه (١) .
ونلاحظ في هذا الاقتباس الذي تفوح منه رائحة التشكيك أن كلمة "وحي" حصرت بين فاصلتين معقوفتين قبلها ومثلها بعدها أي ركِّنت. وهذه سنة متبعة في كتابات من يشككون في الوحي ممن ذكرنا آنفا يقصد بها التشكيك فيما بين الفواصل وتأكيده دون سواه في السياق الذي يرد فيه (٢) .
ويخرج وات بهذه النتيجة من خلال تأثره بأقوال سابقيه وبفهمهم الخاطئ لمعنى كلمة وحي، فهم يقصرون معناه على حديث النفس للنفس ويزعمون بأن مصدره هو "اللاوعي الجماعي، الذي هو مصدر كل وحي ديني" (٣)، وعملًا بمنهجهم في اختلاق النتائج ولي أعناق الوقائع التاريخية وتقطيع أوصالها
_________________
(١) About، as he reflected on such matters، Muhammad had a vision of a majestic being (later identified with the angel Gabriel) and heard a voice saying to him، “You are the Messenger of God.” This marked the beginning of his career as messenger (or apostle) of God (rasul Allah)، or Prophet (nabi) . From this time، at frequent intervals until his death، he received “revelations” — that is، verbal messages that he believed came directly from God. Sometimes these were kept in memory by Muhammad and his followers، and sometimes they were written down. About they were collected and written in the Qur’an (or Koran، the sacred scriptures of Islam)، in the form that has endured. Muslims believe the Qur’an is divine revelation، written in the words of God himself.
(٢) لمناقشة مستفيضة لفكرة "التركين" bracketing ووظائفها المختلفة انظر: وليد بليهش العمري، Social Semiotics for Translation Studies، ص ٩٧- ١٠١.
(٣) مونتقمري وات، Muhammad at Medina، ص ٣٢٥.
[ ٢٤ ]
للتوافق مع هذه النتائج، أوّلوا آي الكتاب وبخاصة الآيات ١-١٢ من سورة النجم، والآيات ٢٢-٢٨ من سورة التكوير، التي تتحدث عن إلقاء الوحي إلى رسول الله ﷺ ولقائه جبريل ﵇، حيث يقول وات: إن عدم ذكر اسم الملك يشكك في رؤية الرسول ﷺ له! ثم بعد ذلك يناقش باستفاضة أن كلمة "أوحى" تعني "اقترح"، ويستقرئ الروايات الإسلامية في ضوء هذا الزعم.
وإذا كان وات يرى هذا فما باله بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ ([الدخان:٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ [القدر:١]، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فهل كلمة أنزل تعني اقترح أيضا؟
وماذا سيقول وات وغيره من المستشرقين في آيات الإعجاز التي تشهد يوما بعد يوم أن القرآن ليس من عند رسول أمي عاش قبل ألف وأربعمائة سنة، فهل من حديث النفس للنفس أن ينزل الله ﷾ وصفًا دقيقًا لمراحل نمو الجنين لم تهتد إلى مثل دقته البشرية بكل ما أوتيت من أنواع المعارف إلا في القرن التاسع عشر؟
وما رأي وات في المظاهر الحسية -التي ذكرتها الروايات المتواترة المنقولة عمن عاصروه ﷺ - من تفصُّد جبينه عرقًا في اليوم الشديد البرد، ومن ثقله الشديد الذي لا يحتمله بشر عادي أثناء نزول الوحي عليه ﷺ؟ ومن ذلك ما رواه البخاري عن زيد بن ثابت ﵁ عندما كان فخذه تحت فخذ رسول الله
[ ٢٥ ]
ﷺ ونزل الوحي عليه وهم على حالهم تلك فوجد زيد ما وجد من الشدة حتى خاف أن تُرَضّ فخذه، وهل هذه المظاهر الحسية أيضا من حديث النفس للنفس؟
[ ٢٦ ]